• 8 نيسان 2018
  • أقلام مقدسية

 

 

بقلم : الدكتور أمجد شهاب 

  

تعتبر السلطة التشريعية المكون الأهم والرئيسي لمعظم الدول في العالم، وخاصة الأوروبية،  إلى جانب السلطتين التنفيذية والقضائية، ويمكن من خلالها التعبير عن رأي أفراد الشعب فهي،  من خلال ما يندمج تحت قبتها من تنوع من انتماءات حزبية وسياسية مختلفة، تؤدي دورها كصوت للمواطن الذي قام بانتخاب أعضائها الّذين سيدافعون عن حقوقه وحمايته من أي فساد.

ومهمة السلطة التشريعية الرئيسية سن القوانين والرقابة على المؤسسات ومساءلة وحجب الثقة عن أي حكومة أو وزير لا ترى فيه أي كفاءة، وهي من تقوم بإقرار الموازنات العامة التي ترى فيها عدالة وإنصاف في التوزيع حسب مصروفات ومخرجات كل مؤسسة حكومية ومتطلباتها.

يعيش المجلس التشريعي الفلسطيني ونوابه، حتى لحظة كتابة هذه المقالة، أزمة في انعقاده منذ 2007م، وتعطيل كامل لدوره التشريعي والرقابي والمساءلة وحماية حقوق المواطن ومحاربة الفساد, تحت حجج مختلفة: أولا،  حملة الاعتقالات الإسرائيلية التي طالت عدد كبير من نوابه، مما تسبب في مشكلة النصاب القانوني. وثانيًا، بسبب الانقسام وتبادل الاتهامات بين الفصيلين المكونيين الرئيسيين له وهما حركة فتح وحماس.   

ورغم تعطيل المجلس التشريعي منذ 11/7/2007، وانتهاء فترته وولايته القانونية  منذ 25/1/2010، إلا ان نفقاته تفوق مصروفات مجلس الوزراء الفلسطيني بنحو (12) مليون شيكل، حسب مصادر رسمية، ووفق بيانات الميزانية الفلسطينية للعام الماضي 2017م، وحسب الأرقام الرسمية. إذ يبلغ متوسط الإنفاق السنوي بين عام 2010 -تاريخ انتهاء الفترة القانونية لنوابه- وحتى تاريخ 2017 حوالى (45) مليون شيكل سنويا؛  مما اثأر العديد من التساؤلات حول استمرار الوضع القائم في ظل شح وعجزالميزانية العامة ونقص المساعدات الخارجية.

ولو افترضنا ان من حق النائب الحصول على راتبه الشهري، والمقدر بحوالي (11,500) شيكل شهريا، فلم نجد تفسيرا لقبول النواب أموال الامتيازات الممنوحة، وخاصة النثريات التي ليست من حقهم ما دام المجلس التشريعي لا يمارس عمله والتي تقدر بنحو (8,000) شيكل -بدل سكرتيرة وأجرة مكتب وسائق- التي يأخذها كل نواب الضفة الغربية والقدس, بالإضافة إلى ان البعض يتقاضى  بدل سفر ووجبات  وبدلات وبنزين -حوالي 1,500 لترًا في السنة- .... الخ . 

وتنص المادة الثالثة من قانون المجلس التشريعي على القسم الذي يؤديه النواب أمام المجلس قبل شروعهم بالأعمال: "أُقسم بالله العظيم أن أكون مخلصاً للوطن، وأن أحافظ على حقوق ومصالح الشعب والأمة، وأن أحترم القانون الأساسي، وأن أقوم بواجباتي حق القيام، والله على ما أقول شهيد". فمنصب النائب حسب ما هو متعارف عليه تكليف وليس تشريف ولكن عددًا كبيرًا من النواب ينتهكون قوانين المجلس بعدم جواز العمل مهنة أخرى، غير تولي منصب وزاري، حسب القانون الداخلي،  لا يحق لنائب ان يتقاضى أجرًا من عمل آخر غير عمله في المجلس التشريعي، والهدف منه هو التفرغ كليا لخدمة ناخبيه والمنطقة التي يمثلها. ولكن ازدواجية العمل وعدد من النواب  وظائف أخرى  كالطب والمحاماة والتعليم في الجامعات،  أو العمل في المؤسسات الأجنبية أو غير الحكومية، ويتقاضون رواتب غير الاموال التي يجنوها منذ أكثر من 12 عامًا من المجلس التشريعي. 

وعلى رغم من الشكاوي التي وصلت المجلس إلا أنه لم يقم بأية إجراءات من شأنها أن تمنع النواب من 

الاستمرار بمخالفاتهم، فممارسة نواب التشريعي أعمالاً ومهناً، أثناء فترة عضويتهم، يفتح الباب على مسألة أخرى ذات علاقة بدخل النواب وما يتقاضونه من الحكومة مقابل عضويتهم.

والإشكالية هنا لدى الناخب: ما هو سبب حالة الرضى والصمت الغريب لدى معظم النواب؟ وما هو سبب عدم  تقديم استقالة أي منهم "   132 عضو" ، وخاصة الأحزاب الأخرى، ولمصلحة من استمرار الوضع الحالي, والذي يتساءل: هل هناك اتفاقا ضمنيا، فيما بينهم، باستمرار الوضع، رغم ان الكثيرين يطالبون بالانتخابات علانية، الا ان أحدًا لا يقدم على خطوات عملية على الإسراع بالإجراءات للتحضير للانتخابات؟!

فاستمرار تعطيل المجلس التشريعي -المؤسسة الرقابية الأساسية في السلطة الوطنية- يضعف  الرقابة ونظام النزاهة بشكل عام، ومكافحة الفساد بشكل خاص ويؤثر بشكل سلبي على مصداقية المؤسسة ونوابها.

ختامًا،

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"، وهنا ربط رسولنا الكريم الرعاية بالمسؤولية التي سوف يحاسب عليها الراعي يوم القيامة ان كانت لوجه الله خالصة، أو كانت لمنصب او لمال او كانت لمصلحة  او لحزب سياسي ....الخ. وفي هذه الظروف العصيبة التي تمر بها القضية الفلسطينية،    فإن الأمانة تقتضي حل أزمة المجلس التشريعي الحالي، وحل الانقسام والتوجه إلى صناديق الاقتراع؛ لكي يقول الشعب كلمته! 

* رئيس كلية الشهاب المقدسي