• 21 آب 2017
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : المحامي زياد أبو زياد

  

كانت تجربة التصدي للإجراءات الإسرائيلية في المسجد الأقصى وإفشال وضع بوابات إلكترونية على مدخله نموذجا رائعا للمقاومة الشعبية السلمية اللاعنفية التي أثبتت جدواها وفعاليتها في تحقيق الهدف الذي سعت إليه.

ويقينا ً أننا لو لجأنا للعنف الدموي لكنا أعطينا الإحتلال الفرصة والذريعة للرد بعنف دموي مقابل كوننا غير قادرين على الصمود أمامه. فالإحتلال رغم عشرات الآلاف من عناصر الشرطة ورجال الأمن علنا وسرا ً لم يستطع مواجهة الإرادة الجماهيرية العارمة التي تصدت له ووقفت أمامه متسلحة فقط بإرادتها وعزمها وإيمانها بحقها الذي لا يقبل المساومة أو التنازل حقها بأن الأقصى هو جزء من العقيدة الإسلامية وأنه مسجد إسلامي بامتياز وأنها لن تتخاذل أو تساوم أو تتهاون في الدفاع عنه والوقوف دون أي مساس به.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يحاول فيها شعبنا اللجوء لخيار المقاومة الشعبية السلمية اللاعنفية فقد حاول ذلك مرارا ً في الماضي منذ أواخر السبعينيات حتى اليوم.

فالكل يذكر كيف حاولنا مواجهة الاحتلال والاستيطان بزراعة أشجار الزيتون وإقامة الصلوات في الأراضي المصادرة ونصب خيام الإعتصام ولكن قوات الاحتلال التي يحرجها ويضع الصعوبة الكأداء أمامها لجوءنا للاعنف كانت تحاول دائما إرغام شعبنا على التخلي عن سلمية المواجهة ودفعه نحو العنف ليسهل عليها أسلوب التعامل معه بالعنف والقتل والاعتقال.

وكنا وللأسف نتعامل مع استفزازاتها بعاطفية وانفعال فتنجح في جرنا إلى مربع العنف الذي كانت تسعى لاستدراجنا إليه.

فالمقاومة السلمية اللاعنفية هي أصعب ألف مرة من المقاومة العنفية ، فهي ثقافة وتربية ومنهج عمل تتطلب أول ما تتطلب قدرا ً عاليا ً جدا ً من الانضباط وضبط النفس وعدم الانجرار إلى رد الفعل لمواجهة العنف بالعنف بل جر الطرف المقابل إلى مربع يشعر فيه بأنه يتجرد من إنسانيته، كل ذلك من أجل إيقاظ الإنسان الذي بداخله وجلب اهتمام ودعم الإنسان في كل مكان لكي ينحاز إلى جانب من يواجهون العنف باللاعنف وينصرهم أمام من يحاولون عبثا ً تجريدهم من إنسانيتهم.

لقد كسبنا معركة الأقصى وبوابات الأقصى لأننا تحلينا بضبط النفس وتمسكنا بعقيدتنا وصلاتنا التي تشكل قمة الإنضباط والصمود أمام الضغوطات والركوع فقط أمام الله.

هذه الحالة الرائعة التي عشناها أكسبتنا احترام كل من يؤمن بالإنسان وكرامته . وأثبتت أننا في معركة الكرامة الإنسانية والحق لم نكن ندافع فقط عن الأقصى وإنما كنا ندافع عن الإنسان فلسطينيا كان أو غير فلسطيني ، مسلما ً كان أو غير مسلم.

ومن أجل ذلك كان بعض إخواننا المسيحيين معنا عند بوابات الأقصى يصلون صلاتهم مع صلواتنا وكان هناك مسيحيون فلسطينيون كثيرون ينظرون إلينا بإعجاب يرافقوننا بقلوبهم ومشاعرهم ويتمنون لو أنهم معنا.

هذه التجربة الرائعة أقضت مضاجع الاحتلال ليس فقط لأنها أفشلت مخططاته العنجهية لتغيير الأمر الواقع في المسجد الأقصى والمضي قدما ً في تغيير معالمه وواقعه ، وإنما أيضا ً لأن الإحتلال يُدرك بأن نجاح هذه التجربة سيقودنا إلى تكرارها في مواقع أخرى ومواجهات أخرى في القدس وفي غير القدس.

ومن أجل ذلك نجد أن الاحتلال لم يسلم بهزيمته بالأقصى ولم يستوعب الدروس المترتبة عليها وإنما لا يزال يمارس عنجهيته وصلفه ، فقد قام فور انتهاء أزمة الأقصى بحملة اعتقالات شاملة طالت حوالي مئة من المصلين الذين كانوا يتواجدون بشكل شبه يومي أمام بوابات الأقصى بحجة أنه كان لهم دور تحريضي فيما حدث ، وقام ويقوم بإصدار أوامر إبعاد عن الأقصى لمدد متفاوتة بحق العديد من الشبان بما في ذلك بعض العاملين في الأقصى ، كما أنه بدأ بحملة لمنع أهلنا من عرب الداخل من الوصول إلى المسجد الأقصى ووضع العراقيل أمامهم ، كما أن الاعتقال الأخير للشيخ رائد صلاح لم يكن إلا على خلفية جهوده في إعمار المسجد الأقصى والحث على شد الرحال إليه ، كما بدأ الاحتلال أيضا ً بحملة ترهيب ضد سكان مدينة القدس ، في مقدمتها عمليات هدم لعشرات المنازل في منطقة البستان بسلوان وبيت حنينا وشعفاط والعيساوية والطور والمكبر وغيرها ، إضافة الى حملة محمومة لتحرير مئات بل آلاف مخالفات السير والمواقف ضد مئات السيارات العربية في القدس العربية والقيام بحملة مكثفة لجباية الضرائب بأشكالها المختلفة.

هذه الحملة الإنتقامية ضد سكان القدس عموما ً ، سواء منهم من شارك في المواجهات عند بوابات الأقصى أو لم يشارك تثبت بأن الاحتلال لا يفرق بين أحد من سكان المدينة وأنهم كلهم في معاييره عرب يجب التضييق عليهم والاقتصاص منهم.

وفي المفهوم المقابل فإن على أبناء شعبنا في القدس أن يُدركوا نفس تلك الحقيقة وهي أنهم جميعا ً مستهدفون وبنفس القدر وأن مقولة " ألا إني أكلت يوم أكل الثور الأبيض " منطبقة عليهم لا محالة.

هذه الحقيقة تستدعي إعادة النظر في أسلوب التصدي لعمليات هدم المنازل بشكل يستفيد تماما ً من تجربتنا الجماهيرية اللاعنفية عند بوابات الأقصى.

أنا لا أدعو للعنف بل أدعو لنبذ العنف بشكل مطلق والعمل بشكل جماعي سلمي للحيلولة بين وصول طواقم هدم المنازل إلى المنازل التي يريدون هدمها وحماية ذلك الحق الإنساني الأساسي وهو حق الإنسان في السكن والعيش تحت سقف يقيه قيظ الصيف وبرد الشتاء. فالتضامن مع أصحاب البيوت المهددة بالهدم ونصرتهم بالسلم واللاعنف إذا تحول إلى عمل جماهيري شعبي سيحقق ما حققته معركة بوابات القدس ويضاف إلى الرصيد الإنساني في إنجازات السلام واللاعنف في معركة الكرامة الإنسانية.

 عن القدس