- 1 حزيران 2017
- أقلام مقدسية
بقلم : راسم عبيدات
في الحادي والثلاثين من ايار عام ٢٠٠١ فقدت مدينة القدس علماً من اعلامها، وقائداً ورمزاً شكل عنواناً ومرجعيةً لأهلها، وقد جاء رحيله ليشكل خسارة لكل المقدسيين خاصة والشعب الفلسطيني عموما، وكان هذا واضحا من حجم المشاركة الشعبية الكبيرة في جنازته التي خرج فيها كل المقدسيين وجماهير غفيرة من باقي الاراضي المحتلة لوداعه، وهو ما يثبت حجم الفاجعة والخسارة التي حلت بالمقدسيين برحيله، وقيمة وشعبية وجماهيرية هذا الرجل ، حيث يجمع الجميع بأن الحسيني قائد وطني بإمتياز،كان محط ثقة وإجماع وإحترام المقدسيين، وكافة أبناء الشعب الفلسطيني.
والراحل القائد الحسيني كسب هذه الثقة ليس من خلال إرث وتراث ووطنية والده القائد الشهيد عبد القادر الحسيني فقط، بل استحقها عن جدارة في سياق صيرورة عملية، كفاحية، نضالية، مجتمعية وجماهيرية متواصلة، فهو على الصعيد الشخصي إمتلك "الكاريزما" القيادية، وابتعد الى حد كبير عن الفئوية، وكان حاضنة وعنواناً توافقت عليه كل مركبات ومكونات العمل الوطني والسياسي والمجتمعي الفلسطيني، حيث وجدت في مؤسسة بيت الشرق التي يقودها، عنوانا سياسيا تستطيع من خلاله مخاطبة سفراء الدول الأجنبية والزوار من الوفود الأجنبية، لكي تطلعها على ما تتعرض له مدينة القدس من إجراءات قمعية وإذلالية من قبل دولة الإحتلال، وما تقوم به من أعمال وتعديات وتجاوزات بحقهم خارجة عن القانون الدولي،وتشرح لها كل ما يتصل ويتعلق بالموقف الفلسطيني من مجمل قضايا المنطقة وفي مقدمتها الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.
والحسيني بطيبته وبساطته واخلاقياته التي تربى عليها في بيته وحركة القوميين العرب التي انتمى اليها وعدم تلوثه بالفساد الذي طبع ويطبع بعض العاملين في السلطة ومؤسساتها وقربه من الناس وهمومهم وتطلعاتهم، ومشاركتهم في أتراحهم واحزانهم، والوقوف على تفاصيل حياتهم، وكذلك المساهمة الجادة في إيجاد حلول لمشاكلهم وسط الصراع على الوجود في القدس مع الإحتلال، جعلت هذا الرجل يمتاز ويتميز عن غيره ممن عهد اليهم بقيادة ملف القدس، رغم العديد من العراقيل والعقبات التي وضعت له في الطريق، ومحاولة خلق البدائل والمنافسين، حيث كان هناك هاجس عند البعض بأن الحسيني، قد يشكل بديلاً لهم كقيادة وعنوان، ولكن كل هذا لم يجعل الحسيني يتراجع عن دوره أو يفقده مكانته وحضوره الطاغي بين أهل القدس...فالقدس سكنت عقله وقلبه كمقدسي أصيل.
كان جل إهتمامه بأن لا نخسر معركتنا في صراعنا مع المحتل على المدينة، هذا المحتل الذي يملك من الطاقات والإمكانيات والقدرات عشرات، بل مئات أضعاف ما نملك...ولذلك كان حريصاً على ان يوفر للمقدسيين أقصى ما يستطيع من مال وإمكانيات وحلول تمكنهم من الصمود والبقاء، حتى أنه في اكثر من محطة ومناسبة وقضية وضائقة لجأ لإقتراض الأموال من أجل المصالح العامة للمقدسيين، كان بيته ومكتبه محجاً لكل أبناء الشعب الفلسطيني حتى من خارج مدينة القدس، حيث توسم فيه أبناء شعبه الخير والعطاء، ولذلك كان دوماً عنوان توحيد وتجميع،لا عنوان فرقة وإنقسام، شعاره الدائم القدس فوق الجميع.
مع رحيل الحسيني اجمع الكل في القدس انهم اصبحوا أيتاماً،لا عنوان أو مرجعية لهم، رغم وجود اكثر من عشر مرجعيات وعناوين تنطق باسم القدس، ولكنها للأسف ليست محط ثقة وإجماع وإحترام المقدسيين، بل ينظر لها المقدسيون على انها يافطات ودكاكين، إستحداث البعض منها من أجل حل خلافات وإشكاليات ومواقع لهذا القائد أو ذاك، ليس لها علاقة أو حضور أو مساهمة في معالجة جادة وحقيقة لما يواجه المقدسيين من حرب شاملة تشن عليهم من قبل دولة الإحتلال وبلديتها ودائرة معارفها وأجهزتها المختلفة، من أجل طردهم وتهجيرهم عن مدينتهم، عبر مجازر ترتكب بحق البشر والحجر والشجر، مجازر الإقتلاع والطرد والتهجير القسري، وخنقهم حتى في أدق تفاصيل حياتهم اليومية، ودفعهم نحو الإحتراب وتدمير نسيجهم المجتمعي والوطني، وأسرلة وعي أبنائهم وتطويعه وصهره، عبر فرض منهاج التعليمي الإسرائيلي عليهم من المرحلة الإبتدائية.
إن من يتحمل المسؤولية المباشرة في تعدد العناوين والمرجعيات، وحالة "التوهان" والضياع التي يعاني منها المقدسيون، نتيجة التضارب والتنافس فما بينها، هو المستوى السياسي ممثلاً باللجنة التنفيذية وقيادة السلطة الفلسطينية، التي تمتلك القرار والصلاحية، في توحيدها ووقف حالة التشرذم والتعددية فيها، وتبديد وهدر المال العام على مثل هذه المرجعيات،التي لا يلحظ لها أي فعل وعمل جدي لخدمة أبناء المدينة، وبالذات القرى والبلدات والمخيمات الواقعة تحت مسؤولية وسيطرة بلدية الإحتلال.
ومن هنا أقول بأنه آن الأوان لكي يتم وضع النقاط على الحروف، بأن تتحرك المرجعيات السياسية لكي تستجمع كل الإمكانيات والطاقات، عبر مرجعية وعنوان واحد، تتفرع عنه عناوين ولجان ذات إختصاص، فالمقدسيون وصلوا حالة الكفر، بكل ما هو قائم، ويعتبرون بأنهم أصبحوا فئران تجارب ومصدر رزق ودخل و"شحدة" و"تسّول" للبعض ولكن دون أن يقدم لهم من دعم ومال وإمكانيات وحتى مواقف سياسية، بما يمكنهم ويعزز صمودهم وبقاءهم.
في الذكرى السادس عشرة لرحيل أمير القدس وفارسها، نقول آن الآوان لنا كمقدسيين أن نغادر لغة الندب والبكاء والتشكي، وان نستجمع كل طاقاتنا وإمكانياتنا ونوحد جهودنا وإمكانياتنا عبر مرجعية شعبية علنية يجري فرضها كي تكون العنوان التمثيلي لأهل القدس، فيما يتصل بهمومهم ومشاكلهم اليومية، فالقدس تهود وتؤسرل في تسارع غير مسبوق، ولن ينفعنا ولن يفيدنا، استمرار الجدل البيزنطي فالخطر داهم، جدي وحقيقي وحكومة الإحتلال عقدت جلستها الحكومية على بعد عدة امتار من الأقصى، ومشاريعها التهويدية لا تتوقف، وكذلك هي مشاريع أسرلة وصهر الوعي الطلابي، وقادة الإحتلال يقولون بأن القدس «موحدة غير مقسمة وعاصمة أبدية لاسرائيل»، والتهويد يتم بالأفعال لا بالاقوال، ونحن مستمرون في رفع الشعارات وبيانات الشجب والإستنكار و"الهوبرات" و"الزعبرات" الإعلامية، بأن القدس عاصمتنا الأبدية، والقدس خط احمر، دون ترجمة فعلية لذلك على الأرض.
فهل نصحو مما نحن فيه وننقذ قدسنا من الضياع؟ أم نستمر في جدلنا البيزنطي؟

