- 15 كانون الثاني 2013
- أقلام مقدسية
بقلم : احمد عطون – نائب مقدسي مبعد
تعيش القدس في الوقت الراهن اخطر مرحلة منذ بنائها، فالسياسة الاسرائيلية تعمل جاهدة لإلغاء طابع هذه المدينة وجعلها مدينة يهودية الوجه والقلب واللسان متجاوزة قدسيتها لدى المسلمين والمسيحيين على السواء وطمس معالمها العربية والاسلامية .
ان القدس في خطر أرضا و سكانا حاضرا ومستقبلا,وإسرائيل تسعى لتهويدها حجرا حجرا ، ولتهجير سكانها منها وحصارها اقتصاديا واجتماعيا بعزلهم عن بعدهم وعمقهم الفلسطيني والعربي وممارسة كافة اشكال التضييق والاستفزاز، في هدم للبيوت ومصادرة للممتلكات وسحب للهويات وإقفال المؤسسات الوطنية وشق الطرق وسط التجمعات الفلسطينية وبناء للجدار وعرقلة تحركاتهم والتضييق على عبادتهم والاعتداء على المقدسات ..... الخ .
وكل المعطيات والوقائع تؤكد ان حالة القدس مستعصية على العلاج بالوقت الراهن على الاقل لسبب جوهري يتمثل في عدم وجود خطة مشتركة لعلاجها او لانقاذها إضافة إلى عدم توافر انواع الادوية ومضادات التهويد والاستيطان في الصيدلية العربية و الاسلامية .
وبرغم تعاقب وتبدل الحكومات الإسرائيلية يمينها ويسارها «ليكودها» و«عملها» الا انها متفقة جميعها على تهويد القدس واعتبارها العاصمة الابدية لاسرائيل غير عابئة أبدا بأي قرارات تعارض هذا الاتجاه سواء كانت عربية ام اسلامية ام دولية.
ولعلنا ما زلنا نذكر مقولة وزير الدفاع الاسرائيلي ( موشي ديان ) غداة احتلال القدس الشرقية حينما قال وهو يصلي جوار حائط البراق «لا فراق بعد اليوم ولا عزلة ولا ابتعاد سنبقى معا الشعب والارض والحائط».
وان من يرى حمى الاستيطان في فلسطين ويلمس تصاعد وتيرة التهويد في القدس، سيصاب بحالة اكتئاب واكتواء مقارنة بما وصل اليه المحتل من تخطيط وتنفيذ ووضوح رؤيا في الوقت الذي تعاني فيه امتنا من ارتجالية واتكالية وتشرذم
حتى أدخلت القدس في نفق شديد العتمة عربيا واسلاميا وشديد الاضاءه والإبهار اسرائيليا.
فالقدس حتى الان لم تشهد عملا عربيا وإسلاميا نافذا يحافظ على هويتها ويحميها وكل ما اكتسبته من أمتها بيانات شجب واستنكار،فكل مؤتمراتنا صغيرها وكبيرها تندد دائما بالاجراءات والممارسات الاسرائيلية غير الشرعية التي تقوم بها السلطات الاسرائيلية في مدينة القدس،والهادفة لتهويد قبلة المسلمين الأولى،وطمس معالمها العربية والإسلامية .... انه مجرد كلام لا قيمة له على واقع القدس..
ولكن .. وبالمقابل فان من حسن حظ القدس ان الله تبارك وتعالى قد باركها وما حولها من فوق سبع سموات واسرى بآخر واشرف أنبيائه محمد (صلى الله عليه وسلم ) الى المسجد الاقصى المبارك وصلى فيه اماماً بالانبياء والرسل جميعا وعرج به الى سدرة المنتهى منها،وإنها ارض المحشر والمنشر وان الله ربط بين مسجدها الاقصى والمسجد الحرام برباط رباني أزلي لن تنفصم عراه .
فالقدس ليست مدينة كالمدن ولا عاصمة كالعواصم أنها مركز الإشعاع الذي لا يذوي ولا ينطفئ، يتفجر بمعان تاريخية ودينية وحضارية وان التفريط فيها يعني تفريطنا في جزء من تاريخنا وجزء من ديننا وجزء من حضارتنا، كما إن التفريط فيها جريمة في حق الماضي والحاضر والمستقبل .
ومن حسن حظ القدس ان التاريخ البشري دائم الحركة والتغيير والاحتلال الاسرائيلي لمدينة القدس ليس حالة فريدة، فقد واجهت هذه المدينة عبر تاريخها الطويل الموغل في القدم كثيرا من الغزوات والنكبات أدت إلى هدمها وإعادة بنائها ثماني عشرة مرة، وكانت في كل مرة تخرج مرفوعة الرأس موفورة الكرامة والصلابة بصورة تدعو الى الفخر والاعتزاز ،ولعل الله عز وجل وضع فيها سرا من اسراره الإلهية يساعدها على البقاء فيه تحت البصر وحية في أعماق البصيرة..
وان كنا نعيش اليوم فترت انحسار او جزر مرحلي فان المد والجزر في التاريخ وبين الامم هما اشياء متعاقبة غير ثابتة .
اما العجز الذي يعتري امتنا اليوم فليس قدرا ابديا محتوما علينا فالامر الذي لا نستطيع انجازه اليوم سنحققه غدا ان شاء الله، وذلك مصداقا لقول الحق تبارك وتعالى ( وتلك الايام نداولها بين الناس)..
المطلوب منا أن نعمل بأقصى طاقاتنا لابقاء القدس حيه في ضمائرنا نابضة في قلوبنا، نقرأ تاريخها، ونتعرف على قسمات وجهها، ونتابع اخبارها وأحداثها، ونغرس هذه المعرفة الحميمية في اوردة وشرايين اولادنا وذرارينا وأجيالناالقادمة.
فمن يعرف القدس يحبها و يضحي من اجلها ،والتضحية هي مفتاح النصر بالدنيا ومفتاح الظفر بالآخرة ..
ويقينا انه مهما ادلهمت الخطوب،وعبست الأيام،فلن يتسرب اليأس الى قلوبنا ولن نقول للقدس الا مهلا يا انشودة الحياة وصبرا جميلا يا ام الانبياء والشهداء ،ولن نقول للقدس وداعا بل لقاء مرتقبا ،ونصرا مؤكدا ان شاء الله
- عن صحيفة الفدس

