- 11 آب 2016
- أقلام مقدسية
بقلم : راسم عبيدات
واضح بأن وزارة المعارف الإسرائيلية التي يقودها المتطرف نفتالي بينت زعيم حزب " البيت اليهودي" لديها خطة شاملة للسيطرة على العملية التعليمية في مدينة القدس، تقوم على أساس استبدال المنهاج التعليمي في المدينة بالمنهاج الإسرائيلي الكامل في إطار سياسة التهويد والأسرلة . ونحن هنا سنستذكر المحطات الرئيسية لخطة بينت في هذا الجانب، فقد كشفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية في 29/1/2016 أن خطة بينت تقوم على أساس زيادة الدعم المالي للمدارس التي تقوم بتدريس المنهاج الإسرائيلي او لديها صفوف تدرس المنهاج الإسرائيلي، وحث المدارس العربية عبر الحوافز المادية للإنتقال من المنهاج الفلسطيني الى المنهاج الاسرائيلي، وهذا يشمل زيادة الساعات التعليمية لتلك المدارس وخلق اطار تربوي يقوم على زيادة الساعات المخصصة لدروس التقوية والإستشارات التربوية وكذلك الدروس اللامنهجية من موسيقى وفنون وغيرها ودورات الإستكمال للمعلمين،وهذا يعني استخدام الأموال كعامل ضغط على إدارات المدارس لمقايضة المنهاج الفلسطيني بالمال،والتهديد المبطن لتلك الإدارات والمعلمين بقطع أرزاقهم اذا لم ينتقلوا الى التعليم وفق المنهاج الإسرائيلي.
لم يكتف بينت بذلك بل في الذكرى الخمسين لإحتلال القدس او ما يسمى ب"توحيد" القدس اعلن عن ان شعار السنة التعليمية القادمة 2016 في اسرائيل سيكون "توحيد القدس" وفقا لما نشره موقع صحيفة "يديعوت احرونوت" الاسرائيلية. وأشار بينت الى أنه سيتم طرح خطة تعليمية واسعة تشمل المرحلة الاساسية وصولا الى المرحلة الثانوية،ردا على كافة المحاولات التي كانت تهدف لفصل اليهود عن مدينة القدس وفقا لتعبيره، قائلا": ان ما شهدته مدينة القدس من عمليات "ارهابية" من قبل الفلسطينيين كانت تهدف لابعاد اليهود عن المدينة، ولكن كانت النتيجة مزيداً من الارتباط مع مدينة القدس الموحدة".
وأضاف الموقع أن هذه الخطة الموسعة تأتي أيضا مع مرور 50 عاما على احتلال الجزء الشرقي من مدينة القدس ، وستشمل العديد من الفعاليات المختلفة في المدارس من ناحية التعليم والجانب التاريخي للمدينة وارتباطها باليهودية، كذلك القيام بجولات مختلفة من قبل المدارس للعديد من المواقع في القدس بما فيها البلدة القديمة. اليوم يخطو بينت خطوة أخرى على طريق أسرلة المنهاج الفلسطيني في مدينة القدس عبر مقايضة ترميم المدارس وإعادة تأهيلها بتطبيق المنهاج الإسرائيلي، وكانت ما تسمى بـ "وزارة شؤون القدس" في حكومة الاحتلال حسب ما ذكرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية الصادرة يوم الأحد الماضي،قد اشترطت تحويل الميزانيات لمدارس "القدس الشرقية" بتدريس المنهاج الإسرائيلي فيها.وذكرت الصحيفة العبرية، أنه من المتوقع أن تحول وزارة شؤون القدس، قريبًا، ميزانية خاصة تقدر بأكثر من 20 مليون شيكل ما يُعادل الـ 5 ملايين و209 آلاف دولار أمريكي لترميم المدارس في القدس الشرقية. وأن الأموال ستُحوّل للمدارس التي توافق على تفعيل المنهاج التعليمي الإسرائيلي.
وزعمت "هآرتس" أن السنوات الأخيرة شهدت تزايدًا في عدد المدارس التي تقترح منهاج التعليم الإسرائيلي، والذي يسمح بالتقدم لامتحانات "البجروت الإسرائيلية"،ما يسهل على الطلاب الإلتحاق بالمؤسسات الجامعية الإسرائيلية. وزعمت أن استطلاعات للرأي لم تقم بإرفاقها مع التقرير أوضحت ازدياد عدد أولياء الأمور في القدس الشرقية الذين يفضلون المناهج الإسرائيلية من أجل تحسين فرص التعليم والعمل لأولادهم، مستدركة: "ومع ذلك تبقى هذه النسبة صغيرة، فمن بين حوالي 180 مدرسة في القدس الشرقية،قامت 10 مدارس فقط في العام الماضي بتدريس المنهاج الإسرائيلي،ويتوقع ازدياد العدد هذه السنة إلى 14".
وأوضحت أن غالبية مؤسسات التعليم يجري تدريس المنهاج الإسرائيلي لعدد قليل من الصفوف فقط، "ولذلك فإن نسبة المتقدمين للبجروت لا تتعدى 3 في المائة.وهذا من الهام جداً التأكيد بأنه في زمن وزير التعليم العالي الاسرائيلي السابق جدعون ساغر،لم تكن الأمور بالنسبة للتعليم والمنهاج الفلسطيني بوضع أفضل، فساغر لديه نفس مشروع بينت لأسرلة التعليم،حيث كانت هناك محاولة لتصفية المنهاج الفلسطيني،والذي يشكل جزءاً مهماً من الهوية والسيادة الوطنية في آذار من 2011،فقد وجهت مديرة المعارف العربية في بلدية الإحتلال ودائرة معارفها لارا امباركي رسالة للمدارس الأهلية والخاصة تطالبهم فيها بعدم الحصول على الكتب الدراسية للصفوف من الأول الإبتدائي وحتى الصف الحادي عشر إلا عبر وزارة المعارف الإسرائيلية،والرسالة تلك اتت على خلفية تلقي معظم المدارس الخاصة والأهلية نتيجة وحسب ما تقوله الضائقة المالية التي تمر بها،والكتب التي ستوزعها عليهم،التغييرات فيها ليست شكلية أو لها علاقة فقط بالشعار المطبوع على أغلفة الكتب،إستبدال شعار السلطة الفلسطينية بشعار بلدية الإحتلال،بل يطال ذلك حذف وتغيير وتشويه للمنهاج الفلسطيني وتزوير للوقائع والحقائق التاريخية والدينية والوطنية،فالحذف يطال القصائد والأشعار الوطنية،وكذلك الآيات والأحاديث النبوية التي لها علاقة بالجهاد،وأية مواد ومواضيع تدعو للمقاومة ودعم الأسرى وتمجيد الشهداء والبطولات. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل استمر مسلسل أسرلة المنهاج الفلسطيني،في ظل ضعف الحالة الفلسطينية وإنقسامها،والعجز المالي الكبير وقلة الدعم للمدارس الفلسطينية التي تدرس المنهاج الفلسطيني،وغياب الإرادة السياسية للمجابهة عند القيادة الرسمية،مكنت الإحتلال ان يخطو خطوة اخرى تجاه أسرلة التعليم،فمع بداية عام 2013، أعلن كعملية تجريبية عن تطبيق المنهاج الإسرائيلي في خمس مدارس حكومية لعدد من الصفوف الدراسية،مدرسة ابن رشد الشاملة ومدرستي صورباهر الإبتدائية بنين والإبتدائية بنات،وكذلك مدرستي عبدالله بن الحسين الإعدادية بنات في الشيخ جراح وابن خلدون الثانوية في بيت حنينا،وكانت تلك العملية التي لم تفلح المجابهة الشعبية والمجتمعية الفلسطينية لها في وأدها والقضاء عليها،لتكون بمثابة "بروفا" لتوسيع التعليم وفق المنهاج الإسرائيلي في القدس،بحيث لا يقتصر ذلك على المرحلة الثانوية "البجروت" الإسرائيلي بدل امتحان الثانوية العامة الفلسطيني،بل تدريس المنهاج الإسرائيلي من المرحلة الأساسية بإقامة مدارس تعلم المنهاج الإسرائيلي،حيث أقيم لهذا الغرض مدرستا بنين وبنات في بيت حنينا،والخطورة هنا بأن التدريس يستهدف "كي" وتقزيم" وتشويه الوعي للطالب الفلسطيني،ومحاولة السيطرة على الذاكرة الجمعية لشعبنا،وفرض الرواية الصهيونية الكاملة،ليس على المسيرة التعليمية فحسب،بل على كامل الرواية التاريخية،حيث يراد وفق هذا المنهاج للطالب الفلسطيني،أن يدخل في حالة من التناقض وزعزعة قناعاته وثقته بحقوقه وثوابته الوطنية،ولست بصدد التفصيل هنا.
ولكن في ظل ما يحققه الإحتلال من إختراقات وإنجازات على صعيد أسرلة المنهاج والعملية التعليمية في مدينة القدس،فإن المسألة أصبحت تتطلب ردوداً جدية،لا تقف عند حدود الحلول الترقيعية،فإسرائيل تشن حرباً تهويدية شاملة على الهوية الفلسطينية عبر المناهج لشطب الهوية والثقافة والوجود والكينونة الفلسطينية في المدينة، ولذلك ارى بان كافة المبادرات والخطوات المقترحة لصد الهجمة الاسرائيلية على العملية التعليمية على الرغم من اهميتها مثل الدعوة لإستنهاض الصناديق العربية والإسلامية لتحمل مسؤولياتها تجاه التعليم في القدس،واعتماد 10% من المنح الدراسية الخارجية لطلبة القدس، وتسهيل آليات التسجيل في المدارس للطلبة المقدسيين،وإستيعاب عدد من المدارس على ملاك وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، واستثناء طلبة القدس من الأحد الأدنى للإلتحاق بالجامعات المحلية وغيرها،هي خطوات ومبادرات جيدة،ولكن هذا لن يوقف "البلدوزر" والوحش المنفلت من عقاله لأسرلة التعليم.فأولاً قبل كل شيء، بدون إرادة صلبة ومجابهة جدية وحقيقية في هذه المعركة،سنهزم بشكل نهائي ونخسر جبهة التعليم كغيرها من الجبهات الأخرى،ولذلك المجابهة هنا يجب ان تكون جماعية وتكاملية بين المستويات الشعبية بكافة مستوياتها واطرها ولجانها ومؤسساتها والسلطة ومنظمة التحرير، بتفاوض المسؤولية والدور.المال مهم في هذه المعركة صحيح،ولكن كيفية إدارة المعركة اهم،فبعد الإحتلال مباشرة وسيطرة الإحتلال على قطاع التعليم الحكومي بالكامل،ومحاولة تطبيق وفرض المنهاج الإسرائيلي،هبت القدس بقواها وأطرها ومؤسساتها وشخصياتها دفاعاً عن المناهج والتعليم الفلسطيني،واعلنت اضرابا شاملاً لمدة ليست قصيرة، شلت كامل العملية التعليمية في القدس،مما اضطر الإحتلال للتراجع عن إجراءاته وخطواته بفرض المنهاج الإسرائيلي،ولذلك العامل الرئيسي في المجابهة هو امتلاك الإرادة ووسائل واسلوب العمل.

