- 26 آذار 2016
- أقلام مقدسية
بقلم: عزام توفيق ابو السعود
* يبدو أننا بدأنا نتلمس عددا من الاجراءات التي اتخذتها الحكومة، او في طريقها لإتخاذها، لزيادة الرقابة الحكومية على مصادر تمويل منظمات المجتمع المدني العاملة في الأراضي الفلسطينية.. ويبدو أن الحكومة تتعجل فتح الصراع بينها وبين هذه المنظمات، ضمن تحليل مبالغ فيه اصلا، ومبالغٌ في التصور بأن نتائج الرقابة على تمويل منظمات العمل المدني ، سيؤدي الى تحويل الأموال التي ينفقها عليها المانحون الى السلطة!!
الحكاية بدأت بتقرير عن وجود عدة آلاف من هذه المنظمات المسجلة، بعضها غير فاعل على الأرض، وبعضها يقوم بإنفاق الأموال على دراسات مكررة، إما قامت بها الحكومة، او قامت بها مؤسسات أخرى من منظمات المجتمع المدني! كما أشار التقرير ذاته الى أن مؤسسات المجتمع المدني يصلها 900 مليون دولار سنوياً لتمويل مشاريعها، وكثير من هذه المنظمات تعنى بحقوق الانسان.
وكما يبدو فإن معد هذا التقرير تجاهل، أو تعمد تجاهل، أن من ضمن هذه المئات من الملايين، هو ما تنفقه مؤسسات مساعدات تقوم بتنفيذ مشاريعها مباشرة، مثل ال USAID » والألمان واليابانيين وغيرهم، والتي تزيد عن 700 مليون دولار سنويا، وهذا يعني أن منظمات المجتمع المدني الفلسطيني لا تحظى بتمويل يزيد عن ال 200 مليون دولار سنويا، وهذا المبلغ يتناقص سنويا لأن الدول والمؤسسات المانحة ، بدأت توجه تمويلها الى مناطق أكثر حاجة من فلسطين، حسب تقديرها وحسب سياسة حكوماتها.
ومن المؤكد أن تهويل حجم تمويل مؤسسات المجتمع المدني من 200 مليون دولار فعليا الى 900 مليون كما تقول السلطة، الهدف منه هو كسب دعم شعبي إذا ما قامت الحكومة بفرض قبضتها على هذه المؤسسات!
ولعل نفس التقرير يشير الى تفاوت كبير في مستوى الرواتب بين رواتب الحكومة المتدنية، وبين رواتب موظفي المؤسسات المدنية العالية، وخاصة كبار الموظفين والمدراء، ويمكن لهذه المعلومة أن تفرغ الحكومة من كفاءات عالية تتجه الى العمل مع هذه المنظمات. وأن التفاوت في الرواتب يمكن أن يخلق مشاكل عمالية للحكومة، في المطالبات الدائمة والاضرابات التي تطالب بزيادة الرواتب، وهذا ما شاهدناه في أكبر تجمع وظيفي حكومي، هو المعلمين في اضرابهم الأخير!
لكن الأمر قد يبدو مختلفا من وجهة نظر هذه المؤسسات، التي يعمل فيها ما يزيد على ثلاثين ألفا يعيلون ثلاثين ألف أسرة ، وأنها تحرك العجلة الاقتصادية بما تنفقه هذه المؤسسات في مشترياتها، وبما ينفقه موظفوها في السوق المحلي.
والأمر مختلف أيضا من زاوية أخرى، حيث تقدم المؤسسات المدنية خدمات مباشرة في مجالات هامة، كالتعليم والصحة والزراعة والثقافة وغيرها، وتسد الفراغ، او جزءاً منه ، حين تعجز ميزانية الدولة عن تقديم هذه الخدمات، وبنوعية أكثر جودة من خدمات الوزارات المختلفة، أو حين يتم تقليص ميزانية الدولة ، فيتم الغاء جزء من خدماتها النوعية على حساب تأمين فاتورة الرواتب المتضخمة جدا لدى الحكومة.
والأمر مختلف أيضا، فالتعيين في مؤسسات المجتمع المدني يتم حسب الحاجة، ولا فائض لدى هذه المؤسسات في العمالة، التي لا تعمل وتتقاضى رواتب كما في بعض مؤسسات الجهاز الحكومي، ويتم ترقيتها تلقائيا دون تقييم لأدائها، أو حتى لضبط وجودها في أماكن العمل ، بينما هناك انضباط في عمل موظفي مؤسسات المجتمع المدني!!
وأما الرقابة على مؤسسات المجتمع المدني فتتم بصورة أكثر دقة من الرقابة على المؤسسات الحكومية، فالجهة المانحة تقوم برقابة مشددة على الإنفاق، وجلسات هيئاتها العامة، يتم حضورها من قبل مراقب الجمعيات او الشركات غير الربحية في السلطة ، كما أن ميزانيات هذه المؤسسات المدققة من قبل مدقق حسابات قانوني فيتم ارسالها لوزارة الداخلية في السلطة التي تعرف من خلالها مصادر وحجم تمويل كل مؤسسة. كذلك فأن مؤسسات المجتمع المدني يتم مراقبتها وتدقيق عملها من هيئة الرقابة في السلطة.. بينما حسابات ونفقات ومدخولات السلطة نفسها وحسب القانون تخضع فقط لرقابة المجلس التشريعي، المعطل منذ سنوات والذي لا يقوم بهذا الدور!
إن العالم كله يرى أهمية بالغة لدور مؤسسات المجتمع المدني في أية دولة، ولذلك يقوم بتمويلها، ولا يمكن بأي حال من الأحوال ، أن يقوم بتحويل هذا التمويل الى الحكومات. هذه قاعدة معروفة، وهو يتجه في هذا التمويل الى هذه المؤسسات، لأنه يريد لها أن تلعب نفس الدور الذي تلعبه هذه المؤسسات في العالم المتحضر، لا المتخلف.
ومؤسسات المجتمع المدني لا تقوم بدور سياسي في العادة، ولا تلجأ الى تمويل من مصادر غير موثوقة . وطالما تقدم كل مؤسسة ميزانيتها المدققة والمبين فيها مصادر التمويل، فلا لزوم إذن في أن تقوم السلطة بالطلب من هذه المؤسسات الحصول على إذن مسبق حين تحصل على تمويل، او عندما تتلقى وعدا بتمويل، فذلك يجعل هذه المؤسسات ذات تبعية مباشرة للسلطة، وهو ما لا يريده المانحون، وقد يلغي المانحون وعودهم بالتمويل، إذا شعروا بالهيمنة الحكومية على المؤسسة، وبهذا يخسر الوطن، ولا تكسب السلطة أي مردود مقابل ذلك سوى نقمة هذه المؤسسات وموظفيها الذين سيرون أن الدولة تسعى لقطع أرزاقهم.
إن القانون الحالي يعطي المساحة المطلوبة السليمة لمنظمات المجتمع المدني، وأي تعديل فيه لصالح مزيد من الهيمنة الحكومية على هذه المؤسسات سيكون له جوانب ضارة على المجتمع ككل ، الذي تنقسم مؤسساته كوضع طبيعي الى مؤسسات قطاع عام، وقطاع خاص، ومؤسسات مجتمع مدني، وأي إخلال في حرية عمل أي من هذه المؤسسات سيجلب الوبال على البلد ويفتح مجالا أكبر للصراع بينها.
ألله أسأل أن تعيد الحكومة تقييمها للوضع، وأن لا تسعى الى مواجهة معها، وأن تعالج علاقتها بمؤسسات المجتمع المدني، بصورة منطقية تكفل حرية العمل لها، بحيث يأخذ في المقابل كل ذي حق حقه، وأن تكتفي الحكومة بالدور الرقابي الذي أتاحه لها قيام هذه المؤسسات بالتسجيل الرسمي في وزارة الداخلية. معظم مؤسسات المجتمع المدني تعاني ضائقة مالية لتناقص تمويلها، وآمل من الحكومة أن لا تزيد الصعاب التي تواجهها هذه المؤسسات في صراعها للبقاء!
الله أسأل لهذا البلد السلام

