- 8 شباط 2013
- أقلام مقدسية
تقوم السياسة الإسرائيلية منذ حرب عام 1967 فيما يتعلق بالقدس، أن القدس موحدة، ويجب أن تخضع للإدارة الإسرائيلية فقط.. لكن أي مقيم في القدس وأي زائر لها لا بد أن يلاحظ أن القدس قدسان ... وليست قدس واحدة، وأن الشمس لا تغطى بغربال، وأن مشاعر الإسرائيليين الحقيقية تدعو للانفصال بين شرق المدينة وغربها، بين الأحياء اليهودية والأحياء العربية، لأن الناس عندهم يدركون أن التعايش العربي الإسرائيلي، هو مجرد وهم.. وهم فقط..
آخر ما تفتق ذهن سكان التلة الفرنسية، وهو حي استيطاني أقيم بعد عام 67، أنهم يريدون من بلدية القدس الإسرائيلية ، أن تقيم منطقة تسوق مخصصة للعرب، على أرض بين التلة الفرنسية وبين العيسوية.. وذلك لعدم رغبتهم أن يتسوق سكان العيسوية من المحلات التجارية الموجودة في التلة الفرنسية..
هذا الطلب هو بالتأكيد ترسيخ واعتراف بعدم وجود تجانس بين السكان، أو تفاهم، بل يعني وجود كراهية مطلقة ومعلنة من جانب السكان اليهود ضد السكان العرب، وهو ما يعني في الحقيقة، رغبة ضمنية في الفصل، الفصل بين الأحياء العربية والأحياء اليهودية، أو بمعنى آخر دعوة للانفصال، وترسيخ لأن تكون القدس غير موحدة، كما يريدها ساستهم.
وبالتأكيد فإن هذه المشاعر هي مشاعر متبادلة، فالحقيقة أيضا هي أن السكان العرب في مدينة القدس لا يؤمنون بالقدس الموحدة، فهم يرون البلدية تتعامل مع الأحياء العربية باهمال مطلق، بينما تقدم أعلى مستوى من الخدمات والتنظيم للأحياء اليهودية، وهذه الخدمات المقدمة للأحياء اليهودية يتم جزء منها من أموال الضرائب التي يدفعها العرب، فالعرب ملتزمزن بدفع ضريبة البلدية( الأرنونا) التي تنفقها البلدية على تطوير الأحياء اليهودية، بينما تنفق جزءا يسيرا منها على تطوير الأحياء العربية.. وبالتالي فإننا نرى الفارق في الشكل والنظافة والأرصفة والتنظيم بين حي عربي وحي يهودي.. لنرى فعلا أننا داخل مدينتين لا مدينة واحدة، إحداها في أوروبا وتشكل الأحياء اليهودية، والأخرى تبدو وكأنها في اليمن أو الصومال أو بنجلاديش، وهي الأحياء العربية..
ومن الطريف أن بلدية القدس قامت بتحسين صورة وشكل الشوارع الرئيسية في المنطقة العربية، فبدا الشارع الرئيسي في بيت حنينا وشعفاط، أو الشارع الموصل شرقا من متحف روكفلر إلى رأس العمود، منظما ومرتبا وأرصفته جيدة وإنارته جيدة، فإذا ما خرج منه الشخص إلى أي شارع فرعي أو مواز للشارع الرئيسي .. وجد أن الوضع مغاير تماما، وهنا تأتي الطرافة في الموضوع، في أن المتصفح لخرائط " جوجل" التي تريك الشارع بمبانيه المصورة بالكاميرات .. تجوب الشوارع الرئيسية فقط في الأحياء العربية، ولا تدخل إلى الأزقة والحواري العربية في المدينة، فكما يبدو فإن البلدية سمحت " لجوجل" أن تصور فقط الشوارع الرئيسية، الجيدة نوعا ما، ولم تسمح لهم بتصوير الشوارع الداخلية للأحياء العربية، حتى لا يرى العالم حقيقة أحياء وشوارع القدس العربية المهملة.
أنا أتفق مع الداعين إلى إقامة مراكز تسوق خاصة بالعرب في مدينة القدس، لكن دعوتي لا تنطلق من منطلق عنصري مثل دعوة سكان حي التلة الفرنسية، ولكني أقولها من منطلق أن يستفيد الفلسطينيون من أموالهم حسب مبدأ " زيتنا في دقيقنا" ، وأن لا ينفقوها في مراكز التسوق الإسرائيلية، التي تغريهم يوما بعد يوم، لتمتص أموالهم، كي يبقى الاقتصاد الإسرائيلي منتعشا بالمال العربي، وهم لا يريدون أن يكون لدينا استقلالية اقتصادية عربية، بل أن نكون اقتصادا خادما للاقتصاد الإسرائيلي.
أن دعوة سكان التلة الفرنسية هذه تعيد فكرة عمل كنتونات عربية داخل القدس، كل حي يشكل كنتونا منفصلا، تتوفر فيه خدماته الذاتية، حتى يتم إضعاف حاجة السكان العرب لأن يتواجدوا، ليس فقط في مراكز التسوق الإسرائيلية، وإنما في وسط القدس العربية ، كي لا يتسوقوا أيضا من شارع صلاح الدين، أو من البلدة القديمة، وحتى لا يكونوا دوما قريبين وبكثافة من المسجد الأقصى ، حُماة له.. فكما فعلوا بالضفة الغربية وجعلوها كنتونات قابلة للإغلاق والعزل والتضييق والحصر .. فإنهم ينوون عمل نفس الشيء مع أحياء القدس العربية..
حما الله القدس وأبقى وجهها العربي عربيا بأيدي أبنائها.. انه سميع مجيب!

