• 4 آب 2016
  • أقلام مقدسية

 

 

بقلم : بسام بدارين  

لا دور حقيقيا من أي نوع لدائرة الإفتاء في الأردن وهي تتفاعل مع تساؤلات طرحها مواطنون بمنتهى السذاجة وهم يريدون التأكد من ان «المسلم يستطيع شرعا التعزية بوفاة مواطن مسيحي». دائرة الإفتاء لم تبتكر الفكرة ولم تتطوع من تلقاء نفسها لإصدار هذا الرأي الديني بل عكست وهذا مهم مزاج الجدال المريض الذي يطرح احيانا في عمق المجتمع بعيدا عن القضايا الأساسية خصوصا في وقت مغرق بالحساسية تتغير فيه دول وتسقط أوطان وتخاض فيه الحروب على أساس طائفي أو جهوي أو قبلي.

لست مدافعا عن دائرة الإفتاء ولا عن فتواها التي لا لزوم لها بكل حال ولكن هذه الدائرة تبقى حكومية وتجيب على الأسئلة وليست هي التي تطرحها وان كنت اقف إلى جانب الرأي القائل بأن جميع المؤسسات الرسمية ينبغي ان تدبر وتخطط قبل القرار.مناسبة الجدل هي سؤال ساذج اثار الجدل في وسائط التواصل الإجتماعي بين بعض الأردنيين عندما طالب البعض بالموقف الشرعي من المشاركة في عزاء الفنان الشاب شادي أبو جابر الذي قتل ضحية لحادث سير حيث صدمته سيارة «مسلم على الأغلب» وقضى بين يدي ربه نحو مثواه الأخير.

الراحل الشاب مأسوف فعلا على شبابه ويساوي كومة من المنحرفين والمتعطلين والمرتزقة والفاشلين الذين تعج بهم شوارع المدن الأردنية بصرف النظر عن دينهم فهو فنان شاب وموسيقي واعد لكن قضاء الله وقدره كان بالمرصاد لهذه الموهبة التي لم تكتمل.

الله العادل هو الذي يميز بين الناس ويحاسبهم وقصة التعايش الديني بتقديري تطرح لأغراض التفريق بين أفراد المجتمع بين الحين والآخر وبهدف تخويف الناس من بعضها علما بان الأردني المسلم يعيش بجوار شقيقه المسيحي قبل حتى تشكيل الدولة الأردنية التي نعرفها اليوم. بعض الأوغاد يثيرون على الفضاء الإفتراضي اجتهادات مريضة وبعض المسلمين يطرحون مسائل متزيدين بالجهل..السلطات تصمت وبعض المسيحيين وهم اقلية يستثمرون في قصة التعايش الديني ولكل غرضه ومبتغاه من وراء هذا العبث.

الخلل والمرض في من يطرح السؤال اصلا وفي البيئة التي تسمح اصلا بطرح مثل هذه التساؤلات وفي المنهجية الرسمية التي صمتت لعقود وهي تقصي قصدا مبدأ المواطنة لصيانة مصالح ضيقة وصغيرة لعلية القوم وخوفا من التغيير والإصلاح. وحدها منهجية المواطنة تستطيع هزيمة اسئلة سمجة وأفكار مريضة تعشش في دماغ عقل بعض الفئات الإجتماعية…وحدها المواطنة تستطيع إلغاء دور اي تفكير بالمسارات والهويات الفرعية وبكل الأحوال سواء اتعلق الأمر بالدين او العرق او الجهة.القوم في مستوى القرار لا يخشون المواطنة ويحاربون تكريسها حيث لا فضل لمسلم على مسيحي والعكس إلا بإحترام القانون ودفع المستحقات المالية الحكومية القانونية مقابل خدمات الدولة.المواطنة ببساطة تعني الاصلاح ومحاربة الفساد ومواجهة الخلل البيروقراطي وكشف التقصير الرسمي والأمني… المواطنة تعني شفافية وإنتخابات حرة وصناديق حقيقية وإعلام ليس مركوبا أو مرعوبا.

طبقت المواطنة في البند المتعلق بشطب البند المتعلق بتعريف الدين في بطاقات الأحوال المدنية الإلكترونية التي يقال انها «ذكية» لكن الذكاء إياه لم يصل بعد لمناهج التربية والتعليم ولا لممارسات وزارة الأوقاف لا لتشريعات تحمي المواطنة فعلا وتعاقب على ثقافة الكراهية. ولذلك يخشى بعض الساسة وكبار اللاعبين المنهجية الداعية للمواطنة فتتموضع في عمق المجتمع تلك الأسئلة المرضية التي تجاوزها بعقود العالم المتحضر والتي لم تكن يوما تعكس حقيقة الأردنيين والدولة الأردنية.

نشأت تماما بين أسر مسيحية فاضلة وأول بيجاما لبستها في حياتي كانت هدية من صديقة والدتي المسيحية التي كانت تحبها اكثر من شقيقاتها والتي قضيت طفولتي الأولى في فناء منزلها وأكلت من طعامها وكانت ترعاني وكأني حفيد لها. والطريف ان البيجاما الأولى في حياتي بسبب الفقر الشديد كانت «هدية مسيحية « بإمتياز وبناء على نذر ديني فقد أقسمت جارتنا- الفقيرة ايضا بالمناسبة- على اهدائي البيجاما إذا عاد إبنها « الدكتور سعد» من الهند طبيبا وهذا ما حصل فعلا فقد عاد سعد طبيبا وأصبح لاحقا عضوا في البرلمان والمجتمع فاعلا ومنتجا أكثر من عشرات النواب المسلمين وحظي سعيد «أي أنا» بنذره.

ولم اشعر يوما بأني مسلم وبأن الآخر مسيحي..لذلك يجرحني تماما القول بان اهلي وجيراني ورعاتي المسيحيين لا استطيع تقديم العزاء فيهم إلا بعدما يأذن لي المفتي بذلك.كنا نتشارك اللقمة والمغرم والمغنم في حارتنا المختلطة بين مسلمين ومسيحيين ولم يكن يطرح في بال أي منا بأن الآخر مسيحي وينبغي ان نستأذن المفتي لتقديم واجب التعزية او لمشاركته فرحة فف  المجتمع الأردني لا يمكنك إطلاقا التفريق بين مسلم ومسيحي بأي مظهر او سلوك وطبعا بين اي مسيحية ومسلمة.

الأردني لم يشعر للحظة انه بحاجة لمثل هذه الفتوى فقد كان أجدادنا مؤمنين فعلا لا قولا بالوحدة الوطنية ويمارسون التعايش الديني ولا يحتاجون لطرح اسئلة سخيفة تحتاج لإجابات فيها الكثير من عدم الحكمة وتبرز في توقيت حساس. اجابات لا يمكن هضمها على اسئلة لم تكن تطرح ولا تخطر على بال أسوأ الناس في بلد كالأردن قبل المرحلة الغريبة التي تعيشها المنطقة هذه الأيام حيث المسلم نفسه عدة أنواع وأصناف ما بين شيع  وسني وحيث السنة والشيعة في داخلهم عدة تفريعات تخدم إسرائيل والطموحات التوسعية وأعداء الإسلام والمسلمين.

 

عن القدس العربي