• 4 تشرين الثاني 2012
  • أقلام مقدسية

 

بدأت سورة الإسراء بقول الله سبحانه وتعالى :"سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ...." ملخصة وصف عرض رحلة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بين مسجدين قديمين تربطهما حالة تواصل واتصال كأقدم مسجدين أو بيتين بنيا على الأرض, اعتمادا على قوله صلى الله عليه وسلم عن أبي ذر الغفاري رضي الله تعال عنه –قال: قلت:"يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام، قال: قلت ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثم أينما ادركتك الصلاة يعد فضله فان الفضل فيه" (صحيح البخاري، حديث 3115 ترقيم العالمية)؛ ومما يؤكد قول الرسول صلى الله عليه وسلم، قوله تعالى بقوله:" إن أول بيت وضع للناس ببكة مباركا وهدى للعالمين"؛ هذه الرحلة والربط بين بيتي الله عز وجل هي دليل يؤكد التواصل والتكامل بين الأنبياء، الرسل والرسالات السماوية والتي تجد لها تعبيرا حيزيا وفضاء يربط بين المكان – الجغرافيا-  على امتداد الزمان من خلال الإنسان: أي أن المكان والزمان والإنسان هما ثلاثة عناصر رئيسة في تكوين الموقع والموضع والربط بينهما. هذا الربط العضوي, التاريخي, العقائدي والوظائفي نجده مترجما في جغرافية بلادنا- الأرض المباركة ارض الإسراء والمعراج. هذه الأرض خصها الله سبحانه وتعالى بشخصية مميزة تمنحها عبقرية وخصوصية مكملة، متصلة ومتواصلة مع ثلاثة مراكز تشكل الحيز الجغرافي الذي انطلقت منه الحضارات وبعثت به الرسالات السماوية وعاش بها الرسل والأنبياء. هذه المواقع الثلاثة هي حوض ما بين النهرين (العراق حاليا)، حوض النيل الشمالي (مصر حاليا)، والجزيرة العربية (السعودية حاليا)، وفي قلبهم ووسطهم ارض  فلسطين أو بلاد الشام بالتعريف الاشمل أو بالتعريف القرآني الأرض المباركة.

 

 لقد طرح وناقش الدكتور جمال حمدان رحمه الله، احد أعلام الجغرافيا في القرن العشرين، في كتابه الرائد "شخصية مصر – دراسة في عبقرية المكان" التآزر، الجدلية والعلاقة بين الإنسان والطبيعة في المكان والزمان، كعلاقة متوازنة متصلة ومتواصلة رغم القدم والتقدم المتوفر لأجل صياغة الحضارة والتراث المادي والروحي. إذا ما استعرت طرح الدكتور جمال حمدان إلى موقع وموضع الأرض المباركة؛ ارض الإسراء والمعراج، فلسطين؛ بقولي:"شخصية فلسطين- عبقرية المكان والزمان والإنسان" فإنني أجد أن وصف الله لفلسطين بأنها الأرض المباركة التي تحيط المسجد الأقصى قلبها، درتها ومركزها روحيا وجغرافيا هو أمر مرتبط بتميزها الجغرافي. هذا التميز والخصوصية نجدها موجزة في عنوان هذا المقال الموجز والذي لخصه لي زميلي الدكتور كمال عبد الفتاح احد رواد الجغرافيا في فلسطين خلال نقاشنا حول مسالة كيفية حفظ وإحياء الموروث الحضاري العربي في فلسطين؛ حيث قال لي بان فلسطين هي "قديمة متقدمة متصلة ومتواصلة". بعد هذه المقولة عدت إلى مراجعة بعض الكتب لأجل كتابة دراسات أكاديمية تتعلق بأبحاثي, بما في ذلك كيفية حفظ وإحياء الموروث الحضاري المبني في فلسطين؛ خاصة وان هذا الموروث يعاني من حالة تهديد مستمرة سوف اعرضها في دراسات لاحقة. وان قدم فلسطين مشهود له في دراسات تاريخية وأثرية كثيرة؛ فمثلا تشير دراسات عديدة بان مدينة أريحا هي أقدم مدينة في العالم. ولأجل فهم المسطرة التاريخية لفلسطين راجعت كتاب بلادنا فلسطين للسيد مصطفى مراد الدباغ. خلال مراجعتي وجدت أن بلاد فلسطين كإقليم تقع في قلب العالم القديم وتربطه جغرافيا, كانت ومازالت ارض ممر ومستقر لأقوام وحضارات كثيرة جزء منها بائدة وأخرى مازال أسلافها يعيشون في هذه الأرض المباركة. جزء من هذه الأقوام تم رصدها وتسجيلها مع بداية التاريخ علميا، وهو الوصف المتعارف عليه حين عرفت الكتابة حوالي عام 3500 قبل الميلاد، فعلى سبيل المثال  سجل التاريخ سكن اليبوسيين (وهم بطن من بطون العرب الكنعانيين) في القدس، وبنائهم لها خلال حوالي عام 3000 قبل الميلاد وعرفت القدس آنذاك باسمهم "يبوس". أما بلاد فلسطين فعرفت بأرض كنعان؛ منذ ذلك العصر تبدلت ملل وأقوام في هذه البلاد تاركة ورائها موروث حضاري مادي. ومن يسير في بلادنا, الأرض المباركة, محققا لقوله تعالى في سورة غافر الآية 82" أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم واشد قوة وآثار في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون", يجد أن بلادنا يوجد بها طبقات متعددة ومتراكمة من آثار الأقوام السابقة، ومواقع حضارات وطنت في مدن وقرى كثيرة ما زالت شاهدة على قدم هذه البلاد. هذا القدم نجده مرتبط كذلك بالرسالات السماوية الموحدة والتي مارسها اليبوسيون والذي استضاف ملكهم ملكي صادق, سيدنا إبراهيم عليه السلام عند قدومه إلى بلاد فلسطين من أور جنوب ما بين النهرين – العراق حاليا؛ حيث أقام بها وأكد ومارس رسالة التوحيد كما ذكر الله تعالى في سورة آل عمران آية 66 :" ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا، ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين". أو كما جاء في سورة النحل آية 120:" إن إبراهيم كان امة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين". لتأكيد عبودية إبراهيم عليه السلام قام بالتوطن في بئر السبع وبنى بها بئرا ومسجدا والذي يعتبر أول مسجدا بني في فلسطين بعد المسجد الأقصى كما ذكر ذلك الدباغ نقلا عن الطبري (الدباغ؛ 1988). كما أن سيدنا إبراهيم مع ابنه إسماعيل قاما برفع قواعد المسجد الحرام في مكة. حيث قال الله تعالى :"وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا انك أنت السميع العليم" (سورة إبراهيم آية 127). ولقد عاد إبراهيم إلى فلسطين وكانت وفاته بها وتم إيواء جثمانه في مدينة الخليل حيث أقيم الحرم الإبراهيمي؛ وبعد ذلك هاجر ابنا سيدنا يعقوب عليهم السلام بعد أن دعاهم سيدنا يوسف إلى مصر للتوطن بها حيث قال تعالى:" فلما دخلوا على يوسف أوى إليه أبوية وقال ادخلوا مصر إن شاء الله امنين" (سورة يوسف آية 99). هكذا يتضح قدم فلسطين وقلبها القدس وتواصلها مع مواطن ومواقع حضارية أولية محيطة خاصة حضارة مصر القديمة وحضارة ما بين النهرين ولاحقا حضارة الجزيرة العربية وقلبها مكة والمدينة.

 

 ولأجل تأكيد القدم التاريخي والتواصل الحيزي للارض المباركة قمت بمراجعة كتاب أطلس القران، أماكن، أقوام وأعلام للدكتور شوفي أبو خليل (2001), ومن خلاله تعقبت مواطن وحركة الأنبياء والرسل المذكورة في القران تبين لي بشكل جلي أن الأرض المباركة تشكل محور حركة الأقوام والأنبياء والرسل وفي نفس الكتاب صفحة 183 أوضح خارطة تحاول تحديد الأرض المباركة والتي شملت المنطقة من مدينة العريش جنوب فلسطين إلى مدينة النبك شمال شرق دمشق حاليا, وفي قلبها بيت المقدس. وأشار في صفحة 148 إلى أربع آيات ذكر الله الأرض المباركة (الأعراف:آية 7؛ الإسراء:آية 1؛ الأنبياء: آية 71؛ 81). هذه البركة التي تمتعت بها ارض الإسراء والمعراج وموقعها الذي يشكل عقدة ربط واتصال بين الحضارات والدول القديمة, الوسيطة والحديثة أدى إلى تعدد أسمائها. إن الدارس لأسماء بلادنا يجد انه ربما هي أكثر بلاد الأرض يوجد لها أسماء من هذه الأسماء: ارض كنعان؛ فلسطين؛ الأرض المباركة؛ الأرض المقدس؛ جند فلسطين؛ ارض إسرائيل ...الخ. وداخل بلاد فلسطين يوجد عدد كبير من أسماء المواقع تزيد عن حوالي 60 ألف اسم موقع كما قدره الدكتور كمال عبد الفتاح. وحسب تقديره فان هذا العدد لا يوجد له ربما شبيه في العالم, خاصة بالمقارنة مع مساحة فلسطين التي حددت حدودها الجيو-سياسيه الحالية بعد تقسيم الدولة العثمانية بواسطة اتفاق بين موظفين أجنبيين ( فرنسي وبريطاني) برعاية دولهم وهالتي تعرف باسم اتفاقية سايكس-بيكو- 1916، بمساحة 27 ألف كلم مربع. هذا العدد الكبير لأسماء المواقع  (المدن، القرى، الجبال، الوديان، الوديان، المضارب، العيون ....الخ),   هو مؤشر على قدم هذه البلاد، تقدمها عن محيطها، تواصل السكن الإنساني بها وتواصلها مع محيطها الحضاري القريب والبعيد.

 

رغم قدم الأرض المباركة إلا أنها كانت متقدمة عن الأقاليم المحيطة بها، فان موقعها على ساحل البحر الأبيض المتوسط وربطها مع الحضارات القديمة ولاحقا مع الحضارات الوسيطة والتي شملت الحضارات اليونانية والرمانية والفارسية والحضارات التي ارتبطت بالخلافة الإسلامية خلال دولها المتعاقبة, التي استمرت مسيطرة فترة ما يزيد عن 1300 عام على فلسطين، منذ الفتح العمري عام 638 – حتى الاحتلال البريطاني عام 1917 (باستثناء مئة عام خلال الحروب الصليبية)؛ ولاحقا بعد فرض الانتداب البريطاني وتوافد الهجرة اليهودية الصهيونية عليها, منحا بلاد فلسطين شخصية متميزة, قدمت للإنسانية حضارة متنوعة كشفت عنها الدراسات التاريخية والأثرية والدراسات المقارنة. ولقد أكد ذلك المؤرخ الفلسطيني المعاصر رشيد الخالدي في كتابه "القفص الحديدي"؛  عندما قارن حالة فلسطين في بداية القرن العشرين مع حالة الدول العربية التي نالت استقلالها خلال النصف الأول من القرن العشرين بان الحالة الاقتصادية، نسبة التعليم، الحياة الثقافية وعدد الصحف التي تصدر في فلسطين الانتدابية كانت متقدمة عن الدول العربية (خالدي: 2007؛ 61-67). هذا التقدم النسبي جاء نتيجة ومحصلة إلى تواصل سكن الانسان بها؛ حيث لا يشهد التاريخ العلمي انقطاع السكن في فلسطين؛ بل على العكس توفرت بها السكن والحياة بكثافة عالية؛ وحاليا فان كثافة البلدات والسكان, والتي تشمل عدد المدن والقرى والمضارب؛ وعدد الأنفس لكل كلم مربع في بلاد فلسطين تعتبر من أعلى الكثافات في العالم. هذا التواصل والاتصال مع العالم أدى إلى تنوع وتعدد الثقافات، طرق البناء، أصل أسماء المواقع في الأرض المباركة؛ كما أن انبعاث الرسل والأنبياء الموحدين حاملين رسالة السماء إلى العالم بأسره من الأرض المباركة هو بينة واضحة لهذا التواصل والاتصال الذي اكسب شخصية فلسطين خصوصية وتميز تعبر عن عبقرية المكان.

 

وأخيرا فان شخصية فلسطين حسب الحدود الحديثة تشمل تنوع مناخي، حيث نجد بها مناخ بارد في شمالها؛ مناخ معتدل في ساحلها وجبالها، مناخ شبه صحراوي في غورها، ومناخ صحراوي في نقبها- جنوبها. هذا التنوع المناخي انشأ بها عدد كبير من العائلات النباتية والتي يقدر عددها بما يزيد عن 2200 نوع نبات. كما أن أنواع التربة بها متعددة. وان الدارس لخرائط أنواع التربة والخرائط الجيولوجية (علم طبقات الأرض) والجيومورفولجيا (علم تكوين سطح الأرض), يجد أن داخل بقعة صغيرة من الأرض لا تتجاوز مساحتها عن 27 ألف كلم مربع, توجد مشاهد طبيعية متعددة  تكونت نتيجة لعوامل طبيعية وجيولوجية إضافة إلى صنع الإنسان خلال العهود السابقة والتي شملت تطوير مدرجات زراعية، بناء سدود وطرق إضافة إلى خانات، مدن وقرى تؤكد أن بركة هذه البلاد لم تقتصر على المكانة الروحية كمهد للرسالات السماوية بل تجاوز ذلك إلى تكوين مشهد حضاري له دلالات, تؤكد أن هذه الأرض المباركة ستبقى قديمة ومتقدمة متصلة ومتواصلة عن سائر بقاع الأرض. واجبنا نحن أبنائها الرباط بها وتعميق الانتماء لها من خلال معرفتها والتعرف عليها بالإضافة إلى بنائها وتطويرها لمنفعتنا الروحية والمادية. لا شك أن الموروث الحضاري الذي تتمتع به الأرض المباركة هو مورد استراتيجي نشأ وتطور نتيجة لعمليه تراكمية شملت توطن حضارات متعددة صاغت مشهدها وهويتها. هذا المورد  لا بد من استثماره لكشف كنوزه وتحويله إلى رافعة تنموية مؤسسة على رافعة انتماء إيماني.

 

إن عبقرية المكان وشخصيه الأرض المباركة وذاكره الإنسان بها على مر الأزمان تمنحها روح مميزه ومتميزة خاصة بها. هذه الشخصية كونت مشاهد عامه تقع على عاتقنا تسخيرها لمنفعتنا حافظين لمكانتها, واعين لشخصيتها, مقدرين ومثمنين لعبقرية المكان ولروحه ومستخدمينه لآجل استدامة تطوير رسالة إنسانيه صقلت في الأرض المباركة خلال تاريخها الحضري الطويل, جغرافيتها المتنوعة وتعدد الحضارات الانسانيه لتشكل بوصله لانسجام تنميه الحياة المطمئنة بها.

 

مصادر:

-        القران الكريم.

-        أبو خليل شوفي؛ 2001؛ أطلس القران، أماكن أقوام وأعلام، دار الفكر المعاصر، دمشق.

-        الخالدي رشيد؛ 2007, القفص الحديدي؛ قصة صراع الفلسطينيين لإقامة دولة؛ الترجمة العبرية : 2010، معهد فان لير القدس.

-        الدباغ مصطفى مراد؛ 1988؛ بلادنا فلسطين؛ دار الشفق كفر قرع

-        حمدان جمال؛ 1996؛ شخصية مصر – دراسة في عبقرية المكان، دار الأسرة، القاهرة. 

-        عليان جمال؛ 2005؛ الحفاظ على التراث الثقافي: نحو مدرسة عربية للحفاظ على الموروث الثقافي وإدارته، عالم المعرفة، الكويت.