- 7 حزيران 2017
- أقلام مقدسية
بقلم : المحامي زياد أبو زياد
الإثنين 5 - 6 يعود إلينا من جديد بعد خمسين عاما. كنت يوم الإثنين أجلس في مكتبي بمديرية جوازات القدس في مجمع الدوائر الحكومية في شارع صلاح الدين بالقدس مقابل سينما الحمراء عندما جاء أحد الموظفين لاهثا يقول لي بأن الحرب اندلعت..خرجت إلى موظف الاستقبال الذي في بهو مدخل العمارة وكان تابعا لجهاز المخابرات الذي كانت مكاتبه في سراديب تحت العمارة فوجدته منكبا على جهاز ترانزستور قديم يستمع للبيانات التي كانت تذيعها محطات الإذاعة من القاهرة..
ووفقا ً لهذه البيانات ، كانت الطائرات الإسرائيلية تتساقط كالذباب والإنتصارات العربية تثير الدهشة ، في مبالغة لا تخفى على أكثر الناس سذاجة وإلى حد يثير الشكوك الكبيرة في جديتها وصدقها.
قصة أحداث ذلك اليوم وذكرياتها بالتفصيل ما زالت محفورة في الذاكرة بأدق تفاصيلها ولكنني لم أكتب هذا المقال لأسرد تلك التفاصيل المؤلمة رغم ما فيها من عبرة ، وإنما لأسأل نفسي والقراء أين كنا وأين أصبحنا وكيف.
اليوم وبعد خمسين عاما ً من الإحتلال والقمع ومحاولات طمس الهوية ودفن القضية يقف الشعب الفلسطيني بثبات منقطع النظير يقول.." أنا عصي على التذويب ، أنا هنا كنت وسأبقى " .
والذين يقفون اليوم يتصدون للإحتلال والإستيطان والتهويد يقدمون الشهداء والجرحى والمعتقلين لا ينتمون إلى جيل ما قبل 1967 وإنما هم شباب غض ولد وترعرع في ظل الإحتلال وبعضهم هو ابن لجيل هو الآخر ولد في ظل الإحتلال ولا يذكر البلاد قبل الإحتلال. فالإحتلال فشل في طمس هوية هذا الشعب أو جعله ينسى هويته وقضيته الوطنية وينشغل في البحث عن لقمة العيش ولذات الحياة ، بل بالعكس شحذ هذه الهوية وعمّق الإنتماء إليها.
فالقضية ليست تحسين ظروف معيشة ولا إلهاء الناس في ترف الحياة وإنما هي قضية شعب ووطن وكرامة وحقوق وطنية وسياسية وتطلع للعيش في ظل علم وطني وحكم وطني يكفل الحرية والكرامة للفرد والمجتمع والوطن. وهذا ما يجب أن يعرفه من قد يجدوا أنفسهم دون وعي منهم ينساقون على سكة ما يسمى بالسلام الإقتصادي وهم يظنون بأنهم يحسنون صنعا لهذا الشعب. هذه همسة في أذن من يجب أن يُدرك ويسمع قبل فوات الأوان.
قبل خمسين عاما ً لم تكن هناك قدس وضفة غربية . كان للأردن ضفتين شكلتا نموذجا ً راقيا ً للوحدة العربية . ولم نضطر لاستخدام تسمية : الضفة والقدس إلا بعد احتلال عام 1967 عندما طالب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بانسحاب إسرائيل من الضفة الغربية وكلن يقصد الضفة بما فيها القدس التي هي جزء لا يتجزأ من الضفة الغربية ، إلا أن وسائل الإعلام الإسرائيلية خرجت تُطبل وتزمر وتقول بأن عبد الناصر مستعد للتنازل عن القدس لأنه لم يُطالب إلا بالإنسحاب من الضفة . ومنذ ذلك الحين وجدنا أنفسنا مضطرين في كل مرة أن نقول : الضفة والقدس حرصا ً على أن لا يُساء فهمنا أو يُستغل كلامنا.
واليوم القدس في داخل الجدار ، القدس في زنزانة العزل الإنفرادي والضفة في غرفة السجن وكلاهما يعانيان من قيد السجان، وكلاهما لا يتركان السجان ليهنأ ولو لحظة في مهمته بل تجعلانه يعيش على حالة من الخوف والهلع مهما تمادى في ممارسة عنفه الأعمى ضد القدس في زنزانتها الإنفرادية أو ضد الضفة في سجنها الكبير. ويقينا أن هذا السجان لن يهنأ ولن يشعر بالأمن إلا عندما تخرج القدس من زنزانتها وتخرج هي والضفة من السجن ويتحقق الأمن والأمان للفلسطينيين في قدسهم ووطنهم .
وإذا كانت القدس في العزل الإنفرادي والضفة في السجن فإن جناح الوطن الجنوبي ، قطاع غزة موجود في المنفى سبي رهين بيد من ألهتهم إغراءات السلطة والحكم فتنكروا لوحدة الوطن وكرسوا الإنقسام الذي غرس خنجرا ً في خاصرة الوطن الأسير الجريح. ويقينا ً فإن ما يرشح من أخبار غزة يؤكد أن من بين أبطال الانقسام الذين أمعنوا في استهداف المناضلين الفتحاويين في أحداث عام 2007 المشينة أشخاص من أمثال أشرف محمد أبو ليله المتهم الرئيسي في اغتيال الشهيد مازن الفقهاء ، والذي اعترف بعمالته للإحتلال وقيامه بإطلاق النار على الشهيد وقتله بتعليمات من ضابط المخابرات الإسرائيلي الذي كان مسؤولا ًعنه. فقد كان العميل أشرف من أنشط كوادر حركة حماس وقت الإنقسام وأسرف في قتل وتعذيب والتمثيل بأجساد المناضلين الشرفاء من أبناء فتح وعرف في ذلك الحين بلقب " السفاح " لكثرة ما قتل . فهل قامت حركة حماس بعد كشفه واعترافاته بمراجعة ملفات أمثاله من مقاتلي وكوادر حماس الذين قاموا بالإتقسام وكرسوه بممارساتهم للتحقق مما كانوا يقومون به هو أيضا بتكليف من مشغلين إسرائيليين يريدون الإنقسام ليستمروا في عزل غزة وفصلها عن الضفة وتعطيل مسيرة الديمقراطية الفلسطينية وتكريس الإحتلال ؟!
بعد خمسين عاما ً من الإحتلال ، نقول لقيادة م.ت.ف. بأن منظمة التحرير قامت أو أقيمت قبل احتلال القدس والضفة وغزة بعامين للمطالبة بفلسطين وليس بدويلة مسخ على جزء ممزق من الضفة الغربية ، وأن عليهم أن يحرصوا بأن أية تسوية للصراع الفلسطيني من أجل الحرية والإستقلال لن تكون تسوية دائمة ومستقرة إلا إذا حققت العدل للشعب الفلسطيني وأعادت إليه حقوقه. وليعلم الجميع بأن أحدا ً لا يملك تفويضا ً قانونيا ً من الشعب الفلسطيني بالتنازل.
بعد خمسين عاما ً أقول نحن هنا باقون. وأردد مقولة الرئيس القائد الرمز ياسر عرفات: ياجبل ما يهزك ريح.
عن القدس

