- 3 نيسان 2016
- أقلام مقدسية
بقلم: عزام توفيق أبو السعود
* ليلة أول أمس، كنت أحدث أحد الأشخاص الذي يحضر نفسه للسفر الى ميلانو بايطاليا، عن زياراتي السابقة لمدينة ميلانو، التي احببتها، كما احببت كثيرا من المدن الإيطالية، وقد حدثته عن أجمل رحلة لي الى ميلانو، وكنت برفقة الحاج معاذ النابلسي، الذي عرفته أكثر في هذه الرحلة، عرفت كرما فيه، وعرفت خفة ظل تمتّع من يستمع الى حديثه، عرفت عنه علما بالدين دون تعصب، وتعرفت على تجربته في الحياة، في معرفته بالناس ، وتحليل شخصيات بعض ممن أعرفهم ويعرفهم هو.. ولم أكن أدري أنني كنت أتحدث عن هذا الرجل، في لحظات كان ملك الموت يحوم حوله.. وحزنت صباح أمس وأنا أرى نعيه في صحيفة القدس.. لست أدري إن كان حديثي عنه في المساء هو مجرد صدفة.. توارد خواطر، أم شيء روحاني لا أستطيع تفسيره.
معرفتي بالحاج معاذ النابلسي امتدت وتعمقت الصداقة معه خلال العشرين سنة الماضية، بدأت من خلال عمله كرئيس لغرفة تجارة نابلس ، حين كنت مديرا للغرفة التجارية بالقدس، وكنت أسعد حين أسمعه يناديني " أبو التوفيق" والابتسامة تعلو وجهه كلما التقينا، في اجتماعات خاصة بالغرف، أو في زياراته للقدس، او زياراتي لنابلس ، أو من خلال رحلات عمل في ألمانيا وتركيا والأردن وايطاليا .. حديثه لا يمل، وثقافته وتحليلاته تصدر عن قلب صادق ، ومعرفة دقيقة.
والحاج معاذ حافظ على مصبنة العائلة، وقام بتشغيلها، ولو على نطاق أضيق، لتراجع صناعة الصابون النابلسي، لكنه طور انتاجه، أدخل الصابون المعطر والصابون السائل الى انتاجه، وحافظ على الصابون التقليدي، في حين أغلقت معظم مصابن عائلات نابلس العريقة أبوابها، أو تحولت الى متاحف أو مراكز ثقافية، أو هدمتها جرافات الاحتلال في اقتحامها للبلدة القديمة من نابلس..، لكن أصالة الحاج معاذ أبقت على مصبنة العائلة كرمز لتاريخ نابلس وصناعاتها التقليدية..
وحتى بعد أن ترك كلانا الغرف التجارية، بقيت العلاقة مستمرة، كنت أزوره في مصبنته كلما ذهبت الى نابلس، أراه يجلس خلف مكتبه المتواضع في مدخل المصبنة، أو في الشارع أمام المصبنة، يتجمع حوله الأصدقاء والمعارف، كان عندما يراني يقوم بطلب الكنافة، عنصر الضيافة الرئيسي لأهل نابلس، حتى وإن كان معي زوارا آخرين مهما بلغ عددهم ، كان يتناول الكنافة معنا دوما رغم ارتفاع نسبة السكر في دمه الى درجة كبيرة جدا، كان يقيس السكر، فيجده عاليا، ورغم ذلك لم يكن يفرض على نفسه حمية عن الحلويات والنشويات، فنابلسي بدون كنافة أو مدلوقة لا يكون نابلسيا !
بالرغم من ثراء الحاج معاذ ، إلا أنه كان شعبيا بسيطا في تصرفاته، عاشقا للبلدة القديمة من نابلس، مرجعا لأهلها، وعلما من أعلامها.. كانت فترة رئاسته للغرفة التجارية، فترة الفورة الإقتصادية التي تحتاج الى عقل ينظمها، ويفتح آفاقها، فكان خير قائد لتلك المرحلة، تخلى عن الغرفة ليفتح المجال لتداول السلطة، لا التمسك بالكرسي، الذي يغري الجالس عليه بديمومة البقاء!
بالنسبة لي لن يكون للبلدة القديمة من نابلس نكهتها الجميلة ، وطعمها الحلو بعد الغياب الأزلي للحاج معاذ! رحمه الله وأسكنه فسيح جناته!

