• 4 تشرين أول 2016
  • أقلام مقدسية

 

 

بقلم : ابتسام اسكافي

ما ان نتابع مجريات الاحداث في فلسطين وما يجري للفلسطينيين في دول اللجوء والشتات حتى تسترجع ذاكرتنا معظم السياسات التي تمارسها اسرائيل تجاه الشعب الفلسطيني، ورغم ان ليس هناك فرق كبير بين ما جرى في العامين 48، و67 وحتى اليوم فالاستيطان هو الاستيطان والاستيلاء عل الارض في تسارع وتزايد واستخدام القوة ازدادت وتيرته ضد وعلى الشعب الفلسطيني الا ان القدس تحتل المرتبة الاولى في الاستهداف الاسرائيلي من حيث النوعية...

العقلية اسرائيلية في التعامل مع القدس لم تتغير بل زادت حيث هي الفكرة القائمة على العقيدة الصهيونية الاستعمارية منذ بداياتها ومنذ نشوء دولة إسرائيل في قلب فلسطين وعلى حساب الفلسطينيين. فالذي ازال الشعب وقراه وبلداته ومدنه وشرد شعبه وشتتهم في دول الآخر لم يتوقف للحظة عن استكمال مهمته الاحتلالية؛ يجد ما يبرره للاستيلاء والنهب والتشريد في كل مناسبة ويستمر في القضم ويستمر التطهير ومعه يستمر طمس المعالم الذي بدأ في القرن الثامن عشر مع صندوق استكشاف فلسطين، وطمس العقول بكذبة السلام، وبالمقابل تكريس فكرة الدولة اليهودية عبر مراحل تاريخية متواصلة ومتتالية إلى اليوم.

في القدس هناك خصوصية للتعامل مع القدس، فليس عبثا ان يعتبر اهل القدس مقيمين وليسوا مواطنين فالاقامة المؤقتة هي التي تميز اهل القدس عن غيرهم من حيث التصنيف السكاني، بالاضافة إلى الاستيلاء على الكينونة المقدسية بحجج الأمن وقانون أملاك الغائبين، أو الاستيطان، وسياسة الأمر الواقع وعزلها عن التجمعات السكانية الفلسطينية، بزرع المستوطنات والبؤر الصغيرة بين التجمعات الفلسطينية في المدينة لخلق جيتوات صغيرة ومنعزلة عن محيطها وعن بعضها البعض، وبالتالي ترحيل العنصر البشري الفلسطيني وإحلال المستوطنين بدلا منهم وفي ذلك ترحيل لأهم عنصر من عناصر الهوية الوطنية وإحلال عنصر هوياتي غربي بدلا منه.

وبذلك أصبحت الجغرافيا المقدسية عدة جغرافيات والمجتمع عدة مجتمعات والهوية مجموعة هويات وكذلك الولاء عدة ولاءات. فالمؤسسات يهودية والسيادة والسيطرة والإدارة إسرائيلية غربية وليست فلسطينية، حتى بوجود عدد من المؤسسات الفلسطينية التي كانت فاعلة قبل أوسلو، إلا ان تلك المؤسسات ليست مؤسسات حكومية فلسطينية تجسد سيادة على ارض الواقع، وهذه حقيقة لا يمكن إغفالها فالمواطن الفلسطيني في القدس يتوجه الى ما يسمى وزارة الداخلية الإسرائيلية لاستخراج بطاقة هوية، ووثيقة سفر تسمى(لاسيه باسيه). ومصطلحات اللغة العبرية اقتحمت مجال اللغة العربية في التعامل والأوراق الرسمية والمدارس والمعاهد وغير ذلك الكثير، وهو الواقع الذي لا يمكن إغفاله، أو إنكاره.

كما ان واقع الحركة الوطنية ترك بصماته على هوية فلسطينيي القدس المحتلة عام 67، كما كان قبل ذلك في المناطق المحتلة العام 1948، ومن الواضح أن تشرذم الحركة الفلسطينية أدى إلى نمو النزعات "المحلية" الفلسطينية. فالحركة الوطنية الفلسطينية، اخرجت فعليا وليس اعلاميا اهل القدس من اجندتها، ومن مفهوم الشعب الفلسطيني في مفهومه السياسي تحديداً وهذا ما يجعل شباب القدس في متاهة سياسية، خاصة انها لم توفّر اية معادلة سياسية لاهل القدس وتحديداً بعد اوسلو وهذا ما يعكس سيناريو المستقبل القاتم لاهل القدس ويعزلهم سياسيا عن بقية الشعب ما جعلهم يقفون في صدارة النضال ضد الاحتلال عبر عمليات الطعن وغيرها من اساليب الصمود والتحدي الفردي كي يناضلون للحفاظ على هويتهم الوطنية وهم داخل الإطار السياسي الإسرائيلي الاحتلالي وليس الوطني وهو الاصعب...

عن القدس

اما الطابع الاستعماري فتكرس عملياً عبر تغيير المعالم والاسماء فكان ذلك احدث الطرق لتنفيذ مزيد من شرذمة الهوية، وبعد بناء الجدار وتعزيز دور الحواجز والمعابر اهمها معبر الزيتون، ومعبر قلنديا، وأخيرا معبر مخيم شعفاط، ومعبر رأس خميس، وبيت لحم وقيام إسرائيل بافتتاح مزيد من المراكز الصحية والخدماتية، مثل (ميؤحيدت، ليؤميت) خلف الجدار أي في المناطق التي عزلها الجدار، في خطوة سهلة ناجحة من إسرائيل لإبعاد الناس عن مركز مدينة القدس، حيث يستريح المواطن الفلسطيني لتقديم الخدمات ويعتبر ان هذه الخطوة وضعت لراحته، ناسيا أو متناسيا ان مثل هذه الخطوات تبعده وتنسيه ارتباطه بمدينة القدس وهويته الدينية والحضارية والثقافية وما عزز هذه الخطوة قيام العديد من المواطنين الفلسطينيين بتأسيس مشاريع اقتصادية صغيرة داخل كل تجمع من التجمعات المعزولة خلف الجدار؛ إضافة الى وجود الكثير من المحلات التجارية التي تم افتتاحها داخل تلك التجمعات، لمختلف النشاطات الربحية، وبالمقابل تناقص في عدد المحلات التجارية والمنشآت الاقتصادية في قلب المدينة التي تعرضت لهجمة شرسة من قبل مؤسسة التأمين الوطني وحملات الضريبة العالية، والمخالفات التي كسرت عظام التجار وأجبرتهم على البحث عن أماكن اخرى للاستثمار مثل الرام والضاحية ومدينة رام الله.

وبالتالي تضمن التخلص منهم مستقبلا، وملاحقة الداخلية لكل مواطن ومنع لم الشمل وهم بذلك فعلياً باتوا فاقدين لحقهم في الإقامة في المدينة مع كل ما يترتب على ذلك من نتائج .

اما ابرز السياسات الحالية فهي ما تتعلق بتغيير المناهج التي تساوق معها عديد من مدارس القدس، يضاف اليها خضوع جيل كامل من الطلبة لسياسات اسرائيل عبر الحواجز وتنميط عقولهم على سياسة الرضوخ للثقافة والسياسة الاسرائيلية والمناهج الاسرائيلة التي حلت محل التنشئة الوطنية حيث ترك الفراغ الذي اوجدته الفصائل السبيل لاسرائيل كي تعبئ كما تشاء وفيما تشاء وعلى من تشاء من ابناء القدس.

هذه السياسات وغيرها والرامية الى مزيد من الشرذمة والتمزيق ابرز نوعاً جديداً من الهوية العابرة للحدود ليس فقط في القدس بل أيضا في جميع المناطق التي مزقها الجدار لكن في القدس هناك فراغ مؤسساتي وسياسي ووطني وثقافي يتقدم على الاقتصادي والتجاري في مستوى الخطورة الوطنية على الاجيال الحالية والقادمة .

أي ان القدس أُعيد تشكيل حدودها وتشكيل هويتها إلى عدة هويات كما جغرافيتها والعبث بتاريخها عبر مرحلة لا يستهان بها اي مدينة القدس المحتلة تصاغ مرة اخرى بعد العام 1967، حيث سكانها عديد سكان وجغرافيتها عدة جغرافيات ومواطنوها وتجمعاتها عدة تجمعات، وشوارعها مئات الشوارع، ومن مدنها مدن استيطانية تجمع الامريكي، والروسي، والشرقي والغربي والاوروبي؛ والفلسطيني دون العربي.