• 25 تشرين أول 2019
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : القاضي فواز ابراهيم نزار عطية*

 

تعرضت القدس لعدة أزمات إبان نهاية الحُكم العثماني، بعضها يرجع إلى سوء النظام الإداري فيه، والبعض الآخر بسبب ضعف الدولة العثمانية وانشغالها بحروب واسعة الانتشار خارج تخوم السلّطنة، حيث في أواخر عهدها كان يهود القدس سِلعة رائجة للدول الاستعمارية الطامعة في تفتيت أراضي الدولة العثمانية ونهب خياراتها.

 فعلى سبيل المثال تذرّعت روسيا بحمايتهم في حين كانت تبيدهم على أرضها، بينما إدعت بريطانيا رغبتها في حماية يهود القدس وفي الوقت ذاته سعت مع فرنسا ودول اوروبية أخرى للتخلّص من اليهود المتواجدين على أراضيهم، بحيث قامت بريطانيا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى بتسهيل عملية الاستيطان الصهيوني التسلّلي في الاراضي الفلسطينية بصورة منظمة تحت مظلة حماية اليهود، وبذلك تحوّل ولاء اليهود في الدولة العثمانية عامة ويهود القدس خاصة إلى الدول الأجنبية الاستعمارية.

حتما لا يتسع المقام للحديث عن يهود القدس، وعيّشهم بأمن وأمان فيها ومختلف مناطق الدولة العثمانية بصورة لا تقبل التشكيك أو التأويل، إذ سجلات المحكمة الشرعية في القدس الشريف شاهد عيان على عدد المعاملات التي تخص تجارتهم وممتلكاتهم بما في ذلك حجم حصورات الارث التي كانت تصدر عن تلك المحكمة لموتاهم، فالدولة العثمانية اعتبرت اليهود القاطنين في القدس وسائر الأقاليم ضمن تبعة الدولة وعاملتهم بإحسان ومكّنتهم من ممارسة حرية العقيدة والتجارة وحرية التملك شأنهم شأن باقي مواطني الدولة.

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى واتمام بلورة الفكر الصهيوني، انقلب حال الغالبية العظمى من اليهود وذابوا في الفكر الصهيوني، وشرعوا في تطبيق الحلم الكبير باحتلال بلاد العرب من النيل حتى الفرات للسيطرة على ارض الميعاد وفق حدود دولتهم المستقبلية المرسومة على العلم الاسرائيلي، فالبطش والقتل والتدمير واهانة الكرامة الانسانية للعربي الفلسطيني وباقي العرب أصبح منهاجا يدرس في الكراس الصهيوني لتحقيق حلم وخيال يفوق قدرتهم، فالنظرية النسبية تؤكد استحالة التطبيق بالسيطرة الفعلية على خمسة دول عربية "من النيل للفرات" بالنظر لعدد اليهود في كل دول العالم الذي لا يتجاوز 18 مليون نسمة.

 من هذا المنطلق تحول الحُلم والخيال إلى واقع السيطرة على ما هو بين أيديهم اليوم،  فتم تأجيل الفكر الصهيوني بإحتلال بلاد العرب من النيل للفرات بالتعامل مع واقع مدينة القدس كمدخل مستقبلي للإنقضاض والسيطرة الفعلية على الدول ما بين النهرين المذكورين.

يجب أن يَعي العرب والمسلمون أن القدس لا تعتبر البلدة القديمة فقط، أي المساحة التي تشكل   كيلومتر مربع واحد  تقريبا، إنما القدس وفق التشكيلات الادارية العثمانية تبدأ من بيت صفافا جنوبا إلى باب الواد غربا إلى خان الاحمر شرقا إلى حدود رام الله شرقا.

 أما بالنسبة للفكر الصهيوني فالقدس هي الحوض المقدس: البلدة القديمة والمسجد الأقصى وما جاوره، وهي حسب المصادر اليهودية جميع المواقع الدينية اليهودية في القدس التي لا يمكن للسلطة المحتلة – على حد وصفهم - التنازل عنها ، وهي : " البلدة القديمة ، ووادي قدرون ، وجبل الزيتون  وأجزاء من شعفاط  شمالا وأبو ثور جنوبا " الثوري" وأجزاء من سلوان.

وبما أن الحوض المقدس هو مخطط صهيوني يُعد الأشد خطورة على المسجد الأقصى المبارك والبلدة القديمة، بل على القدس بآثارها وتاريخها منذ بدء الاحتلال إلى الآن، حيث الهدف يُركّز إلى ضم أكبر مساحة ممكنة من البلدة القديمة وما جاورها بمبررات وغطاء فكر ديني يهودي من خلال تسمية مناطق مهمة تحت أسماء توراتية ليضمنوا بذلك سيادة ثابتة لهم فيها .

لهذا فلقد اعد مشروع "الحوض المقدس"  بعناية دقيقة من كبار الساسة والأمنيين والدينيين الصهاينة لتطبيق فرض الأمر الواقع على الأرض ، وإعطاء المكان " قدسية يهودية " بتحويل أبنية وعقارات موقوفة وقفا اسلاميا ومسيحيا ثابتا بحجج شرعية، ومواقع مهمة وتاريخية إلى أماكن يهودية مقدسة، على أساس السيطرة على أكبر قدر ممكن من مساحة شرقي القدس وشمالها وجزء من جنوبها لأهداف استيطانية و ديمغرافية وسياسية و إستراتيجية ودينية .

ورغم المحاولات الحثيثة في تشكيل الحوض المقدس ونزع تخومه وتحويله لتراث يهودي مزيف وكل ما يحيط بهذا الحوض، نجح الفكر الصهيوني في تنفيذ جزء بسيط دون الجزء الأكبر، والسبب أنه مازال العرب يعيشون في الحوض المقدس ومحيطه وبكثافة، وهذا الواقع يشكل معارضة حُكمية للفكر الصهيوني رغم كل المحاولات في شراء العقارات بوسائل الترغيب والترهيب، بحيث نجحت بعض المنظمات التابعة للجمعيات الاستيطانية في شراء بعض العقارات لكن ببطئ شديد.

مما سبق نلاحظ أن كل طرف يعيش في القدس، يحاول بشتى السبل والوسائل الحفاظ على القدس وفق معتقده الديني، فالوسائل المتوفرة بيد الفكر والمشروع الصهيوني أقوى بكثير مما هو متوفر بين أيدي العرب، وهذه حقيقة لا مجال للمجاملة فيها، والدعم العربي للقدس سواء أكان من العالمين العربي والاسلامي لا يوازي 5% من الدعم العالمي المتوفر لليهود، وبغض الطرف عن اسباب هذا الدعم ومبرراته، لا بد من ايجاد حل جذري وسريع لصد توسع وامتداد السيطرة على الحوض المقدس ومحيطه، في ظل السباق الوهمي المقدم من العرب والمسلمين للحفاظ على القدس وأهلها.

أُشبع اهل القدس العهود والوعود، رغم حصولهم على دعم يسير من بعض العرب والمسلمين- وهي حقيقة لا يمكن نُكرانها- لكنها لا تسمن ولا تغن عن قوة توسع مارد الفكر الصهيوني الموفر له كامل الإمكانيات.

الشعارات الرنانة الطنانة بأن القدس في وجدان كل عربي اصبحت من زمن الماضي الجميل، رغم كل تقدير ومحبة لكل من يتعاطف معنا معنويا، إلا أن الواقع القائم أليم وبغيض ولا يمكن السكوت عنه، والاعتماد على الخطط والاستراتيجيات العربية أصبح من الغيبيات المستحيلة في ظل الانتكاسات المتكررة لدى العديد من البلدان العربية وانشغال شعوبها بقوت يومها.

 بوصلة الحق اليوم بيدنا ويجب أن نعتمد على أنفسنا، وعلى أهل القدس الصادقين في الانتماء وفي حمل الأمانة بالنيابة عن الامتين العربية والاسلامية ممن أنعم الله عليهم من خيراته بسلوك نهج السلف الصالح، ببذل كل نفيس فداء للقدس بالقيام بوقف عقاراتهم أو بجزء منها للخلف، لوضع حد  للتوسع الصهيوني في القدس الكبرى ومحيطها، فلا يجوز سلوك ضرب السراب  والتعامل مع الواقع الخيالي بتصوير الأماكن الجميلة في القدس وتحميل الصور التراثية والصور الشخصية في القدس ومحيط المسجد الاقصى وكنيسة القيامة، والكتابة عن القدس وتاريخها الكنعاني العربي في الصحف والمجلات والتباهي بعدد الكتب والموسوعات عن المدينة المقدسة ونشرها هنا وهناك  تحت مسمى حُبنا للقدس، ولا نجود ولو بحجر مما نملك لوقفه على ذريتنا من خلال المحكمة الشرعية في القدس الشريف.

واخيرا لا بد أن نتذكر جميعا أن السلف الصالح بوقفهم للعقارات التي كانت ضمن ملكيتهم، أوقفوا جزء كبيرا منها – حيث بلغت العقارات الموقوفة في البلدة القديمة ومحيطها ما بين وقف ذّري وخيري أكثر من 1800 عقار - وهذا هو السبب الوحيد والمباشر الذي منع تهويد القدس القديمة بالصورة التي تمنّاها الاحتلال الإسرائيلي.

 فهل سيتم سلوك ذات النهج لمنع تهويد القدس الكبرى، بوقف جزء من العقارات الواقعة في حي الشيخ جراح ومحيطه وشعفاط وجبل المكبر وسلوان وأبو ثور"الثوري" وجبل الزيتون وبيت حنينا، لمن انعم الله عليهم  بأموال وعقارات في تلك المناطق بوقف جزء منها تقربا لله تعالى، أم أن حبّ القدس سيكون في الوجدان فقط كما في شعارات بعض اخواننا من العرب ؟

"خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ" الآية 26 من سورة المطففين

 

*قاضي المحكمة العليا الفلسطينية