- 9 آذار 2013
- أقلام مقدسية
يشهد مجتمعنا العربي الفلسطيني ارتفاعا حادا في ظواهر العنف الاجتماعي، والذي يُعَبَّر عنه بالعنف الفيزيائي والاعتداءات الجسمانية، حتى يصل الأمر في بعض الأحيان إلى القتل، الاقتتال والنزاعات في الطرق بين الحمائل، الجيران، الإخوة والشباب. أصبح هذا العنف يُشغِل بال الكثير من أهلنا، حتى وصل الأمر إلى حال يهاب فيه بعض أبناء مجتمعنا، في بعض بلداتنا وأحياء مدننا وقرانا، على أمنهم الشخصي وأمن أبناء عائلتهم ذكورا وإناثا. ولقد تطرقنا في مقال سابق إلى ظاهرة العنف التخطيطي ودوره في نشوء أو على الأقل المساهمة في ارتفاع العنف الاجتماعي على أشكاله المختلفة التي يحددها علماء الاجتماع وعلماء النفس الشخصي والاجتماعي. وفي هذه المقالة الموجزة اودّ ان القي الضوء على زاوية اخرى ما زالت في الظل، وتشكّل حسب رأيي احد أسباب ومسببات العنف الاجتماعي، وهي حالة التَمَدُن والمَديَنَة التي نعيشها ونمرّ في سيروراتها، ولكننا لم نلق بالا كافيا لإسقاطاتها وتبعاتها وأثرها الاجتماعي علينا، بما في ذلك تَوليد ظواهر عنف اجتماعي. وكثيرا ما نحاول إخفاء حالة التمدُّن والمَديَنة بادعاء أننا ما زلنا مجتمعًا قرويًا، وبلداتنا ما زالت قرى، كجزء من عملية الحنين إلى الماضي دون معايشة حقيقية كافية للواقع، وطبعا تجنبًا أو ربما خوفا من الاستعداد للمستقبل، وما سوف يحمله من احتمالات زيادة العنف الاجتماعي إذا لم ندرك السيرورات التي نمرّ بها والصيرورات التي نصل إليها والتي تؤدي إلى كينونات مجتمعية واستيطانية حضرية/مَدينّة تكون منبتًا ربما لزيادة العنف الاجتماعي. هذا التجنب أو الخوف مردّه ربما لاستعدادنا المحدود لدفع مستحقات يمكن أن تؤمن لنا المستقبل رغم كثرة حديثنا عن الاستدامة البيئية متجاهلين الاستدامة الاجتماعية. ووقعنا في فخ يُمكِن أن اُلَخص تشخيصه بثلاث ميزات رئيسة: صراع بقاء فردي، إقصاء ذاتي من المشاركة الفعالة في الحيز العام، وقبول غير معلن لحالة الوصاية والبقاء في الظل تخوفا من المشاركة، بادعاء البعض أن المشاركة بمؤسسات الدولة والتوافق مع بعض أهدافها كجزء من تحقيق المواطنة المنقوصة، ربما تمنح الشرعية أو قبول غير معلن لأمور وسياسات مفروضة من قبل الدولة علينا ومرفوضة من قبلنا. واقع الورطات والتناقضات التي نعيشها، كوّنت لدينا صفات يمكن إيجازها بحالات انفصام شخصية فردية ومجتمعية. ولأجل خروجنا من هذا الفخ، تقع على عاتقنا مسؤولية مواجهة حالة الانفصام وتحول من رعايا إلى مواطنين نمارس المواطنة بجدارة مقاومين الظلم والفساد وما يحمله من عنف اجتماعي مباشر وغير مباشر.
لفهم العلاقة بين واقع التحولات في بلداتنا ومجتمعنا نبدأ بالتعريفات للمصطلحات المذكورة في العنوان حتى نوضح للقارئ العزيز ماذا نعني بالتَمَدُّن والمَدْيَنَة. نعني بالتمدُّن تحولا فيزيائيا وديموغرافيا في مبنى، شكل وطابع البلدة من قرية وادعة إلى مدينة من حيث عدد السكان، كثافة السكن، ارتفاع المباني، توطن الفعاليات التجارية والصناعية والخدماتية فيها، وزيادة حركة السير الخاصة والعامة، وتحول البلدة من حي واحد أو على الغالب أحياء صغيرة متراصة، إلى عدد كبير من الأحياء. وان مصدر زيادة السكان لا يعتمد على الزيادة الطبيعية فقط، بل كذلك على حركة سكان بين البلدان واليهم بموجب ميزان هجرة ايجابي. حالة التمدُّن والتي تعرف بالانجليزية " Urbanization" هي ظاهرة القرن العشرين، خاصة بعد الثورة الصناعية والثورة المعلوماتية. بينما ظاهرة المَديَنَة تحدث عندما نلحظ تغيّرات في سلوك الفرد الذي يعيش في المدينة وأسرته النووية من حيث أنماط حياته، علاقاته الاجتماعية التي تتحول من العظامية إلى العصامية، من انتمائه المجتمعي لعائلته وعشيرته إلى الفردانية والذاتية. هذه الفردانية تشمل نظام استهلاك الفرد، تطلعاته وطموحاته الشخصية التي تعتمد على الفرد دون، أو على الأقل، تقليل أي دعم مباشر من مجتمعه العظامي (الحمولة، العشيرة....الخ). استهلاك الفرد للحيز يكون بموجب احتياجاته الفردية، وارتباطه بالمكان يضعف ومع ذلك استعداده للهجرة الداخلية والخارجية تزداد. هذه التغيرات في سلوك الفرد، الذي يبدأ يُرَكِز على ذاته وأسرته النووية، وأنماط استهلاكه عرفت بالإنجليزية بظاهرة المدينة "Urbanism ". وفي هذا السياق يجب الإشارة إلى أنّ ظاهرة التمدّن تسبق عادةً ظاهرة المَديَّنة، وان التمدُّن يُولِد المَديّنة ويشكل منبتا مناسبا لها. مع ذلك يجب علينا الاستثناء انه في حالات تكون مَديَّنة في بلدات صغيرة والتي تشكل ضواحي مدينة. ويمكن أن نستنتج أن مصدر المصطلحات ليست العربية بل هي الانجليزية، وتم اجتهاد في ترجمتها واشتقاق مصطلحات موازية لها بالعربية. وذلك ليس صدفة، بل لان هذه الظواهر بدأت تنشأ في المجتمع الرأسمالي الغربي بعد الثورة الصناعية ونشوء او توسع المدن الغربية، ولاحقا انتقل أو تم تصديره إلينا كجزء من عملية استهلاكنا الواعي أو/وغير الواعي لكثير من الظواهر والسلوكيات التي صُدِّرت إلينا أو استوردناها واستقبلناها على الغالب بدون ملاءمة ومناسبة لمنظومة قيمنا، مثلنا وحالنا، مما أدت إلى خلق تشويه أو إفراط في سلوكنا واحدث شروخا اجتماعية لعدم نسج البيئة المناسبة لها ودون تبنيها وتبييتها بشكل لائق.
وبعد أن حددنا مفاهيم المصطلحات، نطرح السؤال ما العلاقة بين هذه المفاهيم والسلوكيات الناتجة عنها وبين زيادة العنف الاجتماعي؟ لإيضاح الأمر لا بد من وصف حالنا في المجتمع القروي الذي يتوق إليه البعض وكأنه كان ضابط الأمان من آفات العنف الاجتماعي، رغم أنني لا اتفق مع هذا الرأي، بل اقول ان داخل المجتمع القروي وُجدت بعض ظواهر عنف اجتماعي، ولكنها كانت اقل مما هو الآن بعد التمدُّن والمَديَنة، وكذلك تبدلت أنماطه وأشكاله. ورغم ذلك فان الإنسان في المجتمع القروي كان ينتمي إلى مجموع قبلي، عشائري وطائفي على أسس عظامية تحميه. وليس سرا أن احد مركبات المدينة العربية الإسلامية هو الحمى، وان الحمي في النظام القبلي – البدوي أو الصحراوي هي المنطقة التابعة لعشيرة معينة، محددة بحدود متعارف عليها ولا يجوز دخولها إلا بموافقة أصحاب الحمى. وان للجار حق سابق ومفضل على آخرين شراء بيت جاره إذا أراد بيعه لأجل حفظ الحمى. أي أن نظام الحمى، كان جزءًا من تركيبة البيئة والنسيج الحضري والأعراف المعمول حسبها في المدينة الإسلامية، وحتى الآن نسمع ونشاهد مسلسلات تشير إلى "الحارة" كمركب عضوي فيزيائي واجتماعي وتضامني داخل المدينة يُساهم في تخفيف العنف الاجتماعي. هذا النظام كان موجودا داخل القرية الصغيرة وحَمى أبناءه ضمن نظام أبوي عشائري، ضبط أبناءه وتكفل بهم وكانت للكبير المختار، أبو العيلة، الشيخ كلمة وتصرفا يسودان على كل أبناء القبيلة أو الحمولة، تمثلهم وينطق باسمهم. هذا النظام ساد وما زال يسود في بعض المواقع والقرى في بلداتنا. رغم انه في بعض الحالات أدى أو ساهم في خلق اعتداءات وصراعات بين حمائل وعشائر رافقها قتل وتخريب، وفي بعض القرى والبلدات العربية ما زلنا نشهدها حتى اليوم خاصة بعد "معارك" انتخابات محلية، والتي تتمثل في بعض الأحيان كجزء من صراع على السيطرة أو التمثيل داخل بلداتنا وليس بالضرورة توفير الخدمات والحياة الكريمة لأبناء البلدة. ولكن الصراع بين الحمائل شكلها وحجمها تبدل بعد تحول قرانا إلى مدن صغيرة ومرورها في سيرورات ظاهرة التمدن والمَديَنة. ونشأ بدلها انفلات اجتماعي نظرا لان دور النظام الأبوي "البطريرخالي" قد تبدل وتحول وضعف نتيجة لعدة أسباب ألخصها فيما يلي:
1- زيادة السكان السريعة خلال العقود الأخيرة أدت إلى تحولات في مبنى العشائر، الحمائل والعائلات الموسعة. وان التدرج التقليدي في المجتمع العظامي القبلي والقروي وحتى المَديني التقليدي تحول من اسر أو عائلات عدد أبنائها صغير نسبيا إلى عدد كبير، أصبح تباعد في القربى بينهم، حتى أن الأسرة النووية في سنوات 1950 أصبحت حاليا بطن/فخد أو حمولة أو على الأقل عائلة موسعة عدد أبنائها كبير. هذا الازدياد السكاني لا يمكن استمرار ممارسة الضبط التقليدي عليه، بل وزعت مركبات القوة بين مجموعات عائلية مختلفة، وحتى بينها أصبح تنافس على موارد القوة داخل البلدة.
2- تغيرات في مبنى الاقتصاد، من الاقتصاد الزراعي التقليدي الذي كان يعتمد على الدعم الأسري والعائلي في القوى العاملة وفي توفير موارد لاقتناء خدمات وتوفير حلول سكنية، إلى اقتصاد صناعي تجاري وخدماتي يعتمد المبنى الاقتصادي الرأسمالي والذي يعتمد على مبادرة الفرد، صراع بقائه، قدراته التنافسية ومهاراته الشخصية التي تتعدى حدود البلدة ولا تقف عن حدود المجتمع المحلي كما كان في عهد الاقتصاد الزراعي التقليدي. هذا يعني أن التبعية الاقتصادية التي شهدها المجتمع الزراعي الذي كنا نعيشه في قرانا قد تحول إلى اقتصاد السوق والذي يعتمد على الفرد مما خفف التبعية داخل الحمولة أو العائلة الموسعة وبين أبنائها، وأصبح يركز على الأسرة النووية.
3- ارتفاع مستوى التعليم وتبني علاقات تعتمد على الندية وليس التبعية، خاصة وان ارتفاع مستوى التعليم هو مصدر خلق حراك اجتماعي اقتصادي وسياسي. شمل ارتفاع مستوى التعليم الذكور والإناث مما طور سلوكيات جديدة لا تقبل النظام الأبوي التقليدي، وتدعو إلى التحرر منه وما زالت تتجنب أو حائرة وتترد في قبول أو تبني منظومة بديلة واضحة.
4- فرض نظام حكم يعتمد على الفرد وليس على المجموع/العائلة العشيرة في دفع مستحقات/التزامات/متطلبات الدولة. حيث أن نظام الضرائب القديم كان يفرض ضريبة على الأراضي ويتم جمعها من العائلة/العشيرة. وحاليا كل شخص تقع عليه مسؤولية شخصية فردية في دفع مستحقات الدولة. وان مبنى النظام الديمقراطي الحر يعتمد على الفرد. وان حالة العجز الديمقراطي التي نمارسها حيث يوجد خلط بين مفاهيم الديمقراطية وبين استغلالها لنيل قوة وتمثيلنا بواسطة ذوي مصالح على الغالب ضيقة، وفي بعض الأحيان لا يجلبون لنا المنافع، ساهمت في تطوير ظواهر عنف اجتماعي من نوع جديد لم نشهده من قبل.
5- الانكشاف والانفتاح السريع على العالم خاصة الغربي الرأسمالي ، نظرا للتقنيات الجديدة، وسائل الاتصال والمواصلات والتي تَنقُل منظومة سلوكيات جديدة نجد قبولا لها في المجتمع الذي يعرض نفسه لفظيا كمجتمع تقليدي ولكن يمارس عمليا منظومة سلوكيات مقلدة مستهلكة مما تؤثر ليس فقط على شكله ومظهره الخارجي بل تدخل إلى داخله وتساهم في تغيير أعرافه، قِيمه ومثله.
6- المعايشة اليومية مع المجتمع اليهودي الإسرائيلي الذي ينقل ويفرض على المجتمع العربي سلوكيات ومنظومات، لو خُيِّرَ المجتمع العربي لتجنبها. يجب الإشارة في هذا السياق أننا لا نعني هنا بمنظومة التمييز الإقصاء، الهيمنة، التبعية والتجزئة التي تمارسها سلطة الدولة نحو المجتمع العربي والتي لها أثر مباشر على شرذمة وتقطيع مجتمعنا، والتي نرغب أن نخصص لها مقالا خاصا، بل نقصد الممارسات التي يمارسها المجتمع اليهودي المديني والمنقولة من خلال الاتصال المباشر مع المواطن العربي بواسطة العمل/والالتقاء في مناطق الحيز العام، اللهو، الجامعة، مكان العمل....الخ.
7- الضائقة الاقتصادية التي أصبحت تعاني منها كثير من الأسر والتي أصبحت تتعلق بفرص اقتصادية محدودة ونظام استهلاك وتكاليف حياة مَدينيّة عالية ولا يوجد مصادر دخل كافية متوفرة في البلدة التي أصبحت مدينة. الانتقال السريع من نظام اقتصادي قروي ومن نظام استهلاك كفافي يعتمد على الزراعة ويشمل مصاريف محدودة، إلى نظام اقتصاد مديني استهلاكي وَلّدَ صراع بقاء من نوع جيد، به توفير متطلبات الحياة تتطلب جهدا كبيرا، خلق توترات كثيرة داخل الأسرة وبين أشخاص يتنافسون على فرص محدودة داخل البلدة، ومع ذلك أدى إلى انشغالات أرباب الأسر عن أبنائهم لكي يوفروا لهم لقمة العيش، ومتطلبات الحياة العصرية مقللين أهمية الإشراف، التربية والعيش مع أُسَرِهم، طور بعض الانفلات داخل الأسر.
هذه الأسباب وأخرى لم تُذكر، ولا نريد الإسهاب فيها بهذا المقال الموجز أدت إلى تحويل بلداتنا العربية من قرى صغيرة بقيت في الوطن بعد النكبة إلى بلدان كبيرة. وحاليا يمكن أن أشير إلى أن ما يزيد عن 94% من المواطنين العرب يعيشون في بلدات تعرف حسب دائرة الإحصاء المركزية كبلدات مَدينيّة، أي يزيد عدد سكانها عن 2000 نسمة. وان ما يزيد عن 65% من المواطنين العرب يعيشون في بلدان تعرف بانها مدينة وسطية " Intermediate Town" أو قرية-مدينية أو مدينة-قروية. وهذا يعني أننا لم نبق كما نريد مجتمعا قرويا، بل أصبحنا مجتمعا مدينيًا نمر بمرحلة تمدّن ونمارس حالة من المَدْيَنة المُشوهة. هذا الواقع أدى إلى مظاهر قَلَّ فيها الضبط الاجتماعي، زادت بها الفردية، نشأ فيها الحيز العام، زاد بها التنافس على الفرص المحدودة، خاصة تلك التي تُوَلدها السلطات المحلية بصفتها اكبر مشغل في البلدة. وكذلك زادت المشاحنات على الأراضي نتيجة زيادة الورثاء، ارتفاع سعر الأراضي وزيادة الطلب على السكن وشحة الأراضي السكنية وارتفاع أسعارها. والراصد لما يحدث في مجتمعنا مُنفَصِم الشخصية بين القروية والمدنية، يعيش الازدواجيات في سلوكه وأنماط استهلاكه للحيز العام، ويتعايش مع التناقضات في تعامله مع المؤسسات العامة القطرية والمحلية، يستطيع أن يجد تفسيرا أساسيا لظواهر العنف الاجتماعي التي نعاني منها، والسؤال كيف يمكن تخفيف ظواهر العنف هذه التي تقض مضاجعنا؟ لا شك بان الإجابة على هذا السؤال ليست سهلة، مع ذلك اود أن اطرح بعض الأفكار التي ربما تساهم في زيادة وعينا وإدراكنا للاستعداد لتخفيف المشاكل والعنف الاجتماعي الذي يزداد مع تطور التمدّن والمديَنة، وهي ليست مقصورة على مجتمعنا بل نشهدها في مجتمعات أخرى، ويمكن أن نستفيد من تجاربها ونأخذ العبر والدروس من وقايتها منها.
نقبل القول الذي يؤكد أن فهم المشكلة تشكل نصف الحل. وهذا يعني أننا بحاجة إلى الخروج من حالة التناقضات والازدواجيات التي نعيشها في واقع جيوسياسي فرض علينا وحال دون تطور حالة تمدن طبيعية لدينا وتشكيل تدرج حضري فيه أنماط استيطان بشري يشمل المضارب البدوية، القرى، البلدات والمدن. إن نكبة 1948 أدت إلى نكبة المدينة. وحاليا نحن في مرحلة استئناف بناء مدننا وبلداتنا التي انطلقت من واقع قروي كَبُرت ديموغرافيا، انتفخت حيزيّا، تغيرت وظائفيا وتحولت اجتماعيا وثقافيا. واعني هنا في بناء مدننا ليس فقط بالمعنى الفيزيائي، بل بالمعنى الذهني، السلوكي، الثقافي والاجتماعي. ونحن في هذا السياق نسير كما هو شأن العالم. حيث أن الإحصائيات والتوقعات العالمية تشير إلى انه حتى عام 2025 حوالي 75% من السكان في العالم سوف يسكنون المدن. وأصبح القول بان القرن التاسع عشر كان عهد الإمبراطوريات، وان القرن العشرين كان عهد الدول الوطنية/القومية وان عهد القرن الواحد والعشرين هو عهد المدن. ونحن نسير في هذا المسار الذي يشمل التمدن والمدينة وتحول بلداتنا من قرى صغيرة أو كبيرة إلى مدن وسطية. وان المدن مكونة من أحياء يمكن أن تكون مبنية/مسكونة على أساس طبقي أو على أساس تمايز انتماء اجتماعي، وليست حارات تقليدية. داخل هذه المدن يحدث حراك سكاني ليست بالضرورة على أساس انتماء عظامي، بل على أسس عصامية، قدرات اقتصادية وميول اجتماعية ثقافية. اتلنا في أحياء المدن، التي تعرف باسم مُطَوَع باسم "مدن مختلطة" وهي ليست كذلك، يعون ظواهر انتقال سكني ودخول سكان من أصول اثنيه وانتماءات ثقافية مختلفة. هذا الواقع بدأنا نشهده في بلداتنا. فانا على سبيل المثال ابن كفركنا، كنت في صباي اعرف تقريبا معظم أهالي بلدي، وحتى عندما انظر إلى شخص أستطيع أن أمَيّز على الغالب من أي أسرة هو ومن والده. ولكن حاليا أسير في طرق بلدي، والتقي في الطريق بشباب وفتيان لا استطيع إن أميزهم "حسب الدم" كما يقولون، أو حسب "اسم العائلة"؛ لان بعضهم قدموا إلى بلدي ويسكنون فيها، ومع مزيد الأسف هناك من يطلق عليهم أنهم "غرباء" قدموا إلى البلدة. هذه الهجرة الوافدة مع أنها محدودة ولكنها بازدياد، ويجب أن نقر بوجودها ونتعامل معها كأمر طبيعي وجزء من عملية التمدين التي تمر بها بلداتنا العربية، رغم محاولات تجنبها أو حتى توريتها لفظيا. كذلك فان سلوك الشباب وقضاء أوقات فراغها، وما أكثرها، تتطلب توفير حيز عام مناسب يحضنها ويشكل دفيئة موجهة لهم مستثمرة طاقتهم لمركبات بناءة. إن مبنى هرم الأجيال لدينا يظهر أننا مجتمع شاب ما يزيد عن 50% منه دون سن العشرين. وهذا يعني أن هذا المجتمع سوف يواجه إشكاليات كبيرة مع هؤلاء الشباب إذا لم نعمل بقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه "اعدوا أبنائكم إلى زمان غير زمانكم". وهذا يعني أننا نحن النخب الثقافية الأكاديمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية تقع علينا مسؤولية توجيه وخلق فرص لشبابنا لدرء دخولهم إلى مأزق وورطات تدفع بهم إلى ممارسة بعض ظواهر العنف الاجتماعي. وان مسؤوليتنا هذه تنطلق من قاعدة أنهم أبناء شعبنا وبلدنا وأهلنا وليس أبناء عشيرتنا أو حمولتنا فقط. أي أن النخب يجب أن تغير خطابها وسلوكها الذي يعتمد على بناء مجتمع وليس استخدام الانتماءات العظامية لنيل بعض المصالح التي ربما تكون فائدة شخصية ولكنها لا تساهم في الفائدة والمنفعة المجتمعية.
وهنا لا بد من الاشارة إلى دور الحكم المركزي والدولة الإسرائيلية التي مارست وتمارس ضدّنا سياسة مُمَنهجة لإقصائنا من الحيز العام وتهجين شخصيتنا وتحويلنا من مجتمع له مكوناته ومميزاته الاجتماعية والثقافية إلى أشلاء من الطوائف، القبائل والحمائل. لقد واجهنا هذه السياسات، ولكنها في بعض الحالات كانت أقوى منا، وفي حالات أخرى لم نضع الآليات المناسبة لمواجهتها ومقاومتها بشكل يؤمن تنميتنا كمجتمع. وحاليا ارتفعت الأصوات التي تطالب تدخل الدولة لحفظ النظام العام في بلداتنا المتمدنة، لأننا عجزنا كمجتمع عن توفير الأدوات التي تقاوم العنف الاجتماعي. وان الخطاب بشان تدخل الشرطة في فضّ الخلافات وحفظ النظام العام في الحيز العام في بلداتنا ما زال خجولا مترددا ومتناقضا. حتى أن الشرطة نفسها أصبحت تدعي بأننا نحن نعيق عملها في حفظ النظام العام، وبذلك لا تقوم بدورها بشكل لائق، وان أدته تقوم بأدائه بشكل عنيف مُنَفر مؤكدا بعض أقوالها الذي ينطبق عليهم القول "كلمة حق يراد بها باطل". إن موقفنا من أداء الشرطة كمؤسسة، دورها حفظ النظام العام وخدمة المواطن، كان بأنها ذراع سلطة غاشمة تسعى إلى مصادرة أراضينا، هدم بيوت، وضبط حراكنا. عندما كنا مجتمعا قرويا تسيطر عليه منظومة الضبط الاجتماعي التقليدية المبنية على البطريارخالية، كانت هناك أمكانية استغناء جزئي عن خدمة الشرطة، إلا في حالات نزاعات بين حمائل. ولكن حاليا بعد تحول بلداتنا إلى مدن وزيادة الفردانية وضعف الضبط الاجتماعي والاحترام لممثلي المجتمع ونخبه، فلا بد من دخول عنصر يؤمّن الأمن في الحيز العام في بلداتنا، لان هناك عجز عن توفير بديل مناسب. وفي هذا السياق علينا نحن كمجتمع التدارس وتطوير حلول تمكن التوفيق بين دور الشرطة ودورنا كمجتمع.
يجدر القول بأنني لستُ من مناصري منظومة المجتمع البطريارخالي التقليدي، وكذلك لست من المنادين بدخول مطلق وإطلاق العنان للشرطة بالتدخل في أي صغيرة وكبيرة. في فض العنف الاجتماعي؛ بل علينا تطوير أدوات واليات ومؤسسات مجتمعية تتناسب مع ظروفنا وسياقنا، تمكن من توفير الأمن الشخصي والمجتمعي في مرحلة التمدن والمدينة التي نعيشها وسوف تتطور وتتسع في مجتمعنا.
ونظرا لان القرن الواحد والعشرين هو عهد المدن، وان المدن تدار بواسطة بلديات وسلطات محلية تقع عليها مسؤولية بصفتها "حكومات محلية" توفير الخدمات العامة، توفير الحيز العام وإدارة شؤون مواطنيها، مما يتطلب إعادة النظر بشكل كلي في كيفية إدارة سلطاتنا المحلية، بلدياتنا ومجالسنا المحلية. نحن نعرف أن من أسباب العنف الاجتماعي في بلداتنا هو الصراع على السلطة المحلية وعلى الموارد التي تديرها والفرص التي يمكن أن نفتحها وتوزعها. ونحن مقبلون على انتخابات محلية، ربما تدفع في بعض الأحيان إلى نشوء مشاحنات ونزاعات وتشعل ثأرا سابقا في بلداتنا. لذلك فان وعينا لدور السلطة المحلية في خلق البيئة والظرفية لتقليل ودرء العنف الاجتماعي، يتطلب منا التعامل مع إدارات السلطة المحلية بجدية، وعلى المرشحين والمنتخبين تقع مسؤولية كبيرة لتطوير أدوات تدير بلداتنا المدينيّة بشكل لائق وتوفر الفرص والتخطيط الحضري الذي يساهم في تخفيف العنف الاجتماعي. بالإضافة الى الحكم المحلي، فان المسؤولية تقع على مؤسسات المجتمع المدني التي بدأت تظهر مع عملية التمدن والمَديّنة. هذه المؤسسات والنخب المختلفة لها دور يجب أن تؤديه لأجل خفض العنف الاجتماعي.
وأخيرا أود أن أقول بان العلاقة بين ظواهر التمدن والمَديَنة كشفت عنها دراسات كثيرة، وحتى أن دراسات جغرافية الجريمة أظهرت أن الجريمة والعنف داخل المدن له أنماط ومسببات، لا يمكن القضاء عليها بل تخفيفها. ولذلك فان رصدا حقيقيا لمشهد حياتنا وقراءة ناقدة لواقعنا ومستقبلنا يتطلب منا الاستعداد المناسب، وليس الاكتفاء بالقول بان ذلك لا يحدث لنا، ونحن مُحَصّنون. وان الحقيقة أننا نشهد تحولا في بلداتنا من القروية إلى المدينة وهذا يتطلب الاستعداد والمعالجة المناسبة، بما في ذلك درء العنف الاجتماعي الذي يرافق هذا التحول.
- مخطط مدن وأقاليم
قسم الجغرافيا ودراسات البيئة، جامعة حيفا- ومركز التخطيط والدراسات – كفركنا

