• 14 كانون أول 2012
  • أقلام مقدسية

يعيش العالم حالة من الفوضى المدمرة على مختلف الأصعدة  ، أخلاقيا ، سياسيا ، عسكريا واقتصاديا ، وغير ذلك من حالات الفوضى .  

ولعل ما يجري في مختلف أنحاء العالم ،  يدلل على عظم المأساة التي تعيشها معظم الدول ، خاصة ما يجري في المنطقة العربية من فوضى قاتلة  تحت مسمى " الربيع العربي " ، أوما يجري في بعض الدول الأوروبية من أزمات اقتصادية خانقة .

بالتأكيد  ...  الحديث هنا لا يدور  عن " الفوضى الخلاقة " التي ابتدعتها الولايات المتحدة الأمريكية ، وأطلقتها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا  رايس ، مبشرة العالم بعصر جديد من "الفوضى " التي ستنعكس إستقرارا وأمانا على الشعوب ، والتي ستوفر للبشرية كل ما تحتاجه ، خاصة الحياة الآمنة المطمئنة كل في بلده ووطنه . هذه الفوضى التي يعيش في ظلال " خيراتها " العديد من الشعوب في العالم خاصة في العراق وأفغانستان ودارفور والصومال وغيرها ، والتي قدمت ولا تزال المزيد من نزيف الدماء والضحايا ، والدمار العمراني والاقتصادي قربانا لهذه الفوضى " الخلاقة " علما بأنه من المستحيل أن تكون الفوضى خلاقة ولا بأي معيار من المعايير ؟!.

نحن نتحدث عن الفوضى التي انطلقت من عقالها بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 م ، وبعد أن أعلنت الولايات المتحدة ما أسمته " الحرب على الإرهاب " ، مما أدى إلى أن أصبحت الفوضى تعم العالم دونما توقف ، ودونما قدرة على ضبطها ،  سواء من جانب دول وحكومات تعمل لتنفيذ سياساتها وتحقيق مصالحها ، أو من جانب جماعات من المرتزقة ، يتم تسليحها وتدريبها وتوفير كل المعلومات التي تحتاجها ، وهم يعملون" مقاولين من الباطن " لصالح بعض الدول والحكومات ، وهذا ما يمكن أن يشاهد في العديد من مناطق العالم ، خاصة عندما يراد زعزعة أمن أو استقرار هذه الدولة أو تلك ،  لعدم امتثالها لما يراد فرضه عليها من سياسات .

هذه الفوضى التي يعود سببها إلى اختفاء العديد من المعايير التي كانت تحكم العالم ، عندما كانت القيادات السياسية على مستوى عال ومتقدم من التعاطي مع العمل السياسي ، وعندما كانت الأخلاق تلعب دورا أساسيا في التعامل سواء على المستوى الداخلي مع المعارضة ، انطلاقا من قاعدة الحرص على بناء الوطن وحمايته والدفاع عنه ، وتوفير كل ما يحتاجه المواطن ليعيش حياة هانئة وآمنة ، أو بين الدول ، حتى ولو كانت هناك خلافات أو عداوات فيما بينها .

وأيضا عندما كانت القيادات العسكرية تضع في المقام الأول ، وحتى في أثناء الحروب مع الأعداء ، احترامها   وحفاظها على الشرف العسكري ، انطلاقا من أن الحرب لها قوانينها الإنسانية التي يجب الحفاظ عليها خاصة ما يتعلق بحماية المدنيين في أثناء الحرب ، ولم تكن تحكمها قوانين عصابات المافيا

بالتأكيد فإن حالة الفوضى الحالية التي تعم العالم  ، سببها أن عصر عمالقة السياسة والعسكرية المحترفين و المحترمين قد  انتهى  ، وأن عصر الفرسان لم يعد له وجود في زماننا الحالي ، وأن من يحكم العالم الآن مجموعة من المتطفلين و الوصوليين والهواة المتهورين ،  الذين لا يتقنون فن السياسة ولا العسكرية ، بل حتى أنهم لا يتقنون شيئا سوى ما تعلموه من "  ميكيافيللي " الذي نصح المسئولين بأن "  يختاروا المساعدين السيئين الذين يكرههم الناس ، وبالتالي لا يشكلون أي خطر عليهم "  ، ولذلك نرى أن معظم المسئولين يتخذون القرارات الفاشلة وغير الصائبة ، سواء السياسية أو العسكرية ، والتي يكون لها آثار مدمرة على كافة الأصعدة  المحلية والإقليمية ، وقد يكون لها تداعياتها الدولية ، لأن المساعدين الفاشلين والفاقدين للثقة بأنفسهم  ، والحريصين على الاحتفاظ بمواقعهم ، لا يمكنهم أن يجاهروا برأيهم خشية غضب المسئول ، بل إنهم ينافقون له ليحصلوا على رضاه ، مما يجعل من المسئول ديكتاتورا ، والويل لمن يخالفه الرأي أو ينتقده ؟.

أما بالنسبة للقادة العسكريين ، فإنهم لم يعودوا يتقنون علم السياسة إلى جانب العلم العسكري ، فقرار الحرب تترتب عليه تبعات سياسية  واقتصادية واجتماعية  وغيرها ،  لا بد من البحث فيها قبل الإقدام على أي عمل عسكري ، ولذلك فإن القائد العسكري يكون له دوره في المستوى السياسي  ، عند اتخاذ قرار الحرب أو السلم ، وأن لرأيهم وزن كبير عند اتخاذ القرار .

ونرى أن بعض القادة العسكريين الذين انتقلوا إلى عالم السياسة ، لم يحققوا النجاحات التي كانت متوقعة لهم ، بل أكثر من ذلك أصبحوا فاشلين في كلا الجانبين ، بل إنهم يتسمون بالضعف وعدم القدرة على اتخاذ  القرارات  الصائبة  ، خاصة إذا كانت تتعارض مع مصالحهم ومصالح  قوى سياسية  كبرى ، فهم من ناحية تركوا عالمهم الذي تربوا وعاشوا فيه ، هذا العالم الذي يتطور باستمرار ،  ولم يعد لديهم الوقت الكافي  لمتابعة كل ما يتم فيه من صناعات تقنية متقدمة  ومتطورة . وأيضا يفشلون في عالم السياسة لأنهم يلعبون في غير ملعبهم ، أو لأنهم مُسيَرون من  جهات تحركها بوصلة مصالحها دون الاهتمام بمصالح الآخرين؟!.

يبدو أن العالم سيظل يعيش حالة " الفوضى المدمرة " فترة ليست بالقصيرة ، وستظل البشرية تعاني من قادة فاشلين لكنهم متنفذين ويملكون وسائل القوة وفقط يتعاملون من خلالها ، غير أنهم لا يعرفون كيف يديرون دفة السفينة ليصلوا بها إلى شاطىء الأمان ، إلى أن يأتي قادة عظام يؤمنون بالحرية والعدالة وحقوق الإنسان ، و يحكمون وفقا  لقناعاتهم الشخصية التي يؤمنون بها ، وليس وفقا لبرامج ومصالح آخرين ، أو مصالح  أحزابهم للوصول إلى سدة الحكم ...  قادة يضعون في مقدمة اعتباراتهم حماية الإنسانية ورفع الظلم عنها ، خاصة تلك الشعوب التي تعاني من الاحتلال والحصار والقهر والتشريد ، وتلك التي تعاني من الفقر والمرض والأوبئة والجهل .... قادة يعملون على تحقيق الأمن والسلم الدوليين ، والاحتكام إلى الشرعية الدولية و الاتفاقات الموقعة ، على المستوى الدولي  . واحترام استقلالية القضاء ،  وتطبيق القانون على المستوى المحلي   .... قادة يعملون على حماية مصالح بلادهم وشعوبهم ، دون أن يكون ذلك على حساب ومصالح شعوب أخرى .