• 12 تشرين أول 2015
  • أقلام مقدسية

بقلم المحامي زياد أبو زياد

 

السؤال التقليدي الذي يتردد هذه الأيام هو ما إذا كانت الأحداث الدامية التي نعيشها هي بدية الأنتفاضة الثالثة ، أم أن الانتفاضة انطلقت بالفعل مما جعل البعض يتسابق في التحذير من مغبة وقفها . والملفت للنظر أن أكثر المتحمسين للإنتفاضة والمتحدثين عنها ليسوا ممن أيديهم في النار.

فهناك عدة عوامل تكمن وراء ما يحدث أبرزها التحرشات الإسرائيلية بالمسجد الأقصى والإعتداءات التي يقوم بها المستوطنون ضد أبناء شعبنا خاصة في شمل الضفة وجنوبها واستمرار الجمود السياسي وانعدام الفرص أمام الشباب والتأثر بالأجواء العامة التي تسود المنطقة.

ولا بد من التوقف عند التحرشات الإسرائيلية بالمسجد الأقصى. فقد شهدنا منذ عام 2000 محاولات اسرائيلية مستمرة لتطبيع دخول اليهود الى ساحات المسجد الأقصى بدءا بأعداد قليلة تحت مسميات مختلفة ثم بدأت هذه الأعداد تتزايد بشكل مضطرد ، ثم بدأت تشمل محاولات بين الحين والآخر للقيام بطقوس دينية يهودية  معينة وفي سياق تحريض رسمي شارك فيه أعضاء كنيست ووزاء تزايدت وتيرته بشكل ملحوظ جدا في عهد الحكومة الحالية ذات الأغلبية اليمينية واستخدمت فيه كل الوسائل والموارد الحكومية المتاحة لتحقيق هذا الهدف. وبات واضحا للعيان أن رئيس الوزراء الأسرائيلي بنيامين نتنياهو غير قادر على كبح جماح هذه المحاولات لأن قلبه معها من ناحية ولأن الذين يتبنونها هم الأكثرية في حكومته وهو عاجز عن مواجهتهم . والغريب أن رئيس الوزراء نتنياهو يعلن وبشكل متكرر أن ليست في نية حكومته تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى ولكن هذا الإعلان لا يتضمن تحديدا للمقصود بالوضع القائم  status quo 

فالمقصود بالوضع القائم هو الحالة التي اتفق عليها بين كل الأطراف الدينية في مدينة القدس عام 1851 إبان العهد التركي وتمت المصادقة عليها عام 1852 واستطاعت الحفاظ على العلاقات الدقيقة والحساسة جدا بين الطوائف المسيجية بعضها بعضا فيما يتعلق بكنيسة القيامة ، وبين أتباع الديانات الثلاث في المدينة المقدسة فيما يتعلق بالأماكن المقدسة الأخرى . وللأسف فإن نتنياهو يتجاهل المقصود بالوضع القائم ويتلاعب بالكلام لإعطاء الانطباع المضلل بأن الخلل والتحريض هو في الجانب الفلسطيني.

لقد قلنا مرارا بأن المسجد الأقصى هو قنبلة نووية لا يجوز بأي حال من الأحوال العبث بها لأنها ستنفجر في وجه الجميع ، ويقينا أنه بالرغم من الأحداث الدامية التي نشهدها فإن هذه القنبلة لم تنفجر بعد بكامل طاقتها وأنه ما زال بالإمكان احتواء المشكلة ومنع الإنفجار المدمر .

ولا بد هنا من التنويه بأن المسجد الأقصى لا يقتصر فقط على الأماكن المسقوفة وهي المسجد القبلي وقبة الصخرة وإنما يشمل بالإضافة إليها كافة الساحات والمصاطب والأروقة الموجودة داخل البوابات الخارجة لمجمع الحرم الشريف.

لقد أدرك حكماء اليهود من الحاخامات طيلة القرون الماضية كنه هذه المسألة وتبنوا الفتوى الدينية اليهودية ( تساف هلخه) التي لا تجيز لليهود الدخول إلى ساحات المسجد الأقصى الذي يسمونه جبل البيت أي الهيكل ، إلى أن يأتي المسيح ويقيم الهيكل ، ولكن الذين كانوا يقومون بهذه المحاولات المحمومة لتغيير الوضع في الأقصى هم في غالبيتهم من اليهود القوميين المتطرفين ، واستطاعوا خلال السنوات العشر الماضية أن يوسعوا نطاق دائرة  المتعاطفين مع حملتهم والمؤيدين لها من مختلف شرائح المجتمع الإسرائيلي بحيث أصبحت فكرة الصلاة في الحرم القدسي / " جبل البيت " وإعادة بناء الهيكل يحظى بتأييد شعبي يهودي متزايد.

إن أحدا لا يستطيع ان يتحكم بمشاعر أحد وبالتالي لا نستطيع أن ننكر على اليهود مشاعرهم تجاه القدس أو ما يسمونه جبل الهيكل أو نمنعهم من أن يحسوا بما يحسوا ، ولكننا نقولها بالفم المليان بأن النظام الذي كان سائدا طيلة القرن ونصف الماضي والقرون التي سبقته ، والذي جنب الجميع الدخول في صراع ديني دموي يجب أن يستمر وأن يستمر احترامه والتقيد به وأن أية محاولة لتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى ستكون مدمرة  وستخرج هذا الصراع من دائرة الصراع السياسي إلى دائرة الصراع الديني ، أي من دائرة المنطق إلى دائرة العنف الدموي الذي لا حكمة ولا منطق فيه. وعلى القيادة الإسرائيلية أن تكف عن الحديث بلغتين وأن تكبح جماح متطرفيها قبل فوات الأوان.

وثمة أمر آخر وهو فشل العقلية الإسرائيلية في فهم الأعراف والتقاليد الإسلامية والعربية التي تحرم المساس بالمرأة ، فقد فشلت في فهم أن المساس بكرامة وحياة النساء الفلسطينيات هو عمل في أقصى درجات الاستفزاز والنحريض ضد مشاعر الفلسطينيين وأن ما تتناقله وسائل الإعلام من ممارسات واعتداءات ضد النساء الفلسطينيات عند مداخل الأقصى وفي ساحاته لا يقل تحريضا واستفزازا عن الإقتحامات التي يتعرض لها الأقصى ذلك لأن الجميع يدرك بأن هؤلاء النسوة يتعرضن لما يتعرضن له بسبب تواجدهن في الأقصى ، وبالتالي فإن الأنتصار لهن هو انتصار للأقصى.

وأخيرا حالة الهوس المنفلت التي سمحت السياسة الإسرائيلية لمواطنيها الدخول فيها. إن الدعوة السافرة من قبل بعض المسؤولين الإسرائيليين لأبناء شعبهم من المدنيين لحمل السلاح الناري ، وقتل " المخربين " – وفي وجدان كل إسرائيلي أن كل فلسطيني هو مخرب – هي إعطاء رخصة بالقتل ،  مما أدى إلى قتل عدد من الفلسطينيين دون أي مبرر أو سبب وشمل ذلك أعمال قتل تمت من قبل رجال شرطة كما ظهر في الفيديو الذي تناقلته وسائل التواصل الإجتماعي والذي ظهر فيه الفنى فادي علون يتوجه نحو الشرطة الأسرائيلية لحمايته من الجمهور الذي يهاجمه فما كان من الشرطة إلا أن أطلقت النار عليه وأردته قتيلا ، وهذه حادثة لا يمكن أن تمر دون تحقيق وتحقق من صحة ما تم تناقله ومعاقبة أي شخص خارج على القانون مارس القتل بدم بارد ، وقد تكرر ذلك المشهد أيضا في عدد من حالات القتل الأخرى في القدس والناصرة والعفولة والتي يجب التحقيق المحايد فيها ومعاقبة من قاموا بأعمال القتل بدم بارد في ظروف لم تكن فيها أية أسباب تدعو للقتل .

إهدار دم الفلسطينيين واستباحته هو إشعال للفتيل وإذكاء للنار وتغذية وتصعيد لما يحاول البعض تسميته بالإنتفاضة الثالثة.

ويبقى السؤال هو ما الذي يجري وإلى أين نحن ذاهبون. هل ما يتم هو في سياق استراتيجية وطنية ذات هدف واحد وواضح أم أننا نراوح في دائرة رد الفعل نقدم القرابين عشوائيا وأننا عاجلا أو آجلا سنعود من جديد إلى الواقع المؤلم الذي كان يسود قبل اندلاع الأحداث.

لا أعتقد بأن الإنتفاضة هي هدف في حد ذاتها ولا يجوز بأي شكل من الأشكال أن تكون هدفا بحد ذاته. وعلى كل الذين يتسابقون للمناداة بعدم وقف الإنتفاضة أن يسألوا أنفسهم عما إذا كانوا هم أنفسهم جزء فاعل في هذه الإنتفاضة ويدفعون ثمن الدم الذي يتم دفعه أم أنهم يمسكون بالريموت كونترول ليرسلوا غيرهم إلى الموت وهم في مقاعدهم الوثيرة أو في استوديوهات الإعلام المكيفة.

نحن في ظل احتلال سيبلغ عمره نصف قرن بعد أفل من عامين ، وهذا الإحتلال يجب أن ينتهي . ونحن نتعرض إلى عملية سلب ونهب لأرضنا وحقوقنا وهذا النهب والسلب يجب أن يتوقف. ونحن دخلنا في عملية سياسية جعلتنا نتنازل عن حقنا في أكثر من سبعين بالمئة من أرضنا في فلسطين التاريخية وقبولنا بالدويلة إلى جانب إسرائيل ولكن ذلك لم يتحقق. ونحن ما زالت تقودنا قيادة تقول بأن خيارها الأول والثاني والثالث والمليون هو المفاوضات مع أن الجميع قد وصل إلى قناعة بأن هذا الخيار لم يعد مقنعا ً ولا مجديا ً بسبب استمرار التعنت الإسرائيلي الذي رأى في رغبتنا الحقيقية بالسلام ضعفا ً واستسلاما ً.

الإنتفاضة ليست تفريغا ً لشحنات الإحباط والغضب التي تتراكم فينا كل عقد من الزمن لنعود إلى ما كنا فيه قبل ذلك التفريغ ، ولنبدأ من جديد شحن أنفسنا لعشر سنوات أخرى وانتفاضة أخرى ، وعودة إلى وضع أسوأ من الذي سبقه. فالإنتفاضة إن لم تكن في سياق خطة وطنية واستراتيجة وطنية واضحة الهدف وفي إطار برنامج وقيادة واحدة فإنها لن تكون أكثر من " فشة خلق " لا تقدم ولا تؤخر.

ما زال بالإمكان وقف التدهور ، وإسرائيل هي التي تستطيع وقفه لأنها هي التي تقف في موقع القوة والقدرة على تجنيب الشعبين الدخول في مسلسل الدوامات الدموية الذي لا نهاية له إلى أن ينقلنا جميعا إلى ساحات العنف الدموي الإقليمي الذي ستكون فيه إسرائيل هي الخاسر الأول.

إن على الإسرائيليين أن يكفوا فورا عن محاولات المساس بالأقصى وأن يكبحوا جماح مجانينهم ومتطرفيهم الذين يجرونهم إلى لهيب حرب دينية سيكونون فيها هم الخاسرون. وباستطاعة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ، إذا أرادأن يُصدر أمرا بوقف أية محاولات للدخول إلى المسجد الأقصى ومثل هذا سيؤدي حتما ً إلى دحض الإشاعات حول ما تبيته حكومته للمسجد وتوقف كل ردود الفعل الفلسطينية بهذا الصدد ، وعلى إسرائيل أن تفهم بأن الإستيطان هو سرطان في جسدها وأن لا تعايش بين الحديث عن السلام والمفاوضات مع استمرار الإستيطان ، وأن تجميد كافة الأنشطة الإستيطانية في هذه المرحلة تمهيدا لإخلاء المستوطنات وإتاحة المجال أمام الشعب الفلسطيني ليعيش بحرية وكرامة على أرضه هو المدخل الحقيقي لإخراج المنطقة من دائرة العنف الدموي ووضع الأسس لحياة مستقبلية تضمن الأمن والسلام للجميع.