• 28 كانون الثاني 2016
  • أقلام مقدسية

 

بقلم: عزام توفيق ابو السعود

 

 

قصة طريفة، ومعارك حقيقية مشرقة في تاريخنا العربي والاسلامي، لم يدرسونا اياها في كتب التاريخ، ربما تعمدوا ذلك كي لا نعرف تاريخنا الحقيقي ! والقصة وردتني أصلا في رسالة بالبريد الإلكتروني من سيدة جليلة أحترمها، تتساءل إن كنا نعرف ، أو سمعنا بهذه القصة؟ وقد جعلني ذلك أبحث عبر الانترنت في التاريخ الأمريكي، وفي تاريخ ليبيا، وعن نص نشيد البحرية الأمريكية!

ففي عام 1801 كانت سفن بريطانيا واسبانيا وفرنسا والبرتغال، عندما تمر في المياه الاقليمية لدول المغرب العربي تدفع رسوما للولاة العثمانيين لقاء سماحهم لها بالمرور أو بالرسو في موانئ شمال افريقيا العربية! وفي ذلك العام كانت هناك قافلة سفن بحرية تجارية امريكية ترفع العلم البريطاني، ترافقها قطع من البحرية الحربية الأمريكية تحرسها وتحميها، هذه السفن كانت تمر في البحر المتوسط متوجهة الى موانئه الشرقية، وعندما اقتربت من مدينة طرابلس الليبية، طلب منها أن تدفع الرسوم للمرور، رفض الأمريكيون دفع الرسوم، فما كان من والي طرابلس " يوسف باشا قرة ماني، الا أن كسر سارية العلم الأمريكي عن قنصلية امريكا في طرابلس واهان القنصل الأمريكي، ثم أرسل اسطوله لمحاصرة القافلة واستولى عليها.

الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت كان جيفرسون، الذي لم تعجبه الإهانة التي وجهها له والي طرابلس ، فأرسل الاسطول الأمريكي ليؤدب هذا الوالي، ، وجرت بين الاسطولين معركة كبيرة انتهت بانتصار الوالى العثماني، وأسر المدمرة الأمريكية " فيلادلفيا" هي ومدافعها ال 44 و 301 من قوات البحرية الأمريكية، وجرها الى ميناء طرابلس كغنيمة حربية!

وقام الأمريكيون بعد ذلك باستخدام جواسيسهم وعملائهم، وأحرقوا المدمرة فيلادلفيا في ميناء طرابلس حتى لا تبقى شاهدا على هزيمة اسطولهم، وحتى لا يستخدمها الوالي يوسف باشا كقطعة حربية في أسطوله!

عاد الرئيس الأمريكي جيفرسون للتفكير بالانتقام من يوسف باشا، واستغل الخلافات الشخصية بين يوسف باشا وشقيقه حميد باشا المقيم في مصر، فجهز حملة أمريكية برية بحرية مشتركة مع حميد باشا وقواته ومرتزقته ضد أخيه يوسف باشا، وقاد الحملة الجنرال ايتون، بينما تحالف يوسف باشا مع ولاة تونس والجزائر والمغرب الذين ارسلوا له قوات وسفنا للمحاربة معه، وجرت بين الجيشين والأسطولين معارك كبيرة قرب مدينة درنة في الصحراء الغربية، وانتهت هذه المعركة الكبيرة أيضا بهزيمة شنعاء للأمريكيين وحليفهم المصري، واضطر مبعوث الرئيس الأمريكي السفير المتجول كلايتون، الى توقيع معاهدة مذلة للأمريكيين، يدفع بموجبها فدية كبيرة عن البحارة الرهائن وتعويضا للوالي العثماني عن خسائره في الحرب، وترك الجنرال ايتون وجيشه تائهين في الصحراء!

ربما اختلفت الروايات الأمريكية حول هذه الحروب التي أسموها الحروب البربرية، لكن الرواية السابقة مأخوذة عن مؤرخ امريكي اسمه تاكر كان يرافق الحملة، ونجد في كتب تاريخ ليبيا رواية قريبة من هذه الرواية.

عموما فإن نشيد البحرية الأمريكية يبدأ بهذه الجملة "من قاعات مونتيزوما الى شواطئ طرابلس .. نحن نحارب معارك بلادنا في الأرض والبحر" وللعلم أيضا فإن يوسف القرمنلي هذا كان شبه مستقل بليبيا عن الدولة العثمانية، وأن كان شكلا قد اعترفت به الدولة العثمانية كوال لها، لكنه كان يتمتع بشبه استقلال ذاتي، وبأن لديه أسطولا بحريا قويا، كان قادرا على أن يجبر دول أوروبا الكبرى على أن تدفع له " الجزية" أو رسوم مرور سفنها في البحر المتوسط، حتى استطاع أن يجعل عاصمته طرابلس تذكر في نشيد البحرية الأمريكية كهدف!

لا أريد التعليق كثيرا على قصة هذه الحرب، لكننا قبل مائتي عام كنا أقوياء، وكنا نهزم أمريكا، وحتى لو تآمرت أمريكا مع دولة عربية لتحطيم دولة عربية أخرى قوية، كنا ننتصر على هذا التحالف المخزي، وكنا ننصر بعضنا البعض بقوة بتحالف عربي يجعل لنا الهيبة، ولنا السيطرة على البحر المتوسط...

 

وأمريكا الأمس هي أمريكا اليوم.. عندما تخشى دولة عربية، تقيم تحالفا مع دولة عربية لها خلافات مع هذه الدولة .. نفس الأسلوب الذي اتبعته أمريكا في تحالفاتها العربية ضد العراق، رأينا مثله منهم قبل مائتي عام ضد ليبيا!

أود أن أتساءل : هل هذه الحرب التي هُزم بها الأمريكيون هي التي جعلتهم يثأرون من ليبيا بعد مائتي عام ويوصلون ليبيا الى ما وصلت اليه اليوم ؟

وأخيرا : لماذا لم ترد هذه الحرب في كتب التاريخ الذي تعلمناه في جيلنا، ويتعلمه الجيل الحالي ؟ هل اهمال تدريس أو الاشارة الى هذا الوجه المشرق من التاريخ العربي مقصود؟

لا حول ولا قوة الا بالله !