- 15 حزيران 2019
- أقلام مقدسية
بقلم : الدكتور أمجد شهاب
بدون شك القضية الفلسطينية تمر بمراحل مخاض عصيب. واكاد اقول أنها تمر بعنق زجاجة ونهايتها على اي حال لن تكون كما يتمنى الفلسطينيون فمن زرع شعيرا لن يحصد بطيخا ،وعمر القضية الفلسطينية الان تجاوز المئة عام فقد شاخت ومات الكثير ممن عاصروها وتفاعلوا معها وعرفوا اسرار أوجها وقوتها وذبولها وضعفها.
فتكرار أزمة المفاهيم يعد أحد الاسباب الرئيسية التي تعيق الوصول الى الاداة والألية التي يمكن من خلالها التطابق بين الارض والشعب والقضية وانقاذ ما يمكن انقاذه .
وترتبط أزمة المفهوم الأول بالتعامل مع الاحتلال الذي عجز الطرف الفلسطيني على فهمه منذ اكثر من نصف قرن وخاصة من قادوا التوقيع على اتفاقية المبادئ (أوسلوا)، وهو حقل مفاهيمي ملغوم ويبدو معقدا بالنسبة للفلسطينيين اللذين لم ينجحوا بتحقييق اي نتائج ملموسة على الأرض أو على الصعيد المحلي او الاقليمي او الدولي رغم تمسكهم بالقانون والشرعية الدولية.
مفهوم الاحتلال بسيط وسهل ويعني أي شعب يقع تحت الاحتلال ليس لديه كثير من الخيارات سوى المقاومة بكل اشكالها.واولها العسكرية التي تخلها عنها الفلسطينيين منذ فترة بحجة عدم القدرة على مواجهه القدرات والترسانة الضخمة الاسرائيلية التي هزمت جيوش عربية ....الخ. فامكانيات الشعب الفلسطيني سواء بالداخل والخارج او القدس او الضفة الغربية باستثناء قطاع غزة لا يمكن ان نعتبر اليوم أن هناك مقاومة مسلحة وصراع حقيقي مع المحتل.
حتى مفهوم المقاومة السلمية الشعبية المستخدم والمتداول لدينا ولكن غير مطبق بالمعنى الحقيقي على الارض بالإضافة الى مفاهيم المقاومة الثقافية والاعلامية والسياسية والاقتصادية ....الخ. في المقابل نواجه الآلة الدعائية الضخمة التي إسرائيل نفسها للعالم في دور الضحية المدافعة عن نفسها وحامي الغرب من التخلف والإرهاب الفلسطيني والعربي وخاصة الإسلامي .
فالمقاومة دفاع مشروع عن النفس تجاه خطر خارجي ومكفول من القانون الدولي والامم المتحدة حتى هذا المفهوم يعاني من ازمة داخلية فلسطينية. فالفسطينيين لم يعودوا يبحثوا عن مقاومة المحتل بالطريقة الكلاسيكية المتعارف عليها بالعالم وما زالوا ياملون ببناء دولتهم عبر المفاوضات تارة وتارة يميل عدد كبير منهم وخاصة جزء من المثقفين بتبني مفهوم الدولة الواحدة لشعبين تحت مبدأ المساواة بالحقوق....الخ, وتحت ذريعة مفهوم الواقع ومفهوم التسوية كمسارات وحيدة لحل القضية الفلسطينية.
وغاب عن وعيهم السياسي الجمعي فهم مفهوم "القضية الفلسطينية" بالرغم من أنه من أهم المفاهيم ، لانه يلخص تاريخ الشعب الفلسطيني ما قبل الانتداب البريطاني لفلسطين حتى قيام ما يسمى بالسلطة الفلسطينية حتى يومنا هذا.
لا ننسى ان القضية الفلسطينية بقيت حية في الوعي الفلسطيني لمرحلة معينة تحت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي تصددت بالبداية لمحاولات تبديد هذا المفهوم من قبل المجتمع الدولي الذي يفضل الترويج لمفهوم حل الصراع العربي – الإسرائيلي على حساب مفهوم حل القضية الفلسطينية، فكلمة القضية تشمل كل الحقوق الفلسطينية ومن ضمنها حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره. بينما مفهوم الصراع العربي – الاسرائيلي أو الفلسطيني- الاسرائيلي فهو يختزل الصراع إلى انه صراع حدودي وخلافات او انساني وهذا ما يروج له الان وخاصة من قبل الولايات المتحدة الامريكية وبعض الدول العربية واعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بقرار مجلس الأمن رقم 242 والاعتراف بدولة الاحتلال الذي كان مرفوضا لسنوات طويلة من الجميع باعتباره يتجاهل مفهوم للقضية الفلسطينية كان بداية تلاشي ذلك المفهوم.
ومما زاد الطين بله وتعرض مفهوم القضية الى ضربة موجعة حين حصل الانقسام السياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة عام 2007، حيث هيمن مفهوم الصراع الفتحاوي الحمساوي على حساب أي مفهوم آخر، حتى اصبح مفهوم الصراع مع إسرائيل صراعًا لا يحتل المرتبة الاولى في الوعي الفلسطيني.
فمفهوم القضية الفلسطينية ضاع بين فصيلين كبيرين، حركة حماس التي تدير شؤون غزة وغير مستعدة لتنازل عنها لانها مرتبطة بعوامل اقليمية وتقاوم من اجل فك الحصار او تخفيفة بالدرجة الاولى، وحركة فتح التي اندمجت كليا بالسلطة الفلسطينية منذ نشوئها، وأفرغت منظمة التحرير من مضمونها لدرجة اصبح فيها من الميئوس إصلاحها، واصبحت وسيلة وليس، والهدف الحقيقي هو القضية الفلسطينية .
تقصير فاضح من قبل جميع الاحزاب والقوى الفلسطينية والسبب الرئيسي لذلك هو فقدان لآليات العمل والرؤية الموحدة لتلك القوى التي تستمر بسياسة عقلية المناكفات الحزبية وكثرة الاجتماعات والمناقشات والتي تؤدي الى مضيعة الوقت والجهد والمال وعدم استغلال الطاقات والامكانيات وينتج الى عدم وجود أي عمل ملموس على الارض عدى عن الخطابات والتنظيرات اللفظية التي لا تغني ولا تسمن.
الفلسطينيون اليوم بحاجة إلى أرادة حقيقية للتحرك وألية عمل جديدة تعيد إحياء مفهوم "القضية الفلسطينية"، فهم بحاجة إلى منظمة تحرير فلسطينية بحلة جديدة، وبمضمون جديد، لها رؤيا وبرنامج سياسي جديد وألية عمل يمكن تطبيقه على ارض الواقع ، مع قيادة جديدة منتخبة من الشعب مباشرة، تشارك فيها كل مكونات الشعب الفلسطيني ، منظمة تؤمن بالتعدديه وأختلاف الاراء.
على الفلسطينيين ان يدركوا بانهم لم يعودو لاعبين داخل المنظومة لا المحلية ولا الاقليمية ولا الدولية التي تشترت على اللاعبين ان يكونواذو تاثير ويملكون بطاقات ضغط على الاطراف الاخرى او على الاقل على المحتل.
وبالنهاية يتحمل الفلسطينيون بالدرجة الاولى المسؤولية لما الت اليه اوضاعهم اليوم بسبب فقدانهم لالية الاستفادة من امكانياتهم وقدراتهم خاصة أمكانية التعلم من تجاربهم الاليمة السابقة بدأا من وعد بلفور ومرورا بالنكبة عام 1948 والنكسة 1967 والاجتياح 1982 والانتفاضة الاولى والثانية .....وحروب غزة.

