- 11 كانون أول 2019
- أقلام مقدسية
بقلم: القاضي المقدسي فواز ابراهيم نزار عطية
بدأت عملية تهويد مدينة القدس في مطلع القرن الماضي وخصوصا عقب بداية الانتداب البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى والتي شهدت القضاء على دولة "الخلافة العثمانية" ، حيث مكّن الانتداب البريطاني الحركة الصهوينة بنزع الطابع العربي المسيحي والإسلامي عن بعض المناطق في القدس الموحدة وعلى وجه التحديد في بعض أجزاء من البلدة القديمة وبعض أجزاء غربي القدس، بفرض طابع يهودي لجعل الرواية الصهيونية بأن كل شيئ يهودي في مدينة القدس من أجل طمس الحقائق التاريخية ودحض الرواية العربية ولتعزيز ولتنشيط عمليات الهجرة ليهود العالم إلى أرض الميعاد وفق المعتقد اليهودي، وذلك على حساب التواجد العربي الفلسطيني منذ فجر التاريخ المُثبت والمُدعم بحقائق ومستندات على مرّ عمر الدولة العثمانية بالحجج الشرعية الصادرة عن محكمة القدس الشرعية.
وبعد الإنقضاض على الإمبراطورية العثمانية، شهدت مدينة القدس أكبر عملية تزوير في التاريخ، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وتدحرجت كرة التزويرعام 1948 واستحكمت حلقاتها في عام 1967 بعد النكسة، ووصلت عملية التزوير اقصى بشاعتها بمحاصرة الأحياء العربية بمشاريع ذات طابع يهودي بهدف نزع الطابع العربي في جميع الأحياء العربية المسيحية والإسلامية، وتوّجت بإعلان مخيبٍ ومخالفٍ للقانون الدولي منذ 6/12/2017 عندما قرر دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية اعتبار القدس عاصمة لدولة الإحتلال، وبهذا المسلسل التهويدي وجدت السلطة المحتلة أن نزع وجه الحضارة العربية في القدس سيكون مسمار النعش الأخير في حي المصرارة الحي التجاري الوحيد المفتوح في قلب المدينة، بعد أن نُزع الحي التجاري في غرب سور القدس من جهة باب الخليل وشارع يافا عام 1948، وبعد طمس معالم سوق الجمعة لتجارة الحلال" المواشي" بالقرب من باب الأسباط وتحويله لمكب النفايات نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، ليكون حي المصرارة اليوم الهدف الأخير في نزع الطابع العربي بالإضافة لأحياء اخرى تبعد بعض الكيلوكترات عن سور القدس سنذكرها في هذا المقال.
يكمُن الهدف من وراء تلك السياسة الإسرائيلية في المقام الأول لحسم الحرب السكانية لصالح اليهود" حرب الديموغرافيا"، ولجعل نسبة السكان اليهود في القدس أكثر من 75% بينما نسبة 25% المتبقية موزعة على المسيحيين والمسلمين والأجانب، حيث ستكتمل الخطة بمزيد من فرض الضرائب وتعقيد عمليات استصدار رخص البناء وفرض الرسوم الباهظة على ضريبتي الشراء والبيع للعقارات بالإضافة لفرض رسم ضريبة التحسين التي تصل 50% من قيمة العقار، وبين هذا وذاك يجب ألا ننسى أن حرب التعليم والمناهج وفرض وسائل تعليمية مدعومة من بلدية الإحتلال وبأرقام فلكية لجعل المنهاج العربي الفلسطيني أمام تلك المغريات فريسة سهلة تذوب بشرك المنهاج الإسرائيلي وأدواته.
وسائل ومخططات تحت مسميات مختلفة، ستزيد من اعداد اليهود المدعومين من سلطة الاحتلال، وبذات الوقت تلك الوسائل ستزيد من إجبار الفلسطينيين المقدسيين لمغادرة المدينة الذين لم يجدوا أدنى مقومات الدعم والمساندة في مقاومة تلك الوسائل إلا بالفتات، وبمزيد من هدم البيوت من السلطة المحتلة بوسائل دعم الصمود الغير متكافئة، دفع بلدية الاحتلال لغض الطرف عن البناء العشوائي الغير آمن في منطقتي كفر كقب القريبة جدا من حدود البيرة –رام الله وضاحية السلام في عناتا، لتهجير ابناء القدس من الأحياء محل التهويد.
لم يكتفي الاحتلال بذلك، بل قامت السلطات الإسرائيلية بعدد وافر من إجراءات التهويد للمدينة للمرافق العامة، منها على سبيل المثال ما تم بتحويل جزءا كبيرا من مقبرة القدس "مأمن الله" إلى حديقة عامة سميت بـحديقة الاستقلال، وفي منتصف عام 2000م قامت شركة الكهرباء الإسرائيلية بأعمال حفريات بالمقبرة وساهموا في تحويل جزء منها إلى موقف سيارات، كما وتم إقامت أبنية على نسقٍ صهيونية مخالفة للملامح العربية والإسلامية، وهذا ما تم فعله في مبنى "المجلس الإسلامي الأعلى" الذي حُول لفندق، لتشويه صورة المدينة العربية بطرازها المسيحي والإسلامي، فبعض تلك الأعمال تعد تغيير لمكانة القدس سياسيّا وديموغرافيّا.
ولم يَخلُ الأمر من تشويه الآثار العمرانية على سور القدس والصاق نجمة داود في بعض المواقع، بل طالت تغيير أسماء المعالم في القدس القديمة، ومن الأمثلة على التزوير والتشويه: طريق سليمان الذي أسمته رحوف هتسنحايتم، باب المغاربة التي أطلقت عليه اسم رحوف بيتي محسي، زاوية أبي مدين الغوث وحولته لاسم عقبة الشاعر يهودا هاليفي…... إلخ.
لا ينتهي الحديث عن التهويد، حيث استمرت السلطة المحتلة في تحريف الحقائق والواقع الميداني على مدار عقود خلت وما زالت، وكنتيجة لتماديهم في التحريف والتغيير، فاق توقع بعض المسؤولين الإسرائيلين بتعمير دولة الإحتلال لثمانية عقود وفق صريح أقوال وزير الحرب الإسرائيلي يوم الاحد الموافق ل 8/12/2019 "نفتالي بينيت" خلال مؤتمر صحيفة "ماكور ريشون": "إننا داخل العقد الثامن لدولة إسرائيل وفي تاريخنا كله، كان لنا دولتين هنا في أرض إسرائيل، لكن لم ننجح أبدا في عبور العقد الثامن كدولة موحدة وذات سيادة، ونحن في عقد توجد فيه تهديدات من جهة وفرص من الجهة الثانية والعام 2020 هو عام مع تهديدات كبيرة، ولكن مع فرص كبيرة أيضا.....
يبدو أن القدس ستواجه أخطر مرحلة تهويدية على الإطلاق، فالتركيز على المتغييرات " الدراماتيكية " في شارع السلطان سليمان وحي المصرارة وشوارع مركز القدس في الوسط واطالة نفق باب الخليل وصولا لجبل المكبر في الجنوب، والحديث عن المخططات التنظيمية المهولة التي طرح بعضها وقيد الطرح للباقي، بما يحقق أهدافهم إلى التغيير الجذري لوجه الحضارة العربية والإسلامية في القدس حتى نهاية عام 2030، مما سينكعس حتما على الوجود العربي فيها.
على أولي الأمر والمسؤولين الفلسطينيين وبالتعاون مع حكومة المملكة الاردنية الهاشمية القيام بشتى المجالات القانونية، لتفعيل الدور الهاشمي للوصاية وتفعيل الاتفاقيات الدولية، منها ما نصّت عليه معاهدة السلام بين الأردن وإسرائيل في ( أكتوبر / تشرين الأول 1994) على احترام الأخيرة الدور الحالي للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن المقدسة من القدس ، وتنفيذا لما تم الاتفاق بموجبه بين القيادتين الفلسطينية والأردنية في 31 آذار عام 2013 ، التي تؤكد على حق الوصاية الاردنية على كامل الأماكن المقدسة في القدس، وتفوض الاتفاقية جلالة الملك عبد الله بن الحسين بأن له الحق في بذل جميع الجهود القانونية للحفاظ على القدس.
وبالتالي مسؤولية القدس هي مسؤولية جماعية بين القيادات العربية والإسلامية وبين جموع الشعوب العربية والإسلامية وحكوماتها، كما وأنها مسؤولية دولية لحماية الشرعية الدولية، فقرارات مجلس الأمن والقرارات الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة كما هو الحال بالنسبة لقرار الدين اتشسون" قرار الإتحاد من أجل السلام" جميعها ملزمة.
الأمر الذي يستدعي لحماية القدس وأهلها الإنتقال من خانة الشجب والإستنكار والتنديد إلى خانة العمل والتصعيد في ميدان القانون الدولي وأدواته، مع ضرورة اتقان لغة المصالح مع الدول الداعمة سرا وعلنا لسلطة الإحتلال.
وأخيرا فإذا لم يتفعيل جبهة التضامن الفعلي للقدس وأهلها ومؤسساتها وحجارتها ومعالمها من العالمين المسيحي والإسلامي، فلا يستهجن أحدا بعد اليوم في ظل الحملات والمخططات التهويدية التي وصلت ذروتها اليوم السلطة المحتلة، بأن نجد المسجد الأقصى يحول إلى أثر على عين ومكانه هيكل سليمان المزعوم، وأن كنيسة القيامة ستجد نفسها في مقام جديد وفق بعض الروايات الصهيونة في منطقة خارج اسوار القدس بالقرب من طريق بيت لحم - القدس.

