• 24 كانون الثاني 2016
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : سعيد عموري

 

 

كانت المتعة الأكبر في أيام الدراسة الابتدائية، أن نسلك تلك الطريق التي كنا نراها طويلة، الواصلة بين جبل الزيتون في بلدة 

الطور حيث مدرستي (الكلية الإبراهيمية بالقدس)، وقلب مدينة القدس حيث باب العامود والمدرسة الرشيدية ومدخل شارع صلاح الدين أبرز معالمها، لم أكن أدرك مدى قداسة هذه الطريق والمعاني التي يحويها كل شبر في هذه المدينة الفريدة، إلا بعد أن حُرمت من خوض هذه التجربة اليومية، بحكم تخرجي من المدرسة.

في معظم أيام الدراسة قبل أن نبلغ الصفوف الثانوية العليا، كنت ممن يسكنون غربا بالنسبة لموقع المدرسة، نذهب مشياً إلى قلب مدينة القدس، فكانت الطريق منهكة لكونها "طلعة" تحتاج جهدا إضافيا، ولكن ما نبرح أن نصل "راس الطلعة" فنرى كنيسة الجثمانية والمشهد المذهل الذي تقع فيه من طبيعة خلابة، حتى نتناسى التعب بمنظر لا نمل من مشاهدته كل يوم.

بعدها تُصبح الطريق الممتلئة على جانبيها بقوات الاحتلال، مستوية إلى حد ما، فترتسم على وجوهنا معالم الراحة وابتسامات، قبل أن نمر بباب الأسباط ومتحف "روكفلر" اللذين لم نكن نعرف عنهما الكثير لأننا تعلمنا المنهج الأردني، إذ كان المدرسون ملتزمون بمساقاته تماماً، وذلك حتى نصل إلى المحطة قبل النهائية أمام باب مدرسة الراشيدية، ونحيي سواء بالكلام أو بنظرات متبادلة، بائع الصحف "فهمي شبانة"، الذي كان لا يتوقف عن الصراخ بشعارات مثل "ولا عرص يهودي بشارع يافا، كلهم متخبيين".. "صدام راح يصلي فيكو إمام اليوم".

همومنا كبرت عاما بعد عام، فكان من الطبيعي في ظل الأجواء السياسية المحيطة المتوترة -وخاصة في أعقاب اندلاع أحداث الانتفاضة الثانية-، أن نلتحق أو يلتحق عدد منا بتعبير أدق بـ "التيار التنظيمي للفصائل الفلسطينية"، دون وعي بدساتيرها أو مبادئها، فماذا سيكون الدافع وراء التحاق طفل لم يبلغ من العمر ١٤ عاماً، سوى أن والده أو شقيقه الأكبر أو أحد أفراد عائلته ينتمي إلى ذلك الحزب، أو أنه خضع لـ "غسيل دماغ" منظم من قبل طالب أكبر منه بعامين أو أكثرَ قليلا يحفظ بعض المصطلحات الوطنية المزركشة.

ولكن رغم انتمائنا الحزبي الأعمى، ودفاعنا المستميت عن اسم الحزب على الحق والباطل، إلا أن شعارنا كطلبة مدارس، والذي كان يملأ مقاعدنا الدراسية مرفقا بخارطة فلسطين كل يرسمها بطريقته، كان موحدا.. "فلسطين من النهر إلى البحر"، لم يكن يُدرك "أبناء التنظيمات" من الطلبة أن شعارنا لم يعد استرجاع فلسطين التاريخية، أو أنهم كانوا يعلمون ويدعون أنهم ليسوا كذلك.

أما نشاطاتنا "السياسية" في المدرسة فلم تكن ذات مغزى عميق، إلا أن تنفيذها كان له وقعا كبيرا في نفوسنا، وكنا نشعر بالاستكفاء نحو واجبنا الوطني. فالنشاطات لم تتعد ارتداء حطة لتعبر عن انتمائك الفصائلي، أو إلقاء شعر أو خاطرة وطنية خلال الإذاعة المدرسية، أو إعداد لوحة حائطة تحتوي مقالات سياسية وخواطر شعرية في عشق الوطن... ناهيك عن المناظرات "البيزنطية" داخل الصفوف وفي الساحات بين اليساريين والفتحاويين، أو بين مناصري أحدهما والإسلاميين والمتأسلمين، إلا أن في داخلنا لم يكن هناك سبب جوهري يدفعنا أن نبغض على بعضنا البعض، كنا نردد شعارات الكبار فحسب.

المناسبات الوطنية، سواء المحددة مسبقاً أو تلك التي تخلقها ظروف الشارع، كانت تخلق رغبة للتحدي والمواجهة في أنفس الطلبة؛ لأنهم يعرفون أنهم سيخوضون معركتين، معركة سجال مع إدارة المدرسة لإقناعها بتعطيل الدراسة، ومعركة ضد الاحتلال، والانطلاق إلى الشارع للمشاركة بالنشاطات المركزية.

كانت معظم المدارس في القدس، غير متهاونة فيما يتعلق بتعطيل الدراسة، وتحديدا في الكلية الإبراهيمية؛ حيث كان القائمون عليها واعين لأهمية "التربية الوطنية" للطلبة، وكانوا على يقين أيضا أن التعليم نضال ومقاومة، وتعطيله "على النازلة والطالعة"؛ ليس إلا نصب مطب آخر أمام مسيرة النضال الوطني، خاصة في مدينة القدس، والغرق في دوامة إضرابات لا تسمن ولا تغني من جوع في هذه الفترة.

المعلمون كانوا يحاولون "مسك العصا من الوسط"، فأضحوا بين مطرقة ضرورة عدم توقيف العملية التعليمية، وسندان مواجهة الممارسات الإسرائيلية اليومية التي لم تستثنِ الأطفال والقصر.

 

في إحدى المرات، أذكر أن "جيبين" لمستوطنين اقتحما مدخل المدرسة، للاستطلاع على أرض كانوا ينوون سرقتها، وكنا ما زلنا في الحصص الأولى من الدوام، فإذ بمدير القسم الثانوي الذي كان صارماً جدا بتعامله مع الطلبة، يفتح أبواب الصفوف جميعها غاضبا ويعلن "الاستنفار"، ويحرضنا للنزول إلى ساحة "الفورة"، والوقوف بوجه جنود الاحتلال، فواجهناهم دون خوف، لأنه "أمر المدير" وأمر "الوازع الوطني بالفطرة"، فطردناهم، ولم نعد أدراجنا، إلا بعد أن تأكدنا أنهم انصرفوا.

لا يمكن إنكار دور المعلمين والإداريين والقائمين على المدارس العظيم، بالحفاظ على "الهوية الوطنية" للطلبة، لكن يجب وضع الأمور في نصابها الصحيح حيال هذا الأمر، فقد عجزت وقصرت هذه الجهات في جوانب عدة، إذ لم يتم التركيز على بلورة جيل يأخذ حقه بالتطور التربوي والفكري السليم، بأن يستكشف أبناؤه طبيعة الصراع القائم تدريجيا وفقا لقدراتهم الذهنية والفكرية، دون عمليات "غسيل للدماغ"، واستغلال البنية الفكرية "الطرية" لهم، فلم يكن هناك صد لأطماع الأحزاب في استقطاب الطلبة، ولم توجد توعية تفيد بأن الانتماء لهذه الأحزاب والعمل لها يجب أن يكون مبينا على اطلاع واسع وفهم جيد.

لا أقصد من هذا الكلام، أن التيارات السياسية لا يجب أن تلعب دوراً في بناء وتأسيس الهوية الوطنية للطالب، لكن باعتقادي أن الفرد وهو في طور النمو الفكري بمعنى أنه عندما يكون لا زال ليس ناضجا على الصعيد الفكري، يستمد إحساسه بالهوية والانتماء من خلال تعايشه مع الخصائص الاجتماعية والنفسية والمعيشية والتاريخية للمجتمع المقدسي المنصهر، وذلك من شأنه أن يرسخ "عدم التشدد" في الانتماء الحزبي بنفوس هؤلاء الطلبة عندما يكبرون، وبالتالي يشكل كل واحد منهم هوية وطنية تعبر عن الواقع الراهن للشعب الفلسطيني، وفهم الضروريات النضالية.

ختاماً، إن الوازع الوطني لدى المقدسيين يتشكل بالفطرة، فأذكر عندما كانت تندلع المواجهات مع قوات الاحتلال في المدينة أو في إحدى أحيائها، كان الشبان الذي يتصدرون صفوف المقاومين، هم أنفسهم الذين يستمعون لأغان باللغة العبرية ويتباهون بمصطلحات تلك اللغة في أحاديثهم، وذلك إن دل على شيء، فإنه يدل على أن محاولات التجهيل والتغريب لم تنجح بتدمير الهوية الوطنية لدى المقدسيين وطلاب المدينة وأطفالها، لكن نجحت في لعب دور سلبي خطير في التشكيل البنيوي الاجتماعي والفكري.

عن القدس