• 6 آيار 2017
  • أقلام مقدسية

 

 

بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

أدلى جاك دي مايو، رئيس بعثة الصليب الأحمر الدولية في إسرائيل، في نهاية الشهر المنصرم لصحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية بحديث نادر بمناسبة إسرائيل. وقد بين فيه موقف الصليب الأحمر من قضايا كثيرة أبرزها أن إسرائيل ليست دولة تمييز عنصري مثل جنوب افريقيا، وأنها لا تطبق سياسة التصفيات الجسدية، وأن قواتها تلتزم بتعليمات إطلاق النار وبشكل ملتزم، وأن الحوادث هي فردية، وأن التنسيق والتفاهم بين الجيش الإسرائيلي وأفراد الصليب الأحمر متصل وعلى مستوى عال، ولم يؤيد او يرفض إضراب الحركة الأسيرة عن الطعام. ولم ينس ممثل الصليب الأحمر الدولي أن يقرر أن هناك احتلال في الضفة الغربية ولكن الوضع أفضل من السودان والصومال واليمن.

بعثة تزعم صباح مساء أنها تلتزم الحيادية والإنسانية في جوانب عملها، فلماذا يقوم رئيسها بإصدار تصريحات يحابي فيها الإحتلال الإسرائيلي بل كاد أن يمدحه؟ لماذا لا يصمت دي مايو ويمتنع عن التفوه بكلمات هو نفسه في المقابلة الصحفية يدعو للإمتناع عنها. وما دام قد تحدث بحديث الصالونات الفارهة والمادح أو المجامل لقوات الإحتلال العسكرية الإسرائيلية، وهو العالم بشكل مؤكد وقاطع لممارسات القوات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة ومنها القدس العربية.

إذا كانت السلطة الفلسطينية قد آثرت السكوت عن هذه التصريحات لأهداف سياسية، فقد كان من المتوقع أن تقوم المنظمات غير الحكومية الفلسطينية أولا وقبل الكل بالتصدّي لهذه التصريحات المجانبة للحقيقة من قبل منظمة تحظى باحترام العالم. وكان متوقعا من المنظمات الإسرائيلية أن ترفض هذه التصريحات جملة وتفصيلا، لكن ما العمل ما دامت منظماتنا قد آثرت الصمت؟!. ويبدو أن الإنشغال بإضراب الحركة الأسيرة قد أبعد الفلسطينيين عن هموم أخرى كالتصدي لتصريحات دي مايو!!!

ليصمت دي مايو، لأنه لو فحص موضوع المستوطنات فقط في القدس وباقي أنحاء الضفة الغربية، والتي هي جريمة حرب عملا بميثاق روما لعام 1998، وبروتوكول 1977، وخرق خطير لميثاق جنيف الرابع لعام 1949، والقانون الدولي العرفي كما وضعته اتفاقيات لاهاي لعام 1907، لوجد أن إسرائيل دولة استعمار ودولة أبارتهايد ودولة احتلال طويل الأجل كما بيّن أكثر من فقيه ودراسة في قانون الإحتلال الحربي.

لو قرأ دي مايو تقرير جولد ستون عن حرب غزة وتقرير "الإسكوا" الأخير لتبين أن هناك احتلالا يمارس التمييز العنصري بأجلى صوره على الرغم أن كاتبي التقريرين يهوديان حران يا سيد دي مايو. وإلا ليقل لي ويفسر لي دي مايو لماذا لم ينشر الأمين العام للأمم المتحدة تقرير "الإسكوا" الأخير الذي بني على فرضية الأبارتهايد. هل هو جاهل أم يتجاهل؟!

يبدو أن السيد جاك دي مايو يفهم التمييز العنصري من خلال قراءة النصوص القانونية المجردة، ولا يسمع باذنيه صرخات اليتامى والأطفال والأرامل ولا يبصر نظرات الحسرة مآقي من هدم منزله سواء لعدم الترخيص أو بدواعي الأمن. جاك دي مايو رئيس بعثة الصليب الأحمر الدولية لا يتفهم الحاجات الإنسانية للمواطن البسيط ويطلق تصريحات ممالئة للإحتلال الإسرائيلي وقواته العسكرية بل ينافقها، فهو حينما يزعم أن لا تمييز عنصري في القدس والأراضي المحتلة، يخدم سياسة التمييز العنصري ذاتها شاء أم لم يشأ. أما كان في مقدور السيد جاك دي مايو أن يتمنى على الإسرائيليين على سبيل التمني وليس الطلب الحازم، أن يتوقفوا عن سياسة هدم منازل الفلسطينيين. أما كان في مقدورك أيها السيد السويسري المؤدب الخلوق المطبق للحيادية المزعومة، أن تتمنى على الإسرائيليين حينما يصادرون دونما لفلسطيني ليقيموا عليه عشرة شقق أن يعطوا شقة لهذا الفلسطيني البسيط صاحب الحق، وبخاصة أن المصادرة للأرض الخاصة ممنوعة يا سيد دي مايو أم أنك لا تعلم.

ليصمت السيد جاك دي مايو فقد سكت دهرا لينطق كفرا. كيف لا وهو يزعم ان لا تصفيات جسدية تنفذها القوات الإسرائيلية في أرض الميدان ويصف هذه الإتهامات بأنها اتهامات سياسية. عجبت لتفوهات هذا الممثل لمنظمة تزعم الحيادية والسرية والهدوء والإنسانية في عملها والتي تستثير كل ضمير حي واع عالم بما يجري من تصفيات جسدية خارج أية إجراءات قضائية. وكأن السيد دي مايو لا يعلم بعشرات التصفيات الجسدية التي جرت في الضفة الغربية وقطاع غزة، أو أن السيد دي مايو يجيز هذه التصفيات الجسدية ولا يعتبرها خروجا عن القانون وسيادة القانون. لتقم أية منظمة غير حكومية بتسليمه قائمة بالتصفيات الجسدية حتى ينفي جهله ويعلم قليلا.

وذهب جاك دي مايو بعيدا في كيل المديح للقوات الإسرائيلية حينما اشار إلى أنها تتقيد بتعليمات إطلاق النار بل تبرع بالقول أن هذه التعليمات شدّدت وزادت صرامة وفريقه يبحثها باستمرار مع ممثلي قوات الأمن الإسرائيلية على اختلاف مراتبهم. ولعلي اذّكر أن حلقات بحث وأوراق عمل عقدت بين الصليب الأحمر الدولي وبين قيادات في الجيش الإسرائيلي للتعاطي مع قتال المدن والمدنيين وبخاصة في مؤتمر هرتسليا. ويحاول تبرير القتل اليومي للفلسطينيين على الحواجز بأنها حوادث استثنائية شاذة ولا تمثل نهجا. كيف لممثل هيئة كالصليب الأحمر الدولي أن ينصب نفسه حاميا ومحاميا لتصرفات الجيش الإسرائيلي بينما يعلم الكاتبان جدعون ليفي وعميرة هس وكل فلسطيني بخروقات القوات الإسرائيلية اليومية. ألم يسأل دي مايو نفسه عن عدد الفلسطينيين الذي كان بالإمكان القبض عليهم أحياء لو تقيد الجيش الإسرائيل بتعليمات إطلاق النار، أم أن هؤلاء الفلسطينيين ليسوا بذي بال ولا قيمة لحياتهم كالسودانيين واليمنيين والصوماليين وفق رؤيته التمييزية.

كلمات شريرة تفوه بها ممثل الصليب الأحمر في إسرائيل ويا ليته لم يتفوه بها، وليته صمت كعادته حتى أنه لم يذكر بكلمة خير واحدة حق إضراب الأسرى. ويبدو أن الصليب الأحمر نسي مهمته الأساسية التي قام من أجلها في عام 1863 والمتمثلة في الجانب الإنساني وبدأ التعاطي بالأحاديث السياسية ويجامل الإحتلال ويجّمل الوجه القبيح للإحتلال الإسرائيلي. فقد غدا الصليب الأحمر منظمة غربية تدعي الإنسانية لكنها تتصرف بنفاق الغرب وضمن قيمه ذات المعايير المزدوجة.

لكن القول الفصل أن ليس في مقدور الصليب الأحمر الدولي أن يخدم سيدين اثنين ولا يُجمع سيفان في غمد واحد!!!

عن القدس