- 31 كانون الثاني 2017
- أقلام مقدسية
بقلم : عبدالله عباس عليان
السيد وزير الشرق الأوسط البريطاني "توبياس الوود"، السلام عليكم، جاء على لسانكم مؤخراً أن حكومة بلادكم تدين المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأن بلادكم ترى أن هذه المستوطنات تتعارض مع القانون الدولي، وتشكل عقبة أمام حل الدولتين.
اعتَقَدَت بلادُك أن اسمك "الوود" سيولد وداً سيد توبياس، لكنها نَسِيَت أن الشعبَ الفلسطيني لم ولن ينسى أن البريطانيين امتنعوا عن القيام بأي تدخل حقيقي منذ تشرين أول 1947، ولم يحركوا ساكناً في وجه محاولات الإحتلال (القوات اليهودية)، السيطرة على الأراضي الفلسطينية.
أَلَم يخبركَ أحدٌ في بريطانيا "سيد الوود" أن آخر رسالة أُرسِلت من الفلسطينيين عام 1948، كانت إلى الميجر جنرال "هيوستوكويل" قائدُ القطاع الشمالي البريطاني في فلسطين، والذي كان مقره حيفا حتى تاريخ 1948، وجاء في هذه الرسالة " إننا نشعر بالألم والأسى الشديدين لغياب التعاطف من السلطات البريطانية في تقديم الإسعاف للجرحى، مع أنها طولبت بالقيام بذلك ... " ، لِعِلمِك، ما زلنا نشعر بالأسى، لكننا زِدنا حباً وتمسكاً بأرضنا.
ألم تعلم أن البريطانيين أزالوا حواجزهم في ذلك الوقت، ليستبدلَ اليهود عملية "المقص" لتقصَ أجزاءً من الأرض بعملية "إزالة الخبز المختمر" بيعود حميتس"، مشيرين بذلك الى(الفريضة الدينية اليهودية بتطهير البيوت من أي أثر للخبز أو الطحين عشية عيد الفصح)، أي أنهم أرادوا تطهير الأرض الفلسطينية من العرب.
مصيبةٌ إن كنت لا تعلم أن البريطانيين كان لديهم في ذلك الوقت 75000 جندي في فلسطين، لم يبذلوا جهداً في الدفاع عن الفلسطينيين، بل قاموا بتزويد "القيادة اليهودية"، بصكوك ملكية الأراضي والأبنية والممتلكات، وشاهدوا تقسييم الأرض، وإبعاد الشعب الفلسطيني، وتسليم أرواحه وأرزاقه إلى اليهود.
ألم تَسمَع سيد "الوود" أن "بن غوريون" وعصابات البالماخ، الهاغاناه، الإرغون، لواء غولاني، لواء إلكسندروني، اللواء السابع، الكتيبة 89 التابعة للواء الثامن، وعدد آخر من هذه العصابات قاموا بالعديد من المجازر في فلسطين تحت مسميات عدة، منها "عمليات التخلص ممن تبقى"، والتي كان القصد منها بداية الإحتلال في العام 1948، تطهير قرى لم تستهدف من قبل، ومن هذه المجازر " عين الزيتون، الطنطورة، قرية سعسع، الدوايمة، أبو شوشة ودير ياسين ... الخ .
ألم تقرأ في كتب التاريخ (العربي، الغربي وحتى الإسرائيلي)، أن سياسة الإحتلال الإسرائيلي كانت في بدء "عملية التطهير" وما زالت واضحة بشأن مصير القرى المدمرة، وذلك إما من خلال بناء مستعمرة على أراضيها أو أن يحل محلها غابة "صهيونية" أو "توراتية"، ولم يبقى لأهل الدار(الفلسطينين) أو ما تبقى من فلسطينيي العام 1948، لم يتبقى لهم سوى 3% من الأراضي فقط ، (2% للبناء والعيش و 1% عُرِّفَت أنها أراضٍ زراعية).
ومن بابِ إنعاش الذاكرة "سيد الوود"، بدأت سرقة الأراضي من خلال قوانين عنصرية، جعلت من الصندوق القومي اليهودي "مالكاً للأرض"، كقانون "أملاك الغائبين" مثلاً ، الذي أقره الكنيست الاسرائيلي عام 1950 وقانون الصندوق القومي اليهودي عام 1953، وقانون أراضي إسرائيل وقانون سلطة أراضي إسرائيل عام 1960، وفي العام 1967 أَقَر الكنيست قانون الإستيطان الزراعي، وأبرزُ ما جاء فيه، منع تأجير الأراضي التي يملكها الصندوق القومي اليهودي بعقودٍ من الباطن، فبموجب قانون "أملاك الغائبين" تم الاستيلاء على الأراضي والممتلكات، التي تعود للفلسطينيين المهجرين أو من اضطُرّ للخروج من فلسطين نتيجة احتلال فلسطين، وبموجبه وضعت سلطات الإحتلال الإسرائيلي أملاك هؤلاء الفلسطينيين تحت تصرف ما يسمى بـ "حارس أملاك الغائبين".
سيد الوود، قانون العودة الصادر سنة 1950 يعطي اليهود حق الهجرة والإستقرار في إسرائيل ونيل جنسيتها، وفي العام 1970 عُدِّلَ ليشملَ أصحابَ الأصول اليهودية وأزواجهم، نتيجة الجدل حول "من هو اليهودي"، فمن خلاله تَجَسَدت عقيدة "الحركة الصهيونية"، كما نص عليها إعلان "إستقلال إسرائيل"، التي اعترفت بها عصبة الأمم عام 1922، والتي أوكلت إلى بريطانيا واجب إقامة "وطن قومي لليهود"، إضافة للرغبة بالزيادة من معدلات الهجرة لمحاربة النمو الرباني للوجود الفلسطيني، وللحد من "الخطر الديمغرافي"، حيث حاز منذ العام 1950 مئات الألوف من غير اليهود على الجنسية الإسرائيلية بموجب هذا القانون، علماً أن من بقي من الفلسطينيين بعد الإحتلال الإسرائيلي عام 1948 قُدِّروا بـ (160) ألف، ليصبحوا اليوم ما يقارب مليون و(400) ألف نسمة، وأن 66% من الفلسطينيين الذين كانوا يقيمون في فلسطين التاريخية عام 1948 تم تهجيرهم، وذلك بحسب تقديرات الأمم المتحدة عام 1950.
ربما قد تتساءل عن هذا الإصرار سيد "الوود" على فضح ممارسات الإحتلال الإسرائيلي لشخصٍ لم يولد إلا نهاية السبعينات في مدينة سُمِيَت " قمة الله" ( رام الله)، ووالده ولد في توأمها (البيرة)، لكننا عرفنا أجدادنا الثلاثة عشر، نسميهم ونروي لأبنائنا قصصهم في محاربة الإحتلالات، تعلمنا من أجدادنا أن نستعينَ بالصبر على البلاء، فتاريخنا مشرف وسيظل أطفالنا يحكونه، ألم تقرأ قصائد درويش، والتي تُرجِمَت لعدة لغات، أتدري ماذا قال عن البلاد:(بلادي البعيدة عني .... كقلبي!، بلادي القريبة مني ... كسجني!).
إن لم تشاهد حلقات مسلسل الإحتلال والتطهير العرقي الذي بدأ بطولته "الفيلد مارشال مونتغوري" رئيس هيئة الأركان الإمبراطورية، ستوكويل، بلفور، دافيد بن غوريون، هيرتزل، غولدامائير وغيرهم، وما تقوم به حكومة "بنيامين نتنياهو" العنصرية والمتطرفة، ضد الفلسطينيين الصامدين على جبروت هذه الحكومات المتعاقبة منذ 1948، في قلنسوة وتهديدهم بهدم المنازل، وفي أم الحيران بالنقب وترحيل أهلها وقتلهم، وضمن ما تطلق عليه "عملية تكثيف إجراءات تطبيق القانون" أصدرت حكومة الإحتلال أوامر هدم لعشرات المنازل في القرى الدرزية، فكل ما تقوم به هذه الحكومات، يعتبر امتداداً لمشاهد وحلقات هذا المسلسل الإحتلالي المستمر.
سيد " توبياس الوود" بِوُدِّنا أن نقبلَ إدانتكم، ونُقَدِّرَ أَن لبلدكم" العظمى" مكانتها بين الدول، لكنها لن تكونَ كذلك في نظرنا، حتى تعتذرَ بدايةً عما اقتَرَفَهُ أبناؤها بحق أبناء شعبنا وأرضه قبل مئة عام، لأننا نؤمن كدولة "صغرى" بمبدأ "لا يضيع حق ورائه مطالب"، والسلام عليكم
عن القدس

