- 13 تموز 2016
- أقلام مقدسية
بقلم : بسام البدارين
لا يوجد في منزلي وبطبيعة الحال ولا في مكتبي ولا عرق ملوخية واحد يمكنني حمله كمتاع شخصي والتوجه به إلى منطقة الجسور بين الأردن وفلسطين حتى أقنع بعض الموتورين بأني مؤيد لـ«حق العودة». الملوخية اليوم تباع مقطوفة تماما ومعلبة ومثلجة وفي العشرات من محلات عمان يمكنك الحصول على عبوة من الملوخية الناشفة التي لا طعم لها.
بإختصار وبصورة مباشرة لا توجد في الأسواق كميات معقولة من الملوخية حتى أحملها انا أو غيري من المواطنين الأردنيين لكي نعود بحمولتها إلى فلسطين او حتى نحاول تحريرها بعروق الملوخية ليس فقط بسبب نقص الكميات وسيطرة مصانع المعلبات والمثلجات على كامل الإنتاج من الورقة الخضراء الساحرة للقلوب. ولكن ايضا لأن الجيوش العربية برمتها وبكامل دباباتها وطائراتها وجنرالاتها أخفقت أصلا في الدفاع عن فلسطين وانهزمت فيها وحولها.
عليه تصبح مطالبتي مجددا بـ«حمل ملوخياتي» والتوجه إلى جسر الملك حسين الذي لم أعبره يوما لا انا ولا والدي في الواقع ضرب من ضروب التعبير عن ذلك الفصام الأزلي في الحالة الذهنية الأردنية عندما يتعلق الأمر باستدعاء غرائزي غير منتج لكل مؤشرات الشقاق والنزاع وتكريس ثقافة وجود «آخر» ينبغي ان نعلق عليه كأردنيين دوما أسباب فشلنا وإخفاقنا.
من يطالب أكثر من نصف الشعب الأردني بحمل ملوخياته والعودة عبر الجسر للأسف الشديد يكثر من الأدعية القرآنية وينتحل صفة التدين ويعظ الناس ويسترسل في الإرشاد والخطاب القومي والديني الذي يغيب عن الوعي فجأة عندما يتعلق الأمر بالخلاف حول أي قضية. هؤلاء يعرفون تماما بأن الدولة الأردنية ستكون بالمرصاد وليس غيرها لأي عرق ملوخية يحاول التسلل عائدا إلى موطنه الأصلي.
لذلك يصبح استحضار قصة الملوخية بمناسبة وبدون مناسبة كلما تعبيرا عن فصام وطني واجتماعي عام أخفقنا كأردنيين جميعا في تجاوزه وتعبير عن «أزمة ذاتية» لا زالت تغذي الهوية الفرعية ويحرسها بعض النافذين والمستثمرين في الشقاق والنزاع وفي ظرف غاية في الحساسية والدقة.
طولبت مثقفة كبيرة من وزن زليخة أبو ريشه علنا بحمل ملوخياتها والعودة إلى فلسطين وأحسب مسبقا بان واجب الدولة الأردنية مساعدتها لو كانت الدعوة جادة في تأمين هذه العودة لأن علم إسرائيل يرفرف في وسط عمان وتوجد سفارة أردنية في تل ابيب يمكنها التفاوض والتواصل مع الحكومة الإسرائيلية لتأمين عودة ملوخيات زليخة او غيرها إلى بلدها الأصلي.
استخدمت الهراوات والغازات واحيانا الرصاصات في وجه أردنيين فكروا بالتظاهر قبالة الجسر ولم يصلوه إطلاقا لدعم حق العودة فماذا سيفعل من يفكر فعلا بحمل ملوخياته والعودة من تلقاء نفسه لكي يفلت من تلك الاتهامات المعلبة المتكررة التي تزاود على الجميع وتخلع عنهم مواطنتهم وتنكر دورهم في كل حجر تم بناؤه فقط بسبب خلاف على رأي أو وجهة نظر.
ما زال أسهل شيء في الأردن توجيه تهمة الوطن البديل او «التخوين» او معايير الولاء المزدوج لكل من يطالب بإصلاح حقيقي في الأردن او يعارض ثقافة الكراهية او يناضل من أجل الرأي والرأي الآخر أو يمتنع عن «التسحيج».
تهمة الولاء المزدوج تطال اليوم كل من ينتقد قرارا خاطئا أو يطالب بخطوة ضرورية وطنية من وزن منع تزوير الانتخابات أو حتى يستفسر عن مقاولات التدين التي تثير شبهات الفساد الاداري والمالي والانحراف الفكري في نفس الوقت. الاتهام في الحالة الأردنية أسرع وأسهل بكثير من النقاش أو تكريس ثقافة الخلاف.
ومن الواضح أن بعض الجهات في التيار المحافظ في اروقة القرار والدولة تستمرئ الاستثمار في هذا النمط من الإرهاب الفكري الذي يعيق التنمية والاستثمار ويعطل العدالة والإنصاف ويقلق جميع الأردنيين بمختلف مكوناتهم على مستقبل بلادهم وأولادهم.
المبادرة إلى التصنيف والإتهام هي الخيار الأسهل لكل الضعفاء الذين لا يملكون الحجة فمن يطالب بمراقبة المراكز الدينية «زنديق ومنقوص الولاء وعدو لله والرسول» وهو كذلك حتى بالنسبة لبعض من لم يسبق لهم ان مروا بجانب مسجد او لبعض المتذاكين في ابتزاز الدولة ومن يحذر من كلفة تزوير الانتخابات المقبلة مشكك ومزدوج الولاء.
بالقياس يصبح من يتحدث عن «التنوير» علماني طائفي شرير يضمر الشر للأردن وأهله ومن يسعى لتنويع فرص رزقه في الخارج مشكوك بانتمائه الوطني ومن يخالف ثقافة القطيع عبارة عن مجرم أفاق يستهدف الدستور والدين وهوية الدولة والشعب..لا يختلف كثيرون في ممارسة هذا النمط من الإرهاب الفكري وتورط فيه حتى بعض الإخوان المسلمين الذين كانوا دوما ضحايا لنفس المنطق من الاستهداف والتصنيف. ثقافة المواطنة ما زالت غائبة في كل مظاهر الجدل بين الأردنيين للأسف الشديد.
المواطنة كأنها إمرأة ساحرة شريرة ترعب الأطفال في النوم وتقلق الكبار وتستهدف رزقهم ووظائفهم..الجميع يتحدث عن المواطنة باعتبارها عروسا جميلة وأنيقة ومطلوبة لكن لا أحد يريد خطبتها وكلمة «لا أحد» هنا تشمل الجميع وفي كل المستويات ومن كل الفئات الاجتماعية داخل الدولة وخارجها.
عن القدس العربي

