- 30 أيلول 2015
- أقلام مقدسية
بقلم : بروفيسور راسم محيي الدين خمايسي
يشهد مجتمعنا تغيرات وتحولات سلوكيه، بنيوية ووظائفية كثيرة كجزء من القرية الكونية، بظرفيتنا المنفتحة والمفتوحة على حضارات العالم والمجتمعات الانسانية المتنوعة. هذه التغيرات والتحولات هي نتاج زيادة عدد السكان، تغير في المبنى الديموغرافي والاجتماعي والثقافي، وارتفاع المستوي الاقتصادي ... الخ. هذه التحولات رافقتها عملية تَمدُن ومَدْيَنة، أي تحول قُرانا إلى بلدات ومُدن، وحدوث تغيرات في أنماط سلوكنا الفردي والجمعي، واستثمارنا لأوقاتنا ووسائل الإنتاج وعمليات الاستهلاك المتوفرة وتلك المُنتَجة محليا او مستوردة. كجزء من سيرورات التحولات هو الخلط بين مفاهيم القيم والأعراف والتقاليد كأنها متشابه. هذا الخلط يضيف مساهمته لإضاعة البوصلة وتشوية المعايير التي تمنحنا التفريق بين المهم والاهم، وبين المسألة المركزية والثانوية لتوجيه سلوكنا المجتمعي من اجل إدارة شؤوننا الحياتية في واقع التحولات السريعة التي نمر بها.
إن منطلقنا في هذه المقالة القصيرة يتلخص بأن على أي فرد أو اُمة تقع مسؤولية وواجب المحافظة على منظومة القيم الفردية والجمعية التي تضبط سلوكه وعلاقته مع نفسه ومع مجتمعه وكذلك العلاقة بين المجتمعات المتصلة او المتشابكة معهم. هذه القيم تُشكل البوصلة الموجهة لمنظومة الأخلاقيات والسلوكيات التي نسعى أن نحافظ عليها ونحميها. بينما الأعراف والتقاليد هي متغيرة ومتحولة متأثرة من واقع المجتمع على ما يشمله الأمر من حجم البلدة، طبيعة العلاقات بين أفراده، وسائل إنتاجه واستهلاكه المادية والمعنوية والثقافية. لذا نجد أن الأعراف والتقاليد هي متغيرة بينما القيم باقية ثابتة ولها معانٍ وتطبيقات إنسانية عامة. صحيح أن ديننا الحنيف اقر بإشارة إلى أننا يجب علينا الأخذ بالعرف لقوله تعالى : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾؛ مع ذلك فان الأعراف والتقاليد غير الحميدة جاء الدين ليغيرها ويستبدلها بأعراف مُنتَجة منطلقة من قيم إنسانية أخلاقية. لذا فان بعض الأعراف والتقاليد تَخضع لميزان بين القبول والرفض وبين أن تكون محمودة او غير محمودة. بينما القيم هي محمودة ومرغوبة. فمثلا قيمة الصدق، العدل، الإنصاف، قول الحق، بذل الجهد، الاجتهاد، الكرم، التضحية، المُروة والعمل هي قيم متفق عليها انها محمودة، بينما أعراف وتقاليد كانت شائعة في الجاهلية والبداوة والمجتمع القروي القبلي الحمائلي مثل الانتقام، الدية، الالتزام بالقبلية، أنماط وسلوكيات الزواج، الاعراس والمآتم هي أعراف تعارف عليها الناس بعد أن قام بها احدهم وتبناها الآخرون كتقليد لتصبح من سلوك ناسخ مُقَلد فردي أو جمعي إلى عرف عام بيئي ومنها انتقل ليكون تقليداً، رغم انه في بعض الاحيان جزء من هذه الأعراف مجانب او مغاير او حتى مخالف للقيم، رغم ذلك يستمر الناس الأخذ به كأنه قانون مجتمعي يعاتب من يخالفه او ينكر على من لا يعمل به. وحتى ان هذه الاعراف والتقاليد انتقلت وتجذرت في السلوك الاجتماعي وتبنته واعتمدته البنى والمؤسسات السياسية التي تسعى الي حفظ العظاميه كجزء من تقليد قَبَلي، بدل العصامية والأهَلية، دون الاكتراث بالانتماء العشائري والقبلي.
لذلك أدعو التفريق بين منظومة القيم وما يتوارث من اعراف وتقاليد حميدة بانية، التي أسعى إلى توريثها وأخذها كإرث محمود ممن سبقونا والعمل بها. بينما أدعو إلى قراءة ناقدةَ للأعراف والتقاليد التي توجه وتضبط سلوكنا الحياتي. تسعي هذه القراءة الى التفريق بين مدى مناسبه الاعراف والتقاليد المبنية عليها لمنظومة القيم التي ندعو وننادي لكي نلتزم بها، وتلك المخالفة للقيم يُمكن تبديلها واستحداث أعراف وتقاليد جديدة مناسبة للواقع الذي نعيشه غير متأسفين على زوالها. هكذا فان الفرد، المجتمع والامة الذين تضبطهم منظومة قيم واعراف وتقاليد حميدة مشتقة ومنحوتة منها، وتكون الفيصل الذي يحكم سلوكهم الحياتي لا بد من خروجهم من ازماتهم وتَخَلُّفهم. اما الذين يستمرون في اجترار الاعراف التي نشأت وتطورت في بيئة ماضوية مختلفة ومازلنا نقلدها، وتدعو فئات ونخب مصلحيه ذات تأثير في مجتمعنا للعمل بموجبها وعدم مخالفتها لأنها مستفيدة حتى ماديا منها وتحفظ لها مواطن القوة. لذا نجد هذه النخب المصلحية هي اول من يقف معاديا او علي الاقل معارضا لاستيضاح التفريق بين القيم، الاعراف والتقاليد.
طبعا أنا لا أدعو لنكران كل الأعراف والتقاليد، بل أدعو إلى غربلتها والتعامل معها بانتقائية. كذلك أدعو إلى الانتقال السلس والمنسجم مع الواقع الجديد وليس كسر وإلغاء ما كان البارحة. لان هذا الكسر والانتقال السريع ربما يواجه بانتقادات ومحاججات من أخوة وأخوات تربوا على هذه الأعراف والتقاليد، وانها تساهم في حفظ الامان والاستقرار المجتمعي، وهو هدف انادي بتحقيقه وتجنب العنف حتي في سيرورة عملية التغيير المنشودة. انني ليستُ ساذجا او متجاهلا لحال الاخوة والاخوات الذين ربما من الصعب عليهم ترك اعراف وتقاليد تربوا عليها بسرعة رغم انهم على علم ووعي بمخالفتهم للقيم التي يؤمنون بها، كما أن المجتمع مُكَّون من أفراد ومجموعات يوجد بيننهم اختلافات وتَنَوُع، ويجب عليها احترام هذا التَنَوُّع كجزء من قيمة مجتمعية. مع ذلك علينا طرح بدائل واحترام التجديد بالإضافة للحفظ الانتقائي للأصالة.
إن الخطاب والسلوك السلفي لحفظ الأعراف والتقاليد بشكل مطلق هو مساهم في تخلفنا وخلق غربة بين الشباب المغامر النقدي وبين المحافظ والسلفي، وهذا ربما يؤدي في بعض الأحيان الى القطيعة والمشاحنة بين الأفراد وفئات المجتمع، وحتى أولئك الذين تربطهم صلة قربى او جوار. نحن في بلدنا الحبيب نلاحظ تحولات في أعراف الزواج، الاعراس والمآتم والعلاقات الاجتماعية والسكنية كجزء من المنظومة الاجتماعية التي نعيشها ونتحول معها، بالموازاة نحافظ على منظومة قِيم إنسانية منطلقة من مفاهيم دينية واجتماعية تحافظ علينا كأفراد ومجتمع مستقر متكافل ومنسجم. هذه التحولات في الأعراف والتقاليد هي صِحِّية ومُناسبة لتطور كل مجتمع، وعلينا واجب التعايش والتَماشي معها، والا نشعر بحرج بالمعايشة معها وقبولها، وحتى تطويرها بموجب ظرفيتنا. بالمقابل ادعو الى تطوير خطاب وسلوك حفظ القيم والجهار بها، لأنها الضابط الأساسي لمكوناتنا الاجتماعية والتي تحافظ على ميزات سلوكنا بموجب منظومة مُثُل وأخلاقيات نستطيع أن نفاخر بها ونورثها كأسس باقية للتنمية والنهضة المنشودة في مجتمعنا، رغم التناقضات التي نعيشها؛ ومع ذلك علينا مسؤولية بذل الجهد من اجل اخذ نتيجة نحو التنمية والاستقرار والصحة المجتمعية.
ربما يقول اخ او اخت ناقدون مشكورين لما تقدم بان هذا الخطاب والسلوك الذي ينادي بتبني التفريق الفيصل للقيم ليحكم سلوكنا، وبناء علية غربلة الاعراف والتقاليد، بادعاء ان هذا ليس بالأولوية، او اننا مجتمع قروي محافظ، او اننا نعاني من واقع جيوسياسي ظالم مُعتدٍ مُمُيز ومُقْصٍ على اساس اثني- قومي عنصري واننا لا نملك اراده انتاج وادارة الحيز العام. وجهه نظري بهذا الشأن ان من اسباب تَردينا للواقع والمكانة التي نعيشها هو تجنب تحكيم القيم في سلوكنا للتعامل مع ذاتنا، مع مجتمعاتنا وحتي مع الآخرين. وان من العوامل الرئيسة والرائدة للخروج من ازماتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، اعتماد منظومة قيم موروثه مشتقة منها اعراف وتقاليد تساهم في اعادة بناء مجتمعنا ونهضته. يكفي القاء اللَّوم وكَيل الاتهامات للأخر، بل يجب علينا اخذ المسؤولية وتجاوز المعيقات الداخلية والخارجية التي تساهم اما لاستمرار جلد ذاتنا الحالي، او الاشتياق الي ماضٍ زاهر، دون بذل جهد لبناء حاضرنا لتوريثه لأبنائنا واحفادنا في وطننا.

