- 9 نيسان 2016
- أقلام مقدسية
بقلم: المحامي إبراهيم شعبان
لا يكاد يمر يوم دون إعلان حكومي إسرائيلي فظ عن بناء شقق جديدة في جميع الأجزاء العربية المحتلة من القدس العربية. وهذه الإعلانات تكرس لقيام بيوت في المستعمرات أو المستوطنات في القدس العربية ينتفع منها اليهود على وجه التحديد دون العرب.
غداة حرب حزيران من عام 1967، قامت السلطات الإسرائيلية المحتلة بتوسيع حدود بلدية القدس أحد عشر مرة ونصف وضمها. وعلى الفور قام آنذاك بنحاس سابير وزير المالية الإسرائيلي الذي يمثل حزب المعراخ ( العمل ) وقتها، بمصادرة أكثر من ثلث الأراضي التي تمت توسعتها للمصلحة العامة قطعا الإسرائيلية. وأضفى الخضرة على جزء كبير آخر من الأراضي ايضا للمصلحة العامة الإسرائيلية، ليستبقيها ذخرا استراتيجيا للمستوطنات الإسرائيلية وتوسعتها، كما حصل أخيرا في جبل أبو غنيم.
ومن نافلة القول أن هذه الأراضي المصادرة يملكها فلسطينيون أبا عن جد، ولم يوافقوا على استملاكها من الإسرائيلي، ولم يوقعوا ورقة واحدة تعبيرا عن رضائهم بهذا الإستملاك إن قبلنا المنطق الإسرائيلي للجدلية، ولم يقبضوا قرشا واحدا ثمنا لها. بل هي أكبر من حاجة الإسرائيليين للسكن.
إذا، نسأل اسئلة إنسانية تقوم على المساواة بين البشر، وعدم التمييز، لعرق أو لغة أو دين أو نوع أو جنس، رغم علمنا أنها أسئلة ساذجة ويجب أن لا تسأل في مواجهة دولة وسلطة محتلة، بل من الغباء سؤالها لسلطة كولونيالية قائمة على التمييز العنصري والتطهير العرقي. نسألها لأن إسرائيل ما برحت تهزأ من العالم ومن الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان ومن سويسرا راعية اتفاقيات جنيف وتستخف بجميع المعاهدات الدولية التي صادقت عليها ومن التزاماتها بموجب هذه الإتفاقيات الدولية التي أساسها وركنها عدم التمييز العنصري. حتى الدول الغربية التي تدعي الديموقراطية لم تستطع أن تسأل إسرائيل عن هذه الممارسات العنصرية البغيضة؟
فمثلا، لماذا تبنى آلاف الشقق للإسرائيليين في القدس سنويا ولا تبنى المئات عبر النسبة السكانية لتعدادهم؟ وإن كان هذا كثير، فلم لا تبنى العشرات منها للعرب على الأقل من أجل ذر الرماد في العيون والإدعاء أنهم يقيمون مبدأ المساواة بين المواطنين الذين يفترض أنهم متساوون في الحقوق والواجبات. ألا تعلم إسرائيل علم اليقين بمعضلة السكن العربي في القدس ولم لا تساهم بحل جزء منها؟ وإذا كنت تعترض على فلسطينيي القدس وتحتج بأنهم مقيمون وغير إسرائيليين فلم لا تسمح لعرب الداخل وهم مواطنون، بممارسة هذا الحق؟!
حسنا، إذا كانت إسرائيل غير راغبة في أن تبدو حضارية مظهرا وفق المعاهدات التي صدقت عليها، فلماذا تلاحق إسرائيل الفلسطينيين بأراضيهم ولا تبقيها لهم أو تبقي جزءا يسيرا لهم، أو لماذا لا تسمح لهم بالبناء عليها، ولماذا لا تسمح بالتنظيم الهيكلي عليها. ألم تنظم الأراضي الفلسطينية المصادرة التي بنيت عليها بيوت المستوطنات، فما الذي يحول دون تنظيم جزء آخر مجاور للفلسطينيين المالكين الحقيقيين؟ ما الذي يحول دون بيع جزء من هذه الشقق لأصحاب الأراضي أو ورثتهم تماما كما تباع للغرباء؟ أليسوا أحق وأهل من هؤلاء الغرباء فهذه أرضهم أولا وآخرا. لم تقم إسرائيل منذ احتلالها القدس قبل حوالي الخمسة عقود، بمشروع سكني واحد وضربت عرض الحائط بمبدأ عدم التمييز. لماذا لا يقوم حارس أملاك الغائبين مثلا بتأجير العقارات التي تحت يديه للفلسطينيين المقدسيين ليحاول حل مشكلة الإسكان لأن مهمته تقوم على الحرص على مصالح الغائب الفلسطيني. ألا تعلم أن دولة جنوب أفريقيا التي سارت على نهج التمييز العنصري، وجدت نفسها طريدة المجتمع الدولي.
لماذا تفرض بلدية القدس هذه الرسوم الجنونية على مقتضيات البناء مع علمها بمعضلة الإسكان في القدس؟ ألا تعلم أن واجبها الإنساني الأول هو تخفيف هذه الرسوم من أجل محاولة هذه المعضلة الإنسانية؟ قد يقول البعض أن المجانية سلوك غير مطلوب وأن العقلانية سلوك محبذ. ربما نتفق مع ذلك، لكن لا يعقل ولا نتفق في أن يكون رسم ترخيص المتر الواحد للبناء ما بين 400 إلى 500 $. أي ان شقة مساحتها 120 مترا مربعا يكلف ترخيصها دون أي بناء، فقط الترخيص من بلدية القدس، خمسون إلى ستين ألف دولار. السؤال لماذا تتقاضى بلدية القدس هذه الرسوم المجنونة، بلا اية خدمات تقدمها تقابل تلك الرسوم التي ليس لها مثيل. يجب تخفيف هذه الرسوم وتقييد البلدية في فرضها وجبايتها من المواطنين المقدسيين الفلسطينيين العرب، هذا لا يحدث في أي مكان في العالم المتحضر أو الهمجي إلا في أماكن التطهير العرقي.
كان الله في عون المقدسي الفلسطيني العربي إذا رغب في الحصول على رخصة بناء في القدس. فعليه أن يتسلح بالصبر وطول النفس والمال الوفير لنيل المشتهى. فعليه أن يكون عنده قطعة أرض مسجلة في الطابو ويدفع ضريبة التحسين عنها، وأن يكون بقربها طريق بمواصفات محددة، وأن تكون المنطقة منظمة فبعض المناطق في القدس غير منظمة كسلوان، وأن لا يكون أحد غائبا من المالكين، وأن توافق عليها اللجنة المحلية، وأن يدفع الرسوم الباهظة للبلدية، وبعد كل هذا وذاك أن يدفع مكافأة المهندس والمحامي والمساح والمخمن الذين يعملون على ملف الترخيص. وبعد ذلك يباشر في مشروعه للبناء ورخصته التي يمكن أن يفقدها، إذا لم يباشر خلال عام من صدورها.
يواجه المقدسي هذه الصعاب والمتطلبات لوحده دون معين ودون مساعد ودون توجيه، فضلا عن صعابه على مستوى الحياة اليومي. لا صناديق عربية ولا صناديق أوروبية ولا صناديق إسلامية ولا صناديق محلية تغطي مثل هذه المصروفات السابقة الحصول على رخصة بناء في القدس العربية بينما الإنقسام والإختصام يسود المنظمات المدنية الفلسطينية، أما السلطة فغائبة ومغيبة . فالمقدسي مطالب بمجابهة كل هذه الصعاب وتخطيها بمفرده بينما اليهودي مزود بمال الجمعيات الإستيطانية مثل إلعاد وهيمنوتا، ومزود بمستشاريهم ومكاتبهم الهندسية وعلاقاتهم بأشخاص البلدية وحراسهم الأمنيين.
انقلب السحر على الساحر، فحلم إسرائيل في عام 1967 أن يشكل الفلسطينيون حوالي ربع عدد سكان المدينة المقدسة ليشكلوا جزءا من قطعة الفسيفساء ونموذجا للتعايش اليهودي العربي، ولم تحلم إسرائيل في أشد كوابيسها أن يغدو المقدسيون أكثر من ثلث السكان، وهي التي مصابة بفوبيا الوحش الديموغرافي الفلسطيني. فما لبثت أن صنعت جدار الفصل العنصري لتصادر به مزيدا من الأراضي الفلسطينية.
على الرغم من أن الإحتلال باطل ولاغ للقدس الشرقية، وعلى الرغم أن المستوطنات جريمة حرب وخرق خطير لقانون جنيف، فإن المحتل لا يستطيع التخلي عن التزاماته الدولية الإنسانية بل عليه أن يكفلها للمواطنين المقدسيين الفلسطينيين وعلى رأسها الحق في السكن. فالمحتل مطالب بشكل إنساني حياتي، بتسهيل الحصول على رخصة بناء للمقدسي العربي، والتوقف عن ممارساته غير الإنسانية بتعقيد هذه الإجراءات أملا في هجرة الفلسطيني من أرضه. فالقدس هي مدينة عربية فلسطينية محتلة مؤقتا، وستبقى كذلك رغم كل العقبات والإجراءات فهي منذ قديم الأزل مطمعا ومسرحا للغزاة !!
عن القدس

