• 9 كانون الثاني 2016
  • أقلام مقدسية

بقلم : راسم عبيدات

 

القدس اعادت للقراءة والثقافة اعتبارها من خلال أطول سلسلة بشرية للقراءة حول أسوار المدينة في أذار من عام /٢٠١٤، وكان من اهداف تلك المبادرة الشبابية التي كان الشهيد بهاء عليان واحداً من أبرز وأنشط القائمين عليها، هو "تعزيز صمود المقدسيين بالمدينة، وأحداث حالة ثقافية في القدس، وتوحيد الثقافة الفلسطينية في الضفة والقدس وغزة والداخل الفلسطيني والخارج".

وها هي القدس في ٢٦ الماضي، تعيد الإعتبار لمن كان واحداً من روادها ورواد فكرتها ... ففي هذا اليوم كان الشهداء جميعاً متحلقين مع اهل القدس حول أسوار مدينتهم..كانوا يدقون جدران الخزان بقوة...ويقولون لا عذر لمن عرف الفكرة وآمن بها وادركها وتخلى عنها...كانت أرواحهم تحلق فوق جموع الحاضرين تقول لهم استمروا في الطرق والدق والغناء والمجابهة,...نريد أن نخترق كل الحواجز والجدران لكي نصلي معاً في الأقصى والقيامة...فالأقصى والقيامة رمز عزتنا ووحدتنا،كما انهما رمزا وجودنا الحضاري والديني في هذه الديار المقدسة منذ ألآلاف السنين... نريد ان ندخل القدس بإتجاه الأقصى والقيامة تحت راية علم فلسطين، ففلسطين هي الهدف الذي ترفعه كل احزابنا وفصائلنا،أرواحنا تحلق فوقكم وتقول لكم مللنا الإنقسام والشعارات الجوفاء و"الهوبرات" الإعلامية والتصريحات والبيانات والخطب الرنانة والطنانة واللقاءات المتلفزة،بأن القدس العاصمة الأبدية لدولتنا الفلسطينية، فالقدس بحاجة لمن يقرن القول بالفعل، لمن يدعم ويعزز وجود وبقاء المقدسيين في قدسهم وعلى أرضهم.

نريد ان نعود لكي نرى اهدافنا قد تحققت...نريد أن نرى الأطفال الذين شاركونا سلسلة القراءة في أذار من عام ٢٠١٣ حول أسوار القدس قد كبروا وأصبحوا رجالاً في وطن حر بدون قيود او حواجز وجدران....نريد ان نرى اللاجئين يعودون الى ديارهم التي شردوا منها قسراً بفعل طردهم وتدمير قراهم ومدنهم على يد العصابات الصهيونية الى المنافي ومخيمات اللجوء المفتقرة الى أدنى مقومات وشروط الحياة البشرية والإنسانية، ولم ينصفهم المجتمع الدولي الظالم بعد ثمانية وستين عاماً من اللجوء والتشرد، بل هناك من يصف نضالاتهم وتضحياتهم، من أجل نيل حقوقهم وحريتهم ب"الإرهاب"ويناصر الجلاد على الضحية.

في تلك الوقفة الإحتجاجية وحشية الإحتلال تجسدت في أقبح صورها،جموع من المواطنين المقدسيين زادوا عن ألف وخمسمائة كباراً وصغاراً من مختلف المشارب الفكرية والسياسية ومؤسسات المجتمع المدني والحراكات الشبابية، جاؤوا لكي يقولوا للإحتلال الغاشم..من حقنا ان نحيا ونعيش بحرية وكرامة...ومن حقنا أن نستلم جثامين شهداءنا...امنعوا الطيور من التحليق في سماءنا، صادروا بسطات الخضار من على أرصفة شوارع القدس..وامنعوا عنا الهواء ...انسفوا ودمروا بيوت الشهداء والأسرى، هددوا بسحب إقاماتهم وطردهم الى خارج مدينة القدس، شرعوا من خلال قوانينكم وتشريعاتكم العنصرية سياسة الإعدامات الميدانية على راشقي الحجارة وملقي الزجاجات الحارقة وحتى مطلقي الألعاب النارية "الفتاش"،او من تختلقون الحجج والذرائع نتيجة حالة هلعكم وخوفكم،بأنه حاول دهس او طعن جنودكم أو مستوطنيكم، وكذلك ضمن سياساتكم الرامية لبث الرعب والخوف عند اطفالنا وشبابنا، وقتل روح النضال والمقاومة عندهم ... مارسوا كل طقوس ساديتكم، اجلبوا التقارير النفسية لقتلة الشهيد الفتى أبو خضير،بأنهم يعانون من الإنفصام والإضطرابات النفسية والعقلية،واعملوا على تبرئتهم، وكذلك مع قتلة وحارقي عائلة الدوابشة احياءاً....فطقوس مستوطنيكم في اعراسهم وهم يطعنون صور من احرقوهم من اطفال عائلة الدوابشة تكشف حقيقة حقدكم وعنصريتكم.... كل إجراءاتكم وممارساتكم وجرائمكم وتشريعاتكم وقوانينكم، وعقوباتكم الجماعية وسياسة التطهير العرقي وغيرها،لن تجعلنا نتخلى عن حقنا في الحرية واستعادة جثامين شهداءنا.. هؤلاء الشهداء تحتجزون جثثهم الطاهرة وتعتدون على اعضائها...وتمنعون حتى دفنها بما يليق بكرامة الإنسان، ليس فقط تصرفاتكم منافية لكل الأعراف والمواثيق والإتفاقيات الدولية،بل متجردة من كل المعاني الأخلاقية والانسانية.

فمن يعدم الشاب مصعب الغزالي من ذوي الإحتياجات الخاصة بدم بارد في القدس، وقبلها بيوم السيدة مهدية حماد في سلواد..ليس بغريب عليه ان يمعن في إذلال الناس وإمتهان كرامتهم، أو قمع المشاركين في المسيرة السلمية بوحشية وهمجية بالرصاص الحي والمطاطي والقنابل الغازية والصوتية، لا لشيء اقترفوه سوى أنهم يتحلقون حول أسوار القدس مطالبين بتسليم جثامين شهدائهم، تقمعونهم وتهابون وجودهم ومسيرتهم السلمية لأنها تعريكم وتفضحكم امام الرأي العام العالمي، هذا الرأي العالمي الذي أصبح شيئاً فشيئاً يعي حقيقة دولتكم العنصرية، وممارساتكم المتعارضة مع كل ما يمت لحقوق الإنسان او القانون الدولي والإنساني بصلة.

وتزداد عزلتكم ومقاطعتكم على المستوى الدولي...وعلى مقربة من قمعكم للمسيرة السلمية، وفي مقر الصليب الأحمر بالقدس يعتصم الشابان سامر أبو عيشه وحجازي أبو صبيح إحتجاجاً على قرارات الإبعاد الصادرة بحقهم عن مدينتهم وأسرهم وعائلاتهم ومركز حياتهم، لا لشيء سوى انهم يرفضان وجود الإحتلال والعيش بذل وبدون كرامة.

القدس كانت وستبقى سيدة الحدث والموقف والمبادرة،وهباتها الشعبية والجماهيرية لا ولن تهدأ أو تتوقف، ما دام الإحتلال يعتقد بأن الحل فقط بالحلول الأمنية والمزيد من القمع والتنكيل، والعقوبات الجماعية وسن المزيد من التشريعات والقوانين العنصرية، فالإحتلال جرب كل أشكال العقوبات وانواعها، ولكن لم يستسلم المقدسيون ولم يرفعوا الرايات البيضاء، فهم يريدون ان يعترف هذا المحتل الغاشم بحقوقهم، ويرفضون العيش بذل وبدون عزة وكرامة، يريدون ان يرحل عنهم هذا الإحتلال أصل وجذر كل المشاكل والشرور.

غادر المقدسيون أسوار القدس التي تحلقوا حولها مطالبين بتسليم جثث شهدائهم، بعد قمعهم بهمجية ووحشية من قبل جيش الإحتلال وشرطته وخيالته، ولكن أرواح الشهداء بقية متحلقة حول أسوار القدس، وهي تقول لن نغادر أماكننا قبل أن يسمح لنا بالدخول من بوابات القدس للأقصى والقيامة مع الجموع القادمة مرة ومرات، لكي نصلي معاً في الأقصى وندفن في رحابه تحت راية فلسطين التي دفعنا مهرها دماً وشهادة.

 

الإحتلال يمعن في قمعه وبطشه، ويرفض تسليم جثامين شهداء القدس إلا وفق شروطه، بدفنها خارج إطار ما يسمى بحدود بلدية القدس، والدفن ليلاً بدون تشريح وبعدد محدود من الأهالي، ودفع كفالة مالية خمسة ألآلاف شيكل.

 

والأهالي يصرون على رفض شروطه، ودفن شهدائهم بما يليق بهم من الإحترام والتكريم،والإحتلال يرد بإغلاق بيتي الشهيدين علاء ابو جمل وبهاء عليان بالباطون المسلح.

 

الإحتلال هو الإحتلال لا يمكن تجميله بأي شكل من الأشكال، فهو نقيض الحرية والعيش بكرامة، نفيض كل ما هو إنساني. ولكن كل الإحتلالات في العالم،لم تدم، رغم كل بطشها وقمعها وإمعانها في الظلم والإضطهاد والعقوبات الجماعية ومخالفة كل الأعراف والمواثيق والقوانين والإتفاقيات الدولية.