- 18 تموز 2017
- أقلام مقدسية
بقلم: عزام توفيق أبو السعود
حريق الأقصى عام 1969، الذي شكل الإختبار الإسرائيلي الأول ، للقدرة العربية في الرد على الاستفزازات الإسرائيلية، والمكانة الدينية للمسجد الأقصى، كأولوية وكخط أحمر، بالفعل لا بالتصريحات والشعارات الفارغة من المضمون، وجميعنا يتذكر جولدا مئير، رئيسة الوزراء الاسرائيلية آنذاك، والتي لم تنم ليلتها خوفا من ردة الفعل العربية والاسلامية ، ولكنها نامت بعدها براحة، بعد أن تأكدت أن العرب قوالين وليسوا فعالين ! وأن الغضب العربي هو غضب ساعة وينتهي على " فاشوش"!
دخول شارون الى المسجد الأقصى عام 2000، كان الإختبار الاسرائيلي الثاني، ورغم أنه أدى الى إندلاع الإنتفاضة الثانية، إلا أن الاسرائيليين استطاعوا السيطرة على الموقف، وإظهار قوتهم وقدرتهم على ردع أي محاولة شعبية فلسطينية، باستعمال كل الوسائل، لإرسال رسالة واضحة للفلسطينيين أولا، وللعالم ثانيا، أن السلطة الفلسطينية ليست إلا وسيط لإدارة بعض الأراضي الفلسطينية، وأنها تقع تحت السيطرة الاسرائيلية الكاملة، وأكبر دليل على ذلك ما فعله الاسرائيليون، من حصار لمقر ياسر عرفات في رام الله، وتدمير كل المراكز الأمنية الفلسطينية، وانتهاء بتسميم الرئيس عرفات، وكان الرد العربي إعلاميا، والرد العالمي باردا لا أنياب له، والرد الاسلامي أكثر برودا ... والنتيجة هم كسبوا بقتل عرفات، ونحن خسرنا قائدا يمكنه ضبط الأمور الداخلية، والتعددية الداخلية باتت قوة أدت في النهاية الى الإنقسام، وباتت قدرة الاسرائيليين على التفاوض بوجود نصف مليون مستوطن داخل الضفة الغربية، أكثر قوة مما قبل الإنتفاضة الفلسطينية الثانية حيث كان عدد المستوطنين مائة ألف!
وهكذا بات الأمر على أرض الواقع أشد صعوبة وأبعد ما يكون عن إمكانية حل تفاوضي يعطي الفلسطينيين حقوقا أكثر.. واستغل الإسرائيليون الوضع لتغيير الأمر الواقع في القدس، زيادة في تهويدها، وزيادة في مصادرة ما يحيطها من أراض، وزيادة سكانها اليهود، ومحاولات لتخنيع المقدسيين للإندماج في النظام المعيشي الاسرائيلي، للحد من انتمائهم الروحي لفلسطينيتهم، مقابل مزايا التأمينات الصحية والإجتماعية! كما عودونا وعودوا العالم على ان دخول الإسرائيليين الى الحرم الشريف بات عاديا، لا يستأثر بعناوين الأخبار الرئيسية في الاعلام المحلي والعربي والاسلامي والعالمي، وخرجنا في النهاية على " فاشوش"!
والآن.. جاءت مرحلة الاختبار الثالث ، فقد واتت الاسرائيليين فرصة ذهبية لإمتلاك المسجد الأقصى لمدة 48 ساعة كاملة!! ماذا فعلوا خلالها في المسجد؟ بآباره، بمكتبته، بمتحفه، بمكاتب المسؤولين فيه؟ هل زرعوا لنا أشياء تكنولوجية أو سميّة، ليقتلوا المسجد الاقصى بموت بطيء؟
هل نصبوا أجهزة تراقب همساتنا ونظراتنا وتطلعاتنا وتضرعاتنا الى الله؟ نحن نعرف هدفهم الأسمى.. هدم الأقصى وقبة الصخرة واعادة بناء الهيكل مكانه!! هل حضروا لذلك خلال الثماني والأربعين ساعة؟ نتنياهو يعرف، ويستطيع أن يقول ماذا فعلوا، لكننا لا نعرف بالتأكيد ماذا فعلوا! لكنهم غطوا عملهم بالداخل بما عملوه في الخارج! ليحولوا أنظارنا من قضية ما تم داخل الحرم، الى قضية بوابات للكشف عن المعادن على الأبواب! نلتهي فيما بيننا، أنرفض الدخول الى المسجد عبرها؟
أم نتقبل الأمر الواقع كما تقبلنا أمرا واقعا سابقا بدخول المستوطنين الى الأقصى بصورة يومية، وباعتيادنا، واعتياد العالم على هذا الأمر، وكما فرضوا علينا أمرا واقعا سابقا بتخفيض صوت الآذان، وبمنع تحسين الانارة الخارجية للمسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة، وبإعاقة تنفيذ تجديد الرصاص على قبة المسجد الأقصى، حتى لا يكون المسجد هو اللافت للنظر للزائر، وهي محاولة لابراز مواقع دينية يهودية تفوق في إبهار أنوارها ذهب قبة الصخرة، وفنها المعماري المتميز الذي يعود لأربعة عشر قرنا من الزمان! وحتى مسيحيي البلاد لم يستطيعوا التوافق على إنارة قباب كنيسة القيامة، وأبراج الكنائس الأخرى داخل أسوار البلدة القديمة من القدس! كي يستمر نظر العالم للقدس أنها محج مسيحيي ومسلمي العالم!!
أجل هم يحولون أنظارنا الى موضوع الدخول عبر أجهزة الكشف عن المعادن، وهذا بالتأكيد سيؤدي الى منع عشرات الآلاف من الوصول الى الأقصى أيام الجمع، لأن هذه الأجهزة ستعيق الدخول! وبدأ يؤدي الآن الى حوار بيننا، في قبول استعمالها وبذلك نتمكن من الدخول الى الحرم والصلاة فيه، أو رفضه وبذلك نخسر الصلاة فيه، ويتمكنون هم من إدخال أعداد أكبر من اليهود الى ساحاته!
الرد العربي والإسلامي على إغلاق المسجد الأقصى ثمان وأربعين ساعة كان ضعيفا، ضعيفا جدا، مجرد بيانات واستنكارات، مجرد ضجة، ونحن نخسر الاختبار الثالث أيضا وستكون النتيجة : "عالفاشوش"!
الله أسأل أن يحمي الله المسجد الأقصى.. عاث فيه الصليبيون مائة عام ، حرموا المسلمين من الصلاة فيه، حولوه الى قصور لملوكهم .. غيروا بعضا من نقوشه الاسلامية.. ولكنهم خرجوا منه حين توفر لدى العرب والمسلمين قائد كردي الأصل، أعد لهم ما استطاع من قوة، وأخرجهم من القدس، ليس ببيانات الاستنكار والاحتجاج، وليس بالمؤتمرات الصحفية التي تندد وتهدد، لم يخرجهم منه بمفاوضات تصل بنا الى : "الفاشوش" !
لا حول ولا قوة إلا بالله!!!

