- 28 آيار 2019
- أقلام مقدسية
بقلم القاضي المقدسي: فواز ابراهيم نزار عطية
من عدل الله تعالى ورحمته أن جعل الكبير والصغير الذكر والانثى الغني والفقير المؤمن والكافر يتساوون في القبر، وهو أول منزلة للإنسان لحياته الآخرة، حيث أكدت الأحاديث النبوية على مكانة وحرمة القبور وكرامة الميت، فقد روي عن أبي هريرة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم : « لئن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير من أن يجلس على قبر» أخرجه مسلم، وفي حديث آخر عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم : «لئن أمشي على جمرة أو سيف أو خصف نعلي برجلي أحب إلي من أن أمشي على قبر مسلم وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق» رواه ابن ماجه وصححه الإمام الوادعي.
في القدس قِبلة المسلمين الأولى وثالث الحرمين توجد فيها مقابر كثيرة للمسلمين من اهمها المقبرة اليوسفية ومقبرة باب الرحمة بجانب باب الأسباط ، في هاتين المقبرتين تنتهك حرمات الاموات، ولم تعد القبور في هذا الزمان مكانا لمحاسبة النفس وتهذبيها كما ولم تعد القبور مكانا للتذكير بأن للأنسان نهاية مهما طال عمله وعمره ومهما حصد وجمع فلابد من يوم يُساق إلى القبر.
أي مستوى وصل إليه البعض بعرض البضائع المتنوعة بين القبور والمجادلة وحلف اليمين وحرق المخلفات وقضاء الحاجة بين القبور! أي دناسة ودنائة وصل إليها بعض أولاد وأحفاد اصحاب القبور! أين الوازع والرادع لحفنة من بعض تجار الدنيا ضاربين بعرض الحائط حرمة المقابر مستخفين مستهترين بشعور الأحياء غير مبالين بقبور آبائنا وأجدادنا وقبور الصحابة والشهداء، أين مجلس الأوقاف وأين لجنة المقابر وأين كل مسؤول في دائرة الأوقاف؟
لو اطلعنا على الجهة المقابلة من مقبرتي باب الرحمة واليوسفية باتجاه الشرق والتي تبعد بعض الأمتار، لوجدنا قبور اليهود والنصارى، فلماذا لا نجد مثل هذه الفوضى العارمة الصاخبة في مقابرهم، لماذا يحاط حول قبورهم الورود وبعض الاشجار، لماذا لا يتخذون من قبورهم مكانا للبيع والتجارة، لماذا لا يدنسون حرمات موتاهم، لماذا يتخذون من مقابرهم مكانا للتذكير بوجود يوم البعث ؟ لماذا ولماذا....
أليس من حقي ومن حق كل مسلم من أهل البلد في هذه الايام الفضيلة أن يصل والده أو والدته أوأجداده ليزورهم بخشوع ويدعو لهم في جو مريح يتسم بعظمة الموقف، أم أن تجارة بعض الخارجين عن القانون أولى وأهم من شعورنا وحقنا في ممارسة طقوس الخشوع والتذّكر بيوم الآخرة والحنين لمن فقدنا كما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم عند زيارة القبور.
أليس من واجبنا ومن واجب كل مسؤول في القدس باعتبار مدينتا مدينة سياحية من الطراز الاول، نقل صورة حضارية مشرقة عن القدس وأهلها للسياحة الوافدة من جميع اقطار العالم! أليس من حق العرب والمسلمين علينا أن نكون أهل للثقة والأمانة في الحفاظ على كل معلم من معالم القدس، ألا يخشى البعض منا أن يستغل المحتل هذا الواقع الغير حضاري في ظل ما تمر به قضيتنا لتصوير المشهد بأن العربي المسلم لا يحترم امواته فكيف سيكون موضع ثقة مع الأحياء!
في هذا المقام وحتى لا يتم الاصطياد بالماء العكر واتهامي بطلب المساعدة من بلدية الاحتلال، لابد على إدارة الوقف الاسلامي وبالتعاون مع وزير القدس ومحافظها المحترمين وضع حد لهؤلاء ممن يتخذ من المقابر مكانا للتجارة، ومنع مظاهر البيع والشراء على قبور أبائنا وأجدادنا وعلى قبور الصحابة والشهداء، ليكون الممر الخاص بين القبور مخصص لحق المرور فقط، منعا من التزاحم والتضييق على الناس وحفاظا على حرمات وكرامات أمواتنا، وبذات الوقت الشروع بعملية تنظيف واسعة ومسح كل الشعارات المكتوبة على جدران واسوار المقابر.
في الختام، أوجه ندائي هذا لكل غيور على القدس وأهلها بعدم التعامل مع من يدنس القبور وينتهك حرمات الموتى، وبذات الوقت على ادارة الوقف وإن وجدت أنه من المناسب بزمان السماح للتجار بعرض بضائعهم تخصيص مكان ضمن املاكها دون المساس بحرمة أمواتنا.
والله من وراء القصد

