- 14 تشرين الثاني 2016
- أقلام مقدسية
بقلم : بسام البدارين
سأله مراسل «الجزيرة» في عمان، وهو يلتقط أنفاس النرجيلة بدون إكتراث: ما هو رأيك بانتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية؟ العجوز الأردني تنهد وبدا غير مكترث إطلاقا وسحب نفسا عميقا، وقال إن ترامب مثل أخته هيلاري.. كلهم ضدنا وضد فلسطين وكلهم مع ربيبتهم إسرائيل.
كاد الرجل أن يطرح ذلك المثل الشعبي الشهير على الهواء مباشرة عن «شهاب الدين وأخيه»، لكن المراسل الذكي تدارك الأمر مع إبتسامه مكتومة.
غرق المحللون العرب وغرقت معهم الفضائيات العربية في التحليل والقراءة والتعمق والتحدث عن «الزلزال».. بدا وكأن عواصم العرب، التي تغرق في حساباتها الصغيرة مؤثرة أصلا في المشهد أو ستؤثر فعلا بالقرار الأمريكي أو حتى أنها قادرة على التحليل.
أحدهم حاول «أردنة» الرسالة فقرر مخاطبة الكاتب الصحافي الزميل طارق مصاروة بالعبارة التالية : «للعلم ترامب مهاجر ألماني وزوجته مهاجرة سلوفينية».
طبعا صاحبنا يرغب بالرد على مقال الكاتب الذي طرح السؤال التالي: المجرم قاطع رأس أمه في عمان…هل هو أردني أم «إبن أردنية»؟ طبعا المقصود التذكير بإبن الألمانية الذي أصبح زعيما للعالم.
كل ما في الحكاية أن العم «أبو علي» ونقصد كاتبنا المصاروة يريد أن يهتف ضد المبادرة البرلمانية، التي أنجزت حقوق ومزايا أبناء الأردنيات.. الشعب أسقط المبادرة في الانتخابات الأخيرة .. هذا ما قاله مرشح انتخابي كان يتحدث في كواليس محطة «جو سات» مسقطا أنه وقبل فترة قصيرة استرسل في عرض حيثيات «تزوير» الانتخابات في بلدته مما أخرجه من اللعبة.
عموما للتطمين فقط المبادرة ما زالت على قيد الحياة، وقد لا تموت..الانتخابات مجرد محطة ونصيحة لكل من يخطب ضدها على الشاشات التريث وترقب المحطة التالية.
من أبوين عثمانيين
نعود لترامب وزوجته عارضة الأزياء الممتشقة، التي خصصت «سي أن أن» وصلة إخبارية خاصة بها لنقول: لا يهم الأصل والمنبت في الديمقراطيات، فعارضة الأزياء التي أصبحت اليوم سيدة البيت الأبيض حصلت على الجنسية الأمريكية عام 2006 فقط وما زال بيننا كأردنيين من يقول «الجنسية لمن ولد لأبوين عثمانيين».
لسبب أو لآخر يحب بعض الأردنيين التدقيق في دفاتر العائلة والأصول والمنابت أكثر من «عيونهم».. زميل لي شاركني في حوار تلفزيوني على قناة «جو سات» فهمت منه أنه يؤيد منهجية «المواطنة»، شريطة أن لا تشمل اللاجئين الفلسطينيين.. آخر عالج الدعوات العلنية لحل مشكلة أبناء قطاع غزة في المملكة باقتراح مفيد وهو اعادتهم إلى القطاع بلدهم الأصلي فورا.
رحبت بالاقتراح، وقلت له ما يعني…«إيدي بحزامك»… كيف نحقق ذلك؟
طبعا ذكرتنا حتى محطة «سكاي نيوز» ومعها «العربية» بأصل ومنبت الرئيس الجديد ترامب وسمعت مراسل «الجزيرة» في برلين وهو يقلب بدوره دفتر عائلة ترامب وجذوره الألمانية، مشيرا الى أن أبناء عمومة الرجل ما زالوا في إحدى مقاطعات الشمال الألماني وهو – حسب الزميل المراسل – واقع اجتماعي لم يدفع وزيرة الدفاع الألمانية اليمينية للترحيب بفوز «ولد العم»، وعلى العكس تماما اعتبرت فوزه «كارثة حقيقية».
المستحيل الفلسطيني
نحن فقط دون بقية شعوب الأرض مسكونون بهواجس الأصل والمنبت بيننا بشر ولدوا وماتوا في أرضنا ونعتبرهم «بدون».. حتى في فلسطين سمعت قياديا كبيرا يعرف «المستحيل» كالتالي: لا يمكن لأي من أبناء قطاع غزة تسلم السلطة في الضفة الغربية ولا في حال من الأحوال!
كنت أتمنى لو كان المستحيل في قياسات صاحبنا هو «دوام الإحتلال الإسرائيلي».
الطريف في هذا التعريف «الثوري» أنه لا يخجل من الحقيقة.. إسرائيل تحتل الضفة وتحاصر غزة، وفلسطين كلها قيد الإستعمار ومستوطنات نابلس تستهدف عمان ومكة وبغداد، وسفير إسرائيل الأسبق في عمان لا يتردد وهو يخبر رئيس وزراء سابق التقاه بالصدفة في مطار واشنطن بما يلي…«وضعنا المنطقة برمتها على جهاز «الطيار الآلي».
طبعا جزء من المشهد، الذي يخدم الطيار الآلي الإسرائيلي هو خطاب دولة الخلافة، التي تريد قتل جميع الناس وتدمير كل الدول السنية والشيعية والعلمانية، دون أدنى إشارة للتفكير في تدمير الإحتلال الإسرائيلي.
شخصيا تابعت انتخابات الرئاسة الأمريكية ولم أسمع ولو معلقا أمريكيا واحدا فقط يتحدث عن الأصل الألماني للرئيس الجديد… فقط نحن العرب وأصحاب بلاد الشام شغوفون في مثل هذا التتبع المريض لأصول الجميع .. حتى مراسلو شبكاتنا التلفزيونية يتورطون في الحكاية نفسها.
وفي حكاية أخرى أدهشتنا محطة «القاهرة والناس» وهي تهتف عمليا ضد أخطاء نظام السيسي، وتجتهد في الوقت نفسه في البحث عن أي أدلة تثبت بأن قصة «ثورة الغلابة والجياع» مجرد فيلم هندي على أساس أن من خرجوا في اليوم الموعود مجرد عاطلين عن العمل وفي بعض القرى، أما ميدان التحرير وسط القاهرة فاحتشدت فيه كل قوات الأرض وتحول لثكنة عسكرية وكأن العسكر يتظاهرون فعلا ضد الشعب!
*مدير مكتب «القدس العربي» في عمان

