• 15 تشرين الثاني 2012
  • أقلام مقدسية

 

 

مع كل الظروف الصعبة للواقع الاقتصادي بالقدس ، وبالرغم من كل الصعوبات والعراقيل التي يضعها الاحتلال ، إلا انه واقع يمكن تغييره اذا ما تضافرت إرادات وجهود المقدسيين ، وعلى وجه الخصوص القطاع الخاص ، وتوفير التمويل اللازم ، وجذب الاستثمارات للمدينة ، وتسليط الضوء على الصناعات المقدسية الحرفية والتقليدية وعملية احيائها ، لما لها اثر في توفير فرص عمل وخلق بيئة تنافسية مع الجانب الاسرائيلي .

إذ انه وبالرغم من كل محاولات الاحتلال المستمرة لتهويد واسرلة المدينة ، وبالرغم من كل ممارساته وإجراءاته التعسفية للتضييق على اهل المدينة إلا انه فشل فشلاً ذريعاً في تذويب الهوية و الشخصية الفلسطينية ، فلا تزال العلاقات الاجتماعية والثقافية والتراثية قائمة ، حيث لم تفلح جميع المحاولات الاسرائيلية تحطيم اسس التربية والتعليم وهدم البنية التحتية عن جسر الهوة بين شرقي القدس وغربها التي تشكل نواة صلبة يصعب تفكيكها .

ومما يعزز ذلك عدم قناعة مجلس الامن والجمعية العامة للأمم المتحدة ، والدول الكبرى وعلى رأسها امريكا ودول اوروبا واللجنة الرباعية وغيرهم من الدول والشعوب المحبة للسلام بأهمية القدس وفلسطينيتها وعروبتها ، وما يؤكد ذلك عدم اعتراف هذه الدول بالرغم من المحاولات المستمرة للاحتلال لذلك .

هذا الدور يتطلب ما يلي :-

1. تفعيل وإنشاء شركات ومؤسسات مقدسية نوعية يشارك ويساهم فيها رأس المال ، والخبرات المالية والتجارية ، والكفاءات الادارية والمالية من أبنائها المقدسيين مسلمين ومسيحيين ، لتحفيز الاستثمار المحلي ، وإقامة مشاريع تنموية في المدينة لها حوافز مميزة لإعادة الحياة لها ، في اطار مرجعية اقتصادية ، وإطار مؤسساتي هيكلي لتنفيذ استراتيجية تنسيقية موحدة يشارك في اعدادها وبرامجها وتنفيذها مؤسسات القطاع الخاص ، ورجال الاعمال ، والمنظمات غير الحكومية ، وممثلي القطاعات الاساسية فيها ، خصوصاً لقيام القطاع الخاص وبعض رجال الاعمال بإجراء مشاريع ناجحة " فردية او عائلية او شركات ومؤسسات مساهمة " اثبت وجودها مما يستدعي العمل على تطويرها وتكاثف الجهود من حولها لدعمها ودعم الاقتصاد المقدسي .

2. توجيه هذه الشركات والمؤسسات للعمل بمشاريع تنموية انتاجية وخدماتية حرفية ومهنية وتجارية لتشجيع الخدمات والانتاج والصناعات التقليدية المحلية ، وتطوير القائم منها بجهود فردية او جماعية او بمراكز حرفية او مناطق صناعية وتمكينها والتي تهدف في مجملها إلى:-

أ. العمل على نمو وتطوير وتعزيز فعالية النشاطات وبناء القدرات في القطاعات والمشاريع الاقتصادية التي تحتاجها المدينة.

ب. تشجيع الاستثمار في الموارد البشرية لتثبيت وصمود المقدسيين .

ج. توفير وإتاحة فرص عمل جديدة وزيادة الدخل المالي لمواكبة ظروف التغيير المستمر في الاقتصاد المقدسي تحت وطأة الاحتلال .

د. تحقيق عوائد مجزية للمستثمرين والمساهمين ، ودفع اجور ودخول عادلة للموظفين والعاملين بسبب ضعفها وتأكلها وارتفاع أعباء المعيشة والمديونية .

هـ. عودة المؤسسات والشركات المقدسية لمزاولة نشاطها وأعمالها في القدس ، وإعادة الثقة لضخ رأس المال المقدسي في المدينة بدل استثماره وتهريبه لخارجها .

3. دعم السلطة الوطنية لهذه الشركات والمؤسسات بمخصصات وموارد مالية للاستثمار فيها ، ومساندتها مالياً لدفع الضرائب والمخالفات والغرامات ومتابعة الملاحقات القانونية والمرافعات القضائية وتطوير البنية التحتية ، وتعويض هدم البيوت التي يفرضها الاحتلال ، ودعمها اقتصادياً وتجارياً وتسويقياً كالسماح لها بالدخول في عطاءات ومناقصات السلطة الوطنية ، وتذليل وحل الاشكاليات والمشاكل والصعوبات التي تواجهها كمشكلة الفاتورة الصفرية ، مما يتطلب الغاء الأنظمة التي تفرض على الشركات المقدسية فتح فروع لها بالضفة الغربية الامر الذي يزيد التكاليف التشغيلية لهذه الشركات ، ومساندة القطاع الصحي وتطوير وتحسين المؤسسات ونوعية الخدمات الصحية ، وتوفير الاستدامة المالية الدائمة لها . وكذلك تحسين قطاع التربية والتعليم فالاستثمار في رأسمال البشري دعامة اساسية للاقتصاد الرأسمالي وقيمة اضافية اجتماعية مهمة ، وكذلك العمل على تسويق القدس اعلامياً عبر المؤتمرات وزيارات الوفود والسياح وبرامج التسويق عن طريق التجارة الالكترونية وعن طريق السفارات او الملحقات التجارية لبناء صلات مع الخارج ، حيث لوحظ تقصير وعدم قيام المرجعيات الخاصة بالقدس بعمل مبادرات او الالتفاف الكافي للجوانب العملية لجذب المستثمرين ولترويج وتوفير حوافز مميزة لهم.

4. العمل على تشجيع استثمار ومشاركة وتسويق سكان المدينة المقدسيين ، والتعاطي الجدي لهذا الامر بالقدس أو بالأماكن والتجمعات البشرية الفلسطينية " عرب 48 " ، " والضفة الغربية وغزة " ، لتشجيع الانتاج وزيادة التوزيع وبيع المنتوجات في الاسواق ، ذات التجمعات العربية ، وهي نقطة البداية التي تشجع وتقنع المستثمرين الخارجيين وجذبهم للمشاركة والانخراط مع الاستثمار المحلي .

5. تشجيع المستثمرين في الوطن العربي والإسلامي للاستثمار في المدينة ومراعاة طرح الواقعية لظروف المدنية التي تتطلب العلم بأن الاستثمار فيها ليس مطلبا اقتصاديا بحتا ، وليس استجداء من الغير ، بل استثمار يهدف الى حسابات الربح والخسارة ، بالإضافة الى أنه واجب قومي وديني لعدم تهويد المدينة ومساعدة ومساندة صمود ابنائها ، الامر الذي يتطلب من مؤسسات التمويل والإقراض تخفيض التعقيدات وتسهيل القيود والشروط التي تضعها مؤسسات التمويل والإقراض العربية والإسلامية.

6. القيام بمشاركات شركات محلية او خارجية " او افراد " لزيادة رأس مال الشركات والمؤسسات المزمع انشاؤها والعمل على توسيع استثمارها وقدرتها التنافسية والتسويق سواء بالأسواق المحلية او الخارجية وتوطيد العلاقة بصلات قوية بين الشركات المحلية والمؤسسات والجهات والدول المانحة والمانحين من الخارج .

7. مساندة ودعم المصارف الفلسطينية لدعم وتمويل الشركات الفردية والورش والمشاريع الصغيرة والمتوسطة بتقديم تسهيلات مالية وخدمات مصرفية تجارية ومعاونتها على مزاولة انشطتها وأعمالها بضمانات ميسرة لتحريك عملية لإنتاج ومنافسة ما تقدمه المصارف الاسرائيلية ، ولعل الاستفادة من كفالة المانحين ومساعدات رجال اعمال عرب ، كذلك قيام صناديق عربية وإسلامية أو مؤسسات تمويلية كبرى لتكوين راس مال تشغيلي يدعم المشاريع ويعمل على دعم وتأمين وضمان وكفالة المشاريع عالية المخاطر المزمع انشاؤها وتوفيرها هامش امان احدى الخطوات المهمة بهذا الشأن .

8. العمل على تشجيع انشاء مدارس ومعاهد ومراكز تعليمية وتدريبية تخصصية محلياً او بالابتعاث للخارج عن طريق السلطة الوطنية او منح الدول والجامعات والمعاهد العربية لتأهيل وتطوير كفاءة الوظائف والعمالة الفنية والمهنية والتقنيين المدربين على حسن التنظيم والإدارة وخدمة ودعم العمل والعمال وتطوير قطاع تكنولوجيا المعلومات خصوصاً تلك التي ترتبط بالأهداف والاحتياجات والاولويات المطلوبة للنمو الاقتصادي في المدينة ، وهذا يتطلب انشاء قاعدة معلومات وبيانات عامة وشاملة وتوفير الدعم المؤسساتي والأطر التنفيذية للتخطيط بشكل علمي مدروس يدعم دراسات الجدوى والتنفيذ وتحديد اولويات مشاريع الاستثمار .

9. ضرورة تفعيل دور الغرفة التجارية والصناعية بالقدس والعمل على اعادة مقرها بالقدس لأهمية دورها للدفاع عن مصالح الاعضاء المنتسبين لها وتقديم الاستشارات الفنية والمالية والقانونية والإدارية لهم ، وإجراء الدراسات والتقارير والمعلومات والأبحاث المتعلقة بجوانب الحياة الاقتصادية لاستفادة الاعضاء والباحثين والجهات الرسمية .

10. على العلماء ورجال الفكر والثقافة إبراز اهمية الصناعات والمنتجات الوطنية التقليدية وتوسيعها وتنويعها ومراعاة ان يكون نمط التفكير المقدسي مسايرا لنمط التقاليد والقيم والعادات العربية وليست محاكاة النمط الغربي ونوع الثقافة السائدة في المجتمع ، بما في ذلك حسن استقبال السياح والزائرين والتعامل معهم بما يليق بمكانة وسمعة المدينة وأهلها ، وحسن وصدق المعاملات مع بعضهم البعض .

وفي الختام فإن القدس للجميع وهي اكبر من الجميع ، وان فقدت " ولو مؤقتاً " مركزها التجاري حاليا لإحاطتها بجدار من حولها ، وفقدانها لموقعها المتوسط ، الا انه لا يمكن لفرد او فئة او شركة بشكل منفرد ان تدعي بأن في امكانها لوحدها تطوير وتنمية اقتصاد المدينة بشكل شامل ، نعم بالإمكان إحداث تطوير جزئي من أجزاء في مشروع او اكثر ، او في قطاع او أكثر من القطاعات الاساسية بالمدينة ، سواء بالتمويل الشخصي وبالمجهود الفردي ، أو بالمساهمة او المشاركة مع الغير ،او عن طريق القروض والائتمان إلا انه لا يمكن الانفراد بالنجاح بنفس الوتيرة والأداء والاستدامة لتنمية مستدامة شاملة ، إلا اذا تضافرت الارادة والإدارة والجهود المشتركة .

ففي قطاع السياحة مثلاً وهو أهم قطاع اقتصادي في القدس ويمثل اكثر من 40 % من الناتج الاجمالي المحلي للقطاعات الاقتصادية بالقدس ، فالأمر لا يتوقف على بناء فنادق جديدة ، او توسيع او ترميم غرف فندقية فقط سواء بالتمويل الذاتي او المحلي او الخارجي ، او بالمشاركة او الاستئجار من الغير بل ان الامر يحتاج الى تشابك رأسي وافقي يتكامل مع عدة قطاعات اخرى مثل :-

- تحسين وتطوير الاماكن والمرافق السياحية .

- ايجاد مكاتب السياحة الخاصة المحلية والخارجية للترويج ولتنظيم رحلات الزوار والسياح .

- توفير عمالة فندقية مؤهلة ومدربة ( استقبال ، وجبات غذائية ، نظافة ، صيانة ) .

- محلات وورش الصناعات المحلية للتحف والهدايا التذكارية للبيع للزوار والسائحين بالتوازي مع احتياجات السوق.

- الادلاء الكفوئين بالإلمام والخبرة السياحية .

- توفير وسائط النقل المناسبة ، شركات تأجير ونقل السيارات .

- الاستعانة بخبرات مهنية وتدريبية محلية او اقليمية أو دولية بهذا المجال لتوفير حسن الادارة والتنظيم .

وفي قطاع التشييد والبناء الذي يعاني المقدسيون منه اشد العناء ، لكثرة القيود التي يضعها الاحتلال للحد من البناء العقاري وتضييق الخناق على شبابها المرابطين للهجرة خارج المدينة ، وذلك وتعطيل رخص البناء ، وفرض الرسوم والغرامات العالية على البناء ، وهدم البيوت غير المرخصة ، وارتفاع اجور وتكاليف التراخيص والأعمال الهندسية والقانونية وأجور وتواجد العمالة لعدم منح الاحتلال لتصاريح عمل لعمال الضفة ، كذلك ارتفاع اسعار الاراضي مما يجعل اجور او شراء وحدة سكنية باهظة الثمن ، الامر الذي يؤدي الى قلة عدد المساكن ويفسح فقط لفئة ميسورة قليلة من التمكن من الشراء في حالة توفرها ، كما ان هذا الارتفاع الباهظ يحد ذلك من امكانية اقدام العديد من المحتاجين للمساكن للشراء بالرغم من الزيادة المطردة للسكان ، إذ ان عدم توفر وظائف عمل ذات دخل مناسب ، وعدم وجود مصارف تقدم تسهيلات طويلة الاجل للسكن ، وعدم وجود ضمانات كافية لضمان مخاطر للعقارات المزمع شراؤها ، وارتفاع ثمن الشراء يؤدي الى هروب العديدين ، لذا فليس حل المشكلة فقط في شراء وحدة سكنية فقط بل في توفير المال اللازم المطلوب وفي توفير ضمانات تسديد القروض الميسرة لحين الانتهاء من السداد ، ولعل تجربة مجلس الاسكان الفلسطيني خطوة وتجربة ناجحة لا بد من دعمها في هذا الصدد .

 

عن صحيفة القدس