- 17 شباط 2016
- أقلام مقدسية
بقلم : سعيد عموري
ما إن يطأ المرء درجات باب العامود في ساعات الذورة خلال النهار، حتى يستذكر ما فقدته مدينة القدس من رونق كان تخلقه حركة الناس غير المتوقفة في سنوات التسعينات، حركة تجارية رائدة، وأسواق تعج بالحياة، أما اليوم فيشعر بأنها "عروس من غير زينة"، حزينة، ليست هي القدس التي عهدناها.
أسباب الركود الاقتصادي في المدينة ككل، تحتاج تحليلا من قبل مختصين، ودراسات علمية منهجية تراعي المؤثرات والمعطيات الموجودة، لكن كملاحظين عاديين للحركة الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة وتقلباتها، يمكن ملاحظة إقبال عدد كبير من الفلسطينيين في القدس على المحلات التجارية الإسرائيلية والمنتجات الإسرائيلية، وخاصة في ظل العروضات وعوامل الجذب في هذه المحلات.
إلا أن الهبة الفلسطينية التي اجتاحت الأراضي المحتلة في الأشهر الأخيرة، أدت إلى تصاعد جدلية "مقاطعة المحلات التجارية الإسرائيلية ومنتجات الاحتلال"، وخاصة في مدينة القدس، التي اعتاد عدد كبير من أهلها على التبضع من المحلات الإسرائيلية، واستهلاك منتجات الاحتلال.
أساس هذه الجدلية قائمٌ على رأيين، الأول يقول إنه يجب في جميع الأحوال المقاطعة الكاملة للمنتجات والمحلات الإسرائيلية التجارية، والثاني يرى أن هذه المقاطعة؛ مرتبطة بشكل وثيق بمراعاة التجار المقدسيين للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة للفلسطينيين في القدس، وبالتالي فإن عدم مراعاة التجار لهذه الأوضاع سيجبرهم على اللجوء للشراء من المحلات والمنتجات الإسرائيلية.
أصحاب التوجهين محقون، فالمقاطعة أصبحت ضرورة وطنية في ظل التمعن الإسرائيلي في الانتهاكات والقتل بحق المقدسيين، كما أنه من الطبيعي أن يراعي التجار المقدسيون الحالة الاقتصادية الصعبة التي يعيشها جزء كبير من سكان المدينة، في ظل غلاء المعيشة في المدينة المنوط بالغلاء في إسرائيل، وانخفاض متوسط نصيب الفرد المقدسي نسبةً لمستوى المعيشة الأمر الذي أضعف من قدرته الشرائية.
لكن من الضروري أيضا أن نعي الظروف التي تعرض لها التجار المقدسيون خلال الـ 16 عاما الأخيرة، وذلك في إطار الإجراءات الإسرائيلية التي سلخت الفلسطينيين من خارج المدينة عنها، حيث لم تعد القدس مركزا جاذبا للسكن والعمل والسياحة الداخلية، بالإضافة إلى الالتزامات المالية الهائلة التي أثقلت كاهل التجار، حتى أن عددا كبيرا منهم أغلقوا أبواب محلاتهم لأنه كما تقال بالعامية "ما بتوفي معهم"، وكذلك فإنه لا يمكن للقطاع التجاري الخاص في مدينة القدس تحمل العبء الأكبر في الصراع الاقتصادي، الذي تستغله إسرائيل كأحد الأدوات ضمن المخطط التهويدي ضد إبقاء مدينة القدس عربية الطابع والمحتوى والمضمون.
المقدسي يقف حائراً أمام ثلاثة خيارات هي؛ أن يشتري من المحلات العربية في القدس، وهو الخيار الذي قد لا يلجأ إليه جزء من المقدسيين، لأن أسعار المنتجات لا تناسب قدرتهم الشرائية في كثير من الأحيان، أما الخيار الثاني فهو بالتبضع من المحلات التجارية الواقعة بمناطق الضفة المختلفة بما فيها البلدات التابعة لمحافظة القدس الواقعة خلف الجدار حيث الأسعار غالبا منخفضة مقارنة بأسعار مناطق القدس الواقعة داخل الجدار، فيما الخيار الثالث الذي من واجبنا مجابهته بكل ما أوتينا من قوى؛ التبضع من المحلات التجارية الإسرائيلية.
بعيدا عن الشعارات والاجترار، علينا التأكيد على ضرورة دعم التجار في مدينة القدس ومحاربة ظاهرة لجوء المقدسيين إلى منتجات الاحتلال ومحاله التجارية، وذلك لسبب بسيط هو أن أهل القدس أنفسهم هم "الزبون الوحيد" بالنسبة لتجار المدينة، فلم يعد هناك قدرة شرائية قادمة من خارج المدينة كما كان الحال قبل اندلاع الانتفاضة الثانية، لأن الجدار الفاصل ومنع دخول أهلنا من حملة الهوية الفلسطينية إلى مدينة القدس وعدم إصدار تصاريح لهم بانتظام، جعل من شبه المستحيل عليهم أن يتوافدوا إلى المدينة، وخاصة في الآونة الأخيرة بعد تدهور الأوضاع الأمنية.
لذا فإن إقبالنا كمقدسيين على منتجات ومحلات الاحتلال، سيقودنا إلى معادلة بـ "خط ذهاب دون إياب"، بمعنى أننا في حال إقبالنا على الشراء من محلاتهم فإننا بطبيعة الحال سندعم اقتصادهم، لكنهم في كافة الأحوال لا يشترون من محلاتنا ولا يدعمون اقتصادنا، وبالتالي فالخاسر الأكبر سيكون التاجر المقدسي.
لحل هذه الإشكالية، علينا أن "نمسك العصا من الوسط"، أن ندعم تجارنا قدر استطاعتنا، وذلك على حساب المحلات التجارية الإسرائيلية، وفي المقابل على تجارنا أن يراعوا ظروف الناس الاقتصادية ونسبة الفقر العالية جدا في المدينة.
الرسالة التي أود إيصالها، هي أن المسؤولية مشتركة بين المواطنين والتجار في القدس فيما يتعلق بالوضع الاقتصادي السيء، لذا علينا أن نتجاوز الإحباط والنقد السلبي وكيل الاتهامات، وأن نعمل بشكل جدي لتبقى مدينة القدس متماسكة اقتصاديا واجتماعيا، في ظل عدم إيلاء الاهتمام الكافي من قبل إسرائيل ككيان محتل من جهة ومن قبل السلطة الفلسطينية من جهة أخرى، وهذا التماسك في حال انهياره كليا، فإنه سيمثل خطرا بالغا على المقدسيين، لأن رأس المال البشري هو العنصر الرئيسي في التحديات المستقبلية في السنوات المقبلة.

