• 31 تموز 2017
  • أقلام مقدسية

 

 

بقلم : زياد أبو زياد

بادر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فور قيام الحارس في السفارة الإسرائيلية بعمان بإطلاق النار وقتل مواطنين أردنيين إلى الاتصال فورا بالحارس وطمأنته بأنه سيعود إلى بيته في إسرائيل وأن لا يقلق. وقد فرضت إسرائيل حظرا تاما على كافة وسائل الإتصال ومنعتها من نشر أية أنباء تتعلق بالحادث رغم أنه بات متداولا ً في وسائل الإعلام الأجنبية. وقام رئيس الوزراء الإسرائيلي بالإتصال بالملك عبد الله الثاني ملك الأردن بالتوازي مع اتصالات بين المسؤولين الاسرائيليين والأردنيين وعلى أعلى المستويات سعيا ً لإعادة الحارس لإسرائيل .

وقد تمت تلك الإعادة في أعقاب قيام رئيس المخابرات الإسرائيلية "الشاباك" بزيارة خاطفة إلى عمان.

وتبدو كل هذه التصرفات والاتصالات أمرا عاديا ً لتطويق الأزمة بين البلدين اللذين تربطهما معاهدة سلام هشة ، وفي ظروف التوتر الإقليمي بشكل عام وما يجري في المسجد الأقصى بشكل خاص والذي كانت أزمته تتسارع كالكرة الجليدية.

أما ما لم يكن طبيعيا ً أو مألوفا في العلاقات الدولية السليمة فهي التصرفات والأقوال التي صدرت عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أعقاب سماح السلطات الأردنية للحارس الإسرائيلي بمغادرة الأردن برفقة طاقم السفارة .

فقد أذاعت وسائل الإعلام الإسرائيلية تسجيلا ً صوتيا للمكالمة الهاتفية التي أجراها نتنياهو مع الحارس الإسرائيلي فور اجتيازه نهر الأردن فكان أول ما وجهه إليه من أسئلة هو إذا ما كان فقد تحدث مع صديقته ورتب موعدا ً للقائها..! وكان هذا هو كل ما يشغل بال رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي بادر بعد ذلك إلى استقبال الحارس استقبال البطل الوطني العائد من ساحة المعركة ، وسمعنا نتنياهو مرة أخرى وبالتسجيل الصوتي الذي أذاعته التلفزة الإسرائيلية بالصوت والصورة يشيد بالحارس لأنه قام بما قام به " بروح باردة ومهنية ".

فما الذي قام به الحارس! ؟..لقد قام بإطلاق النار على ثلاثة مدنيين فقتل اثنين منهما وأصاب الثالث بجراح. فقط لأن مشادة كلامية وقعت بينه وبين أحدهما على خلفية وهم وسوء تصرف من جانبه ، وكان بإمكانه كجندي مدرب تدريبا عاليا تجنب قتل الآخر.

وأيضا ً في هذه المرة ، وبعيدا ً عن أرض فلسطين ، نجد أن الإسرائيلي هو الحاكم بأمر الله ، وهو الراوي الذي لا يستطيع أحد أن يُكذّب روايته ، فقد زعم الحارس بأن أحد القتيلين حاول طعنه بمفك براغي! وأنه بادره بإطلاق النار عليه دفاعا ً عن النفس.

وحتى لو سلمنا بهذا الادعاء ، أليست هناك قواعد وضوابط قانونية للدفاع عن النفس ، أليس من البديهي أن رد الفعل للدفاع عن النفس يجب أن يكون بنفس وسيلة التهديد التي يتعرض لها الشخص!

نحن أمام حارس مدرب ينتمي إلى وحدة أمنية مدربة تدريبا رفيعا متميزا وتعتبر من الوحدات العسكرية المختارة في إسرائيل فهل يُعقل أن إطلاق النار كان هو الوسيلة الوحيدة التي كان بإمكانه اللجوء إليها للدفاع عن نفسه !!

ما حدث في عمان يُقدم للعالم صورة ونموذجا لعمليات القتل بدم بارد التي تعرّض ويتعرض لها المئات من الفلسطينيين في الشوارع أو على الحواجز الإسرائيلية والتي يكون التبرير الرسمي لها دائما ، هو أن الضحية حاول طعن الإسرائيلي. ويكون القاتل دائما ً صادقا ً والضحية "إرهابيا ً". وكثيرا ً ما يُعطى وسام بطولة للقاتل!

الطريقة التي تم التعامل بها مع حادثة قتل الشهيدين الأردنيين تعكس بشكل واضح حقيقة أن الإسرائيليين لا يقيمون وزنا لدم أو حياة غير اليهودي ، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي قد تخلى عن أية لباقة دبلوماسية أو احترام للمسؤولين الأردنيين الذين حاولوا ضبط النفس ومنع تطور الأزمة بين البلدين إلى حد الخروج من تحت السيطرة فبادروا إلى إطلاق سراح الحارس القاتل متوقعين من إسرائيل أن تتصرف وفقا ً للقانون في أي بلد يحترم القانون وحق الناس في الحياة.

فالحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان هي أن الحارس الإسرائيلي قتل شخصين بريئين دون أي مبرر ، وحتى إذا كان هناك جدل حول الأول فإن أحدا لا يستطيع أن يجادل حول مقتل الثاني وهو الطبيب الحمارنة. فالحارس الإسرائيلي في أحسن الأحوال هو متهم بالقتل ، وكان على إسرائيل أن تحتجزه للتحقيق فور وصوله للمعبر وأن تسلمه لسلطة القانون في بلدها ليأخذ القانون مجراه لا أن تستقبله استقبال الأبطال وتمازحه وتربت على ظهره وتشيد بمهنيته في القتل بدم بارد.

لقد أدى سلوك نتنياهو إلى أزمة بين البلدين جعلت إسرائيل تعلن ليلة أمس الأول بأنها قررت " فحص" ما حدث ! ويقينا أن هذا الفحص لا يكفي. فالمطلوب هو تحقيق جدي حقيقي مع الحارس القاتل بمشاركة وحضور محققين من الأمن الأردني للتأكد من سلامة الإجراءات وجديتها وعلى إسرائيل أن تبادر فورا ً إلى خطوات إيجابية باتجاه ترميم علاقتها المتدهورة مع الأردن وإعادة بعض الثقة إليها.

ومن بين هذه الإجراءات التي يجب على إسرائيل أن تبادر إلى تنفيذها هي إطلاق سراح الأسرى الأردنيين المعتقلين في السجون الإسرائيلية وقد مضى على بعضهم عشرات السنين إضافة إلى أن بعضهم يُعاني من المرض. فمثل هذه الخطوة يمكن أن تسهم في تخفيف حدة الضغط الشعبي في الأردن ضد حكومته التي وجدت نفسها في وضع مؤسف نتيجة سوء تصرف الجانب الإسرائيلي وخاصة بعد السماح للحارس القاتل بمغادرة الأردن.

عن القدس