• 8 حزيران 2016
  • أقلام مقدسية

 

 

بقلم: محمد أبو لبدة 

منذ احتلال اسرائيل للقدس الشرقية عام ١٩٦٧م والذي يصادف ذكراها اليوم والذي جاء في اطار العدوان الذي شنته اسرائيل قبل ٤٩ عاما على مصر وسوريا والاردن واحتلت خلالها بقية الاراضي الفلسطينية وسيناء وهضبة الجولان السورية، منذ ذلك الحين وسلطات الاحتلال الاسرائيلي تعمل ليل نهار على تهويد القدس من خلال سلسلة اجراءات وخطوات وسن قوانين مختلفة لهذه الغاية رغم القرارات الدولية المعارضة لذلك والتي تعتبرها ارضا فلسطينية محتلة.

واتبعت اسرائيل في تهويدها للقدس عدة خطوات، فبعد ايام من احتلالها للمدينة اعلنت عن ضمها واعتبرتها عاصمتها الموحدة والتي لا يمكن التنازل عنها، بل الادهى والامر من ذلك انها اعتبرت انها كانت محتلة من قبل الفلسطينيين وقامت هي بتحريرها.

ومن ابرز الخطوات التي قامت بها اسرائيل على مدى سنوات الاحتلال والتي وصلت الآن الى مراحل متقدمة ما يلي:-

١- هدم المنازل: فعقب احتلال المدينة قامت على الفور بهدم منازل المواطنين الفلسطينيين في حي الشرفة وحارة المغاربة وشردت اهلها منها واقامت مكانها بنايات شاهقة واطلقت عليها اسم حارة اليهود وبهدف الغاء ونسف كل ما هو اسلامي وتراثي في المنطقة التي تقع قرب المسجد الاقصى المبارك.

وقدر عدد المواطنين الفلسطينيين الذين تم تشريدهم من القدس بما في ذلك اهالي حارة الشرف وحارة المغاربة حوالي ٦٠ الف مواطن اعادت منهم لاحقا جراء الضغوط الدولية حوالي ١٤ الف مواطن ليبقى الآخرون مشردين خارج مدينتهم.

٢- مواصلة عمليات هدم المنازل الفلسطينية تحت حجج وذراع مختلفة والتي كان آخرها هدم منازل في منطقة الصوانة وبيت حنينا وغيرها الكثير اي بمعدل ما بين ٢٠ الى ٣٠ منزلا في العام الواحد.

٣- مصادرة املاك المواطنين المقدسيين الذين كانوا اثناء العدوان الذي عرف فلسطينيا وعربيا بالنكسة وعلى المستوى العام بحرب الايام الستة او الحرب الخاطفة حيث سنت او فعلت ما يسمى بقانون املاك الغائبين حيث وضعت يدها على هذه الاملاك واعطت لنفسها الحق في تأجيرها او بيعها لليهود وليس للفلسطينيين علما بأن اصحاب هذه الممتلكات سواء العقارات او الاراضي على بعد مرمى حجر من ممتلكاتهم اي انهم يعيشون في الضفة الغربية ومنهم من كان يعيش في الخارج حيث كان يعمل هناك اثناء النكسة ولم يستطع العودة الى المدينة بفعل الرفض الاسرائيلي لذلك.

٤- قامت سلطات الاحتلال عقب احتلال المدينة بعمل احصاء للفلسطينيين في المدينة ومحيطها واعطتهم بطاقات هوية زرقاء اي ان لهم حق الاقامة في المدينة وليسوا مواطنين فيها، في حين صرفت لمواطني الضفة والقطاع بطاقات مختلفة لتمييزهم عن اهالي القدس.

٥- سحب هويات المقدسيين بما ان سلطات الاحتلال اعتبرت اهالي القدس مقيمين وليس مواطنين فقد سنت قانونا يمكنها من خلاله سحب بطاقات الهوية الزرقاء منهم، فعلى سبيل المثال من يتغيب عن المدينة في الخارج لمدة ٧ سنوات تقوم بسحب هويته، وحاليا من يقيم خارج حدود بلدية القدس، فإن السلطات الاسرائيلية تسحب منه خدمات التأمين الصحي والوطني كمقدمة لسحب هويته.

وفي هذه الايام تقوم بسحب هويات المقدسيين الذين يقومون باعمال مناهضة لاسرائيل وابعادهم اما الى مناطق السلطة الفلسطينية او الى قطاع غزة، وفي هذا الاطار ابعدت الى مناطق السلطة الفلسطينية اعضاء من المجلس التشريعي الفلسطيني وخيرتهم بين الاستقالة من المجلس او سحب هوياتهم وابعادهم لمناطق السلطة على الرغم من ان اتفاقات اوسلو سمحت لاهالي القدس بالترشح والانتخاب للمجلس التشريعي.

٦- منع البناء للمقدسيين وفي حالة السماح لهم بذلك يقومون بدفع رسوم ترخيص باهظة وبعد سنوات ومماطلة تقدم لهم الرخصة الامر الذي دفعهم للبناء بدون ترخيص بسبب التزايد السكاني، فتقوم سلطات الاحتلال الاسرائيلي بهدم هذه المساكن تحت حجة البناء غير المرخص.

٧-مصادرة اراضي المقدسيين المقيمين في المدينة حسب وجهة النظر الاسرائيلية من خلال اعلانها مناطق خضراء ولاحقا يتم بناء المستوطنات عليها كما حصل في جبل ابوغنيم ومنطقة شعفاط وغيرها. كما تقوم سلطات الاحتلال بمصادرة اراضي المقدسيين تحت ستار الاغراض العسكرية والمنافع العامة ولاحقا تقوم ببناء المستوطنات عليها لمحاصرة المقدسيين ومنع تمددهم. وهناك مخططات بناء واسعة النطاق في منطقة «اي »١ لفصل شمال الضفة عن جنوبها بهدف منع التوصل لاي تسوية في المستقبل واقامة دولة فلسطينية.

٨-الاستيطان: من المعروف لدى القاصي والداني ان الاستيطان يمثل حجر الزاوية في الفكر الصهيوني والقاعدة التي قامت على اساسها الحركة الصهيونية ولاحقا وليدتها اسرائيل، فمنذ احتلال المدينة قامت ببناء المستوطنات لمحاصرة المدينة من كافة الجهات حيث اقامت مستوطنات رمات شلومو ، جبعات زئيف، بسغت زئيف رمات اشكول والتلة الفرنسية - من جهة الشمال والنبي يعقوب وراموت قرب النبي صمويل والمنطقة الصناعية عطروت في قلنديا. ومن الناحية الجنوبية مستوطنات تلبيوت والحي السكني لطلبة الجامعة العبرية ومستوطنة جيلو قرب بيت صفافا ومن الناحية الشرقية اقيمت بعض الاحياء السكنية التابعة للجامعة العبرية ومستشفى هداسا قرب العيسوية وتستند الى مستوطنة خلفية هي معاليه ادوميم في منطقة الخان الاحمر.

اي ان سلطات الاحتلال الاسرائيلي احاطت القدس الشرقية بسلسلة مستوطنات بهدف عزلها وصولا الى ضمها الفعلي وتهويدها.

٩-احداث تغيير ديمغرافي داخل مدينة القدس فالى جانب المستوطنات التي اقامتها واعتبرتها جزءا مما اسمته القدس الموحدة، فقد قامت ايضا باقامة مستوطنات داخل الاحياء المقدسية واسكنت فيها مستوطنين كما هو حاصل في رأس العمود في سلوان حيث اقيمت مستوطنة في قلب الحي، كما حولت مركزا للشرطة هناك الى مستوطنة وتعمل حاليا على اقامة مستوطنة في منطقة الشيخ جراح على ارض مصادرة لعائلة ابوطاعة الامر الذي ادى الى ان يصبح المقدسيون يشكلون اقليه في مدينتهم.

١٠-شراء ومصادرة العديد من منازل الفلسطينيين داخل البلدة القديمة من القدس، فمن حيث الشراء فانها تدفع لضعيفي النفوس مبالغ خيالية لشراء منازلهم وقد نجحت مع عدد غير قليل من هؤلاء خاصة في داخل اسوار المدينة، اما على صعيد مصادرة المنازل، فهي تدعي ان هذه المنازل كان يملكها يهود سابقا او ان الاراضي المقامة عليها بعض هذه المنازل هي ذات ملكية يهودية كما حصل مع المباني التي اقامتها وكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين في منطقة الشيخ جراح حيث استولت على عدة منازل بهذه الطريقة التي هي وثائق مزورة ولا تمت للحقيقة بصلة.

١١-فرض ضرائب باهظة على المقدسيين وخاصة التجار لارغامهم على اغلاق محالهم خاصة بعد الجدار العنصري والذي اقامته حول القدس والذي بمقتضاه يمنع فلسطينيو الضفة من دخول القدس الامر الذي شل الحركة التجارية واضطر البعض الى اغلاق محالهم.

١٢- في اعقاب ذلك اصدرت بلدية القدس تعرفة جديدة للضرائب خاصة ضريبة الارنونا ، وهذه التعرفة تنص على ان المحلات التجارية والمساكن غير المستعملة اما على مالكها ان يؤجرها او يبيعها لليهود.

١٣-منع المقدسيين داخل القدس القديمة من اصلاح او ترميم منازلهم الامر الذي يدعوهم الى تركها خوفا من انهيارها عليهم كما هو الامر في حي الارمي داخل البلدة القديمة.

١٤-توسيع منطقة حائط البراق والاستيلاء على الارض الفلسطينية هناك والذي تدعي سلطات الاحتلال بان هذا الحائط هو حائط المبكى رغم ان هناك قرار دولي بأن هذا الحائط هو جزء من المسجد الاقصى وانه يخص الفلسطينيين المسلمين فقط.

١٥-الاستيلاء على ممتلكات وعقارات الحكومة الاردنية في القدس الشرقية وتحويلها الى مراكز للشرطة والمحكمة المركزية الاسرائيلية ومكاتب لعدد من الوزراء.

١٦-محاولات متواصلة لهدم المسجد الاقصى واقامة الهيكل المزعوم مكانه حيث صرح اكثر من مسؤول اسرائيلي بان مكان الهيكل المزعوم هو قبة الصخرة المشرفة وان لاسرائيل الحق في المسجد الاقصى وعليه فان حكومة الاحتلال الاسرائيلي تشجع غلاة المتطرفين على اقتحام الاقصى بصورة شبه يومية وقامت بتقسيمه زمانيا وهي تحاول وتعمل على تقسيمه مكانيا كما حصل في الحرم الابراهيمي الشريف في الخليل.

١٧- استخدام اسلوب تقديم الخدمات مقابل التعاون مع سلطات الاحتلال.

هذا على صعيد الخطوات الاسرائيلية لضم وتهويد المدينة وهناك ايضا خطوات واجراءات اخرى على صعيد التعليم والصحة واغلاق المؤسسات الفلسطينية التي تقدم خدمات للمواطنين المقدسيين.

فعلى صعيد التعليم تعمل سلطات الاحتلال حاليا على فرض المنهاج الاسرائيلي على مدارس القدس الشرقية وتهدد بقطع المساعدات عن المدارس التي لا تطبق المنهاج الاسرائيلي بدلا من الفلسطيني رغم ان اتفاقات اوسلو تسمح بتدريس المنهاج الفلسطيني في مدارس القدس الشرقية.

وعلى الصعيد الصحي فقد عملت ولا تزال على اغلاق المؤسسات الصحية الفلسطينية - فمنذ سنوات اغلقت مستشفى الهوسبيس داخل البلدة القديمة والذي كان يقدم خدمات صحية لاهالي البلدة تحت حجج وذرائع مختلفة. 

كما فرضت على المقدسيين التأمين الصحي الالزامي في المؤسسات الصحية الاسرائيلية وفتحت مراكز صحية تابعة لها في معظم ان لم نقل جميع الاحياء المقدسية حتى في الاحياء خارج جدار الضم والتوسع العنصري.

وهذا الاجراء يؤدي الى تقليص الخدمات المقدمة للفلسطينيين في المشافي والمراكز الصحية الفلسطينية كمقدمة لاغلاقها واعلان افلاسها.

كما تقوم السلطات الاسرائيلية بمنع العديد من الاطفال من حملة الهويات الفلسطينية من الوصول الى المستشفيات والمراكز الصحية الفلسطينية في القدس الى جانب الحد من وصول مرضى الضفة والقطاع لهذه المستشفيات والمراكز الصحية بحجج وذرائع مختلفة.

كما قامت سلطات الاحتلال باغلاق العديد من المؤسسات التي تقدم خدمات للمواطنين الفلسطينيين رغم ان اتفاق اوسلو سمح لها بالعمل.

فعلى سبيل المثال اغلقت بيت الشرق الذي كان يستقبل وفود الدول التي تزور القدس الشرقية واطلاعهم على الممارسات والانتهاكات الاسرائيلية، كما اغلقت مقرات نادي الاسير والمكاتب التابعة للتنظيمات الفلسطينية المنضوية في اطار منظمة التحرير واعتبرت بعضها منظمات ارهابية حسب الزعم الاسرائيلي.

ان هذا غيض من فيض على صعيد ضم وتهويد القدس خاصة في هذه الايام حيث تشهد القدس ممارسات اسرائيلية تهدف الى طمس المعالم الفلسطينية والتراث الحضاري الاسلامي - المسيحي للمدينة.

فأمس مثلا جرت ما يسمى مسيرة الرقص ورفع، الاعلام الاسرائيلية في المدينة احتفالا باحتلالها وضمها والتي هدفها كما اشرنا سابقا طمس المعالم العربية والفلسطينية حيث انه في هذا السياق نشرت خريطة سياحية للمدينة لم يظهر فيها سوى معلم فلسطيني واحد في حين اظهرت غالبيتها معالم يهودية اقيمت خلال فترة الاحتلال الاسرائيلي للمدينة كالكنس بجانب المسجد الاقصى والحديقة التوراتية وغيرها من الامور الاخرى.

وامام هذه العمليات والخطوات التهويدية والتي ادت وتؤدي الى ضياع القدس لا حرك الدول العربية والاسلامية ساكنا امام ذلك وكأن القدس والمقدسات الاسلامية والمسيحية تخص الفلسطينيين لوحدهم فالمسجد الاقصى هو ثالث الحرمين الشريفين ومسرى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يخص جميع المسلمين في مشارق الارض ومغاربها.

كما ان السلطة الفلسطينية لا تتخذ اية خطوات عملية من اجل الحيلولة دون ضم وتهويد المدينة المقدسة، كما انها لم تدعم بشكل فعلي صمود المواطنين في المدينة الذين يتعرضون لشتى انواع الممارسات والضغوط والافقار لكي يتركوا المدينة ويرحلوا لتصبح لقمة سائغة للاسرائيليين.

انه بسبب ذلك فإن القدس تضيع ومستقبلا سيندم كل من تخلى عنها وتركها للضم والتوسع الاسرائيلي الذي يستغل الصمت العربي الاسلامي ليواصل اجراءات ضم المدينة وتهويدها.

ان صمود المقدسيين وحده لا يكفي لمنع ضم وتهويد المدينة ان لم يكن مدعوما على كافة المستويات ومن قبل العالم الاسلامي قاطبة. فتهويد القدس سياسة اسرائيلية قائمة على قدم وساق منذ احتلالها دون رادع سواء دولي او عربي او اسلامي.

عن القدس