• 11 نيسان 2019
  • أقلام مقدسية

 

بقلم: الدكتور أمجد شهاب

 

أجهضت أسرائيل فكرة بناء الدولة على الاراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة من خلال فرض سياسات على ارض الواقع بالرغم من تفاهمات اوسلوا الموقعة عام 1993 في واشنطن بالولايات المتحدة الامريكية  مع الضمانات دولية بالوصول الى حل للقضية الفلسطينية وبناء دولة على حدود 4حزيران 1967  عاصمتها القدس الشرقية.

ولكن تعمدت أسرائيل  أفشال كل التفاهمات الموقعة مع الجانب الفلسطيني وتهربت من معظم التزاماتها وأطالت أمد المفاوضات التي استمرت عقود دون الوصول الى حل .وأجهضت فكرة اقامة دولة فلسطينية  عاصمتها القدس الشرقية من خلال  تفريغ كل العوامل القانونية لبناء الدولة من محتواها :1- فاضعفت السلطة الفلسطينية وحولتها الى اداة بيد الاحتلال مهمتها الاساسية الحفاظ على الامن وإيقاف أي عمل عدائي ضدها. 2-قطعت اوصال الشعب الفلسطيني من خلال اقامة مئات الحواجز بالضفة الغربية 3-منعت  التواصل الجغرفي للارضي الفلسطينية من خلال ترسيخ مناطق ا-ب-ج  و ببناء عشرات المستوطنات ومئات الالاف من الوحدات السكانية مما اجهض فعليا كل امل باقامة الدولة الفلسطينية ,ولم يعد بالامكان حسب المعطيات على الارض أقامة دولة قابلة للحياة لا من الناحية القانونية ولا الناحية السياسية . ويوجد قناعة اليوم عند اكثر من ثلثي الشعب الفلسطيني بان حل الدولتين لم يعد قابل للتطبيق وفق اخر استطلاعات الرأي.وفكرة الدولة الواحد اصبح من الاستحالة ان تقبل الطبقة السياسية الحاكمة بأسرائيل بقبول مجرد نقاش الفكرة.

لم نتفاجئ بأعلان ترامب امام الجمعية الصهيونية  أيباك بأنشاء دولة فلسطينية في سيناء وطلبه من الفلسطينين بعدم اضاعة الوقت والذهاب من الان الى اراضي الدولة الفلسطينية الجديدة . ففكرة توطين الفلسطينيين خارج فلسطين فكرة قديمة جديدة ولم تغب عن بال  الولايات المتحدة ففكرة ايجاد ارض للتوطين فكرة قديمة حديثة بدأت عام 1952 بانشاء مستوطنات للفلسطينين في سيناء بهدف التوطين والقضاءعلى القضية الفلسطينية  وتبعها طروحات اخرى مثل ارض الجزيرة في شمال شرق سوريا ومنطقة الانبار غرب العراق.  

استقرت الولايات المتحدة ممثلة بأدارة ترامب واسرائيل  على توطين الفلسطينيين  في سيناء ضمن ما يسمى اليوم (صفقة القرن) على مساحة 30 الف كيلومتر مربع وبدعم مالي يصل الى 800 مليار دولار حسب تصريحات الرئيس الامريكي الاخيرة.وعلى ما يبدو فان معظم المؤشرات تدل على وجود تفاهمات مع  اكثر من دولة عربية على ذلك ...... وللدلالة على ذلك بدأت اسرائيل بالتلويح بضم الضفة الغربية .

 

وعملية أحياء المشروع المجهض بالضفة الغربية بجزء من أراضي سيناء  سيتم عبر خطوات عملية  ومدروسة تبدأ انشاء مشاريع ضخمة تحتاج الى رأس مال متوفر وأراضي متوفرة وأيدي عاملة من قطاع غزة المحاصر ورويدا رويدا سيحتاج العاملون الى بناء وحدات سكنية قريبة من المنشآت الاقتصادية وستجذب هذه المناطق رجال الاعمال واللاجئين الفلسطينيين من بعض الدول العربية مثل العراق ولبنان وتصبح فكرة بناء دولة  واقع يستقطب الفلسطينيين من الداخل والشتات  خاصة مع توسع الاستيطان بمدينة القدس والضفة الغربية وضم اجزاء كبيرة منها وخاصة مناطق ج التي تمثل اكثر من 60 بالمئة من مساحتها ويبدأ التضيق على ما تبقى من  سكانها لإجبارهم طوعا الذهاب الى سيناء. 

هذه التحركات والتصريحات خطيرة جدا وعلى الفلسطينيين ان يتحركوا قبل فوات الاوان فصحيح أن شعارات العرب المؤيدة للفلسطينيين والمتمسكة بالحقوق الفلسطينية كثيرة وساخنة، لكن الواقع يقول إن الأنظمة العربية غير مرتاحه بوجود تجمعات فلسطينية على أراضيها بصفة دائمة وأكبر مثال على ذلك في الجمهورية اللبنانية, ودولة الكويت أبان الاجتياح العراقي  ,اعتبر تواجد الفلسطينيين عامل عدم استقرار أو عدم اطمئنان بسبب وقوف قيادتهم السياسية  مع الرئيس صدام حسين.

والامم المتحدة اصدرت مئات القرارات سوء من الجمعية العامة او مجلس الامن وكل هذه القرارات لم تجد اي الية لتطبيقها او حتى ردع اسرائيل عن سياساتها بالاراضي الفلسطينية رغم تاكيدها بأحقية الشعب الفلسطيني على أقامة دولته المستقلة على الاراضي التي احتلتها اسرائيل بعد حرب عام1967  وبقيت مجرد حبر على ورق.

قد تقدم أسرائيل على ترحيل الفلسطينين بالضفة الغربية والقدس الشرقية في أي وقت الى سيناء بقرار سياسي من حكومتها اليمينية المتطرفة بدعم من الولايات المتحدة  ولن يواجهها سوى بعض التنديدات والاستنكارات والبيانات ......

 

فأهمية مناقشة الموضوع  وأتخاذ اجراءات تعرقل بشكل مباشر المشروع اصبحت ضرورية   بدل بيع مواقف وأصدار تصريحات ومطالبة القوى الخارجية والعربية والامم المتحدة بالتدخل فكل ذلك لن يردع أسرائيل او الولايات المتحدة عن الاستمرار بفرض صفقتهم . فالأنظمة العربية  لا تريد مواجهة  إسرائيل وانتزاع الحقوق الفلسطينية وتحرير الارض والمقدسات، ولا تريد دعم المقاومة الفلسطينية، ويريد أغلبها التطبيع مع إسرائيل وتوقيع معاهدات معها .وأصبح الحل الأمثل للجميع هو التخلص من الفلسطينيين ومشاكلهم.

لم تجرأ أسرائيل حتى الان على عملية الإبادة الجماعية لشعب الفلسطيني كما فعلت الولايات المتحدة مع الهنود الحمر لأن القتل الجماعي لم يعد  ممكنا في ظل الظروف الدولية، ولم يعد الترحيل إلى أماكن بعيدة بصورة قسرية ممكنا أيضا. ولكن اصبح ممكننا الضغط على الفلسطينيين بمختلف الأشكال : اقتصاديا  ونفسيا وسياسيا وأمنيا وماليأ مع أمكانية أغلاق الابواب في وجههم من أجل أن يفقدوا الثقة بالمستقبل وبإمكانية التحرير والعودة.

ندائنا الاخير هو أن تستقيم القيادات وأن تنتبه إلى أن صراعاتها الداخلية والجري وراء المصالح الشخصية والحركية الذي يلحق أضرارا كارثية بالقضية الفلسطينية مع الضرورة الملحة لإعادة  بناء المؤسّسات بطريقة تعتمد على سيادة القانون وتنفيذ تطلعات الشعب وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية ، وتجنّب جعلها مجرّد أدوات لقيادات وحركات دخلت مرحلة الشيخوخة، أو تقسيمها بين ما تبقى من تنظيمات فالادانة والاستنكار والتنديد والتاكيد على المواقف لا يرفع المسؤولية عن أي حركة او تنظيم او مسؤول.