- 19 كانون أول 2016
- أقلام مقدسية
بقلم: محمد أبو لبدة
الحديث عن القدس وتغييبها شبه الارادي من أجل انقاذها اصبح كمن يصرخ في واد عميق طالباً النجدة، الا انه لا يسمع احد صرخاته سوى هو نفسه الذي يسمع صدى هذه الصرخات، وهذا هو حالنا مع مدينة القدس التي يتغنى بها الجميع بأنها عاصمة الدولة الفلسطينية القادمة لا محالة، وأنها المدينة المقدسة التي تضم المسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة وغيرها من الاماكن الدينية والأثرية والسياحية التي تؤكد على طابعها العربي الفلسطيني الاسلامي.
وفي الوقت الذي تعمل فيه سلطات الاحتلال الاسرائيلي ليل نهار من أجل تغيير طابعها بعد ان قامت بضمها وتقوم بتهويد كل الاماكن فيها واسرلة التعليم وتغيير اسماء الشوارع والطرقات الى اسماء يهودية، في اطار سياستها التي تعلن عنها يومياً من أن القدس هي العاصمة الموحدة لدولة الاحتلال الاسرائيلي، في هذا الوقت التي تضيع فيه القدس ان لم نقل قد ضاعت لا نرى لا السلطة الوطنية الفلسطينية ولا العالم العربي والاسلامي يحركون ساكناً من أجل منع ذلك او من أجل الحفاظ عليها وعلى تاريخها العربي الفلسطيني - الاسلامي سوى المزيد من بيانات الشجب والاستنكار لكل خطوة ضم توسع وانتهاك اسرائيلية للمدينة ومقدساتها وتاريخها دون اتخاذ اية خطوة عملية لحمايتها ومنع تهويدها واسرلتها.
فعلى الصعيد السياسي على سبيل المثال نلاحظ قلة الحديث عنها في البرامج السياسية للسلطة الوطنية وفصائل العمل الوطني وحتى الاسلامي، وكأنها ليست جزءاً من الاراضي الفلسطينية المحتلة والتي يجب استعادتها وتحريرها، لدرجة ان المؤتمر السابع لحركة فتح الذي عقد مؤخراً لم يضم في لجنته المركزية الجديدة اي ممثل من المدينة المقدسة وفقط يتم ذكرها في البيانات الختامية للاحزاب والفصائل والقوى الفلسطينية.
اما على الصعيد الاجتماعي فإن الاحتلال يفعل فعله في هذا الاطار فهو يشجع على التفكك الاسري، ويفسح المجال امام مظاهر الانحراف السلوكي وتعاطي المخدرات والزعرنة وغيرها من الأمور التي تفكك المجتمع المدني في المدينة وتضعف الروابط الاسرية والتضامن الاجتماعي وغيرها من الأمور التي لا يتسع هذا المقال لها.
وعلى الصعيد الاقتصادي فإن جدار الضم والتوسع العنصري ومنع ابناء شعبنا في بقية ارجاء الضفة والقطاع من الوصول اليها، ادى لضرب الحركة التجارية في المدينة، كما أن الضرائب الباهظة التي تفرضها سلطات الاحتلال على اصحاب المحال التجارية أدت الى اغلاق العديد من هذه المحال لعدم قدرة اصحابها على دفع هذه الضرائب، ولعدم تقديم مساعدات كافية لهم من أجل مواصلة فتحها.
وقد ناشد التجار عدة مرات كافة الجهات المعنية او التي تدعي حرصها على القدس وعروبتها دعم صمودهم في وجه الاجراءات والانتهاكات الاسرائيلية، الا ان احداً لم يستجب لذلك وان استجاب فإن ما يقدم لا يسمن ولا يغني من جوع.
وذكرت العديد من الاستطلاعات خاصة الاسرائيلية بأن اهالي القدس الشرقية هم الاكثر فقراً، فالحصار المفروض على المدينة وعدم وجود مصانع داخلها والبطالة المرتفعة تجعل مواطني المدينة الافقر بين الفلسطينيين في الاراضي المحتلة وربما يكون قطاع غزة في ضوء الحصار المفروض عليه منذ ١١ عاما هو فقط الافقر من أهالي القدس الشرقية.
وعلى صعيد السكن والاسكان فحدث ولا حرج فسلطات الاحتلال الاسرائيلي تمنع البناء داخل المدينة وان سمحت بذلك فإنها تفرض مبالغ طائلة على التراخيص لا يقدر اهالي القدس على دفعها، الى جانب عمليات الهدم التي تقوم بها بلدية القدس لاية ابنية يقوم بها بعض المقتدرين لاسكان اسرهم التي تتزايد مع مرور الوقت بفعل التزايد السكاني، وتجري عمليات الهدم تحت حجة البناء غير المرخص في حين لا تعطي سلطات الاحتلال رخص بناء وان اعطت فالرسوم المطلوبة باهظة لا يقدر عليها سوى قلة قليلة وفي بعض الاحيان لا احد يقدر على دفعها.
والى جانب ذلك تقوم سلطات الاحتلال بالاستيلاء على منازل المواطنين في البلدة القديمة وخارجها بشتى الوسائل اما بالترغيب او التهديد او ممارسات اخرى مختلفة بهدف اجبار اهلها على الرحيل منها للاستيلاء عليها في اطار سياسة تهويد المدينة واسرلتها.
وقد ادت الاجراءات الاسرائيلية الى رحيل العديد من الاسر خارج المدينة الامر الذي ادى الى قيام سلطات الاحتلال اما بسحب هوياتهم التي تسمح لهم بدخول المدينة والعيش فيها، او حرمانهم من التأمين الصحي والاجتماعي الذي هو من واجب الاحتلال توفيره للسكان الذين تحتلهم. وهذه الاجراءات الاسرائيلية وغيرها مكنت الاسرائيليين من الاستيلاء على المزيد من المساكن داخل وخارج البلدة القديمة، الى جانب ما تقوم به من بناء المستوطنات على الاراضي الفلسطينية المحتلة في القدس بهدف جعل الفلسطينيين في مدينتهم اقلية كما عملت سلطات الاحتلال وتعمل في مدينة يافا التي اصبح العرب فيها اقلية حيث تمنع التوسع وترميم المنازل وتستولي عليها الى جانب تمدد مدينة تل ابيب على حساب مدينة يافا وهو الامر الذي يتم اتباعه في مدينة القدس لجعل الفلسطينيين فيها اقلية ضئيلة ليتم مستقبلا طردهم منها وفق اساليب وطرق احتلالية مختلفة.
وعلى الصعيد التعليمي فإن سلطات الاحتلال عملت وتعمل هذه الايام على اسرلة التعليم في المدينة سواء من خلال فرض المنهاج الاسرائيلي الذي هدفه غسل ادمغة الطلاب الفلسطينيين وحشوها بمعلومات مشوهة ومزورة عن المدينة وتاريخها، او من خلال شطب اي مادة في المنهاج الفلسطيني تتحدث عن القدس كمدينة فلسطينية محتلة وابراز مدينة القدس الموحدة على انها عاصمة اسرائيل الابدية وان وجود اليهود فيها اقدم من العرب والفلسطينيين حسب زعمهم.
وفي الاونة الاخيرة قام وزير المعارف الاسرائيلي اليميني المتطرف والعنصري بالضغط على المدارس لتطبيق المنهاج الاسرائيلي، حيث يغري بعضها بدفع مساعدات واموال لمن يقوم بتدريس المنهاج الاسرائيلي ويحرم المدارس الاخرى التي تواصل تعليم المنهاج الفلسطيني رغم ان سلطات الاحتلال تحذف منه ما تراه لا يتناسب مع احتلالها وعنصريتها.
وعلى الصعيد الثقافي ترى الاحتلال يقوم باغلاق المسرح الوطني الفلسطيني (الحكواتي) امام اي نشاط ثقافي او تعليمي، لانه يرى في الثقافة سلاحا ضد الاحتلال، كما انه يمنع اي نشاط ثقافي يتحدث عن الاحتلال ولو بطريقة رمزية، ويفرض على المراكز الثقافية في المدينة ضرائب باهظة الامر الذي ادى الى اغلاق بعضها نتيجة عدم قدرة اصحابها على دفع هذه الضرائب ، كما يمنع الاحتلال اية نشاطات سياسية او احياء المناسبات السياسية والاجتماعية لأنه يسعى الى تهويد المدينة وتغيير معالمها ويحول دون اي نشاط سياسي او اجتماعي او ثقافي يؤكد على عروبة المدينة واسلاميتها.
عن القدس

