• 21 كانون أول 2019
  • أقلام مقدسية

 

بقلم القاضي المقدسي : فواز ابراهيم نزار عطية

 

منذ آلاف السنين تصارعت الأمم ولازالت واحكمت قبضتها العسكرية على بعضها البعض، فاستعمرت الدول واحتلت البقاع ، ورغم تعاقب الدول والأمم على مختلف الاقطار والامصار، فذهب الزبد ومكث من الناس من نفع الأرض وملأها عدلا وإحسانا.

رفع الله ما شاء من الحكـومات المتعاقبة بين ملك عضود وملك جبري منذ الفتح الإسلامي قبل 1450 عاما، حتى تكالب ابناء الأمة الإسلامية على السلطة وتآمر بعضهم على بعض بالإستنجاد بالعدو والتفاخر بالمعاصي، فمحق الله ملكهم ومزق عروشهم وطبق سنته على الأرض بأن جعل الدمار والتدمير عاقبة لكل من حاد عن امره وشرعه.

 تساوت المعاصي بين اصحاب الديانات الثلاثة، واختلف ميزان العدل على الارض، وأصبح إقامة العدل وأداء الحقوق لأهلها من أسباب بقاء الدول وتفوقها وغلبتها، إذ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة (الحسبة): "الجزاء في الدنيا متفق عليه أهل الأرض، فإن الناس لم  يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة، ولهذا يروى: " أن الله  ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة" ، ولما سمع عمرو بن العاص المستوردَ بن شدادَ يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: تقوم الساعة والروم أكثر الناس. قال له عمرو: أبصر ما تقول؟ فقال المستورد: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمرو: لئن قلت ذلك؛ إن فيهم لخصالا  أربعا : إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك" (رواه مسلم).

وفي المقابل هذه الأيام أصبح الغالب الأعم في نهج وسيرة بعض من المجتمعات الإسلامية وللأسف، بأن دخلت طريق الظلم وسلكت دربه بعمق، فضاعت الأمانة وكُتمت شهادة الحق واستبدلت بشهادة الزور، وأصبح إهدار الحقوق سمة وآفة ومعالم للخراب والهزيمة بعد أن وُسّد الأمر إلى غير أهله.

وهذا أصل مقرر في علم الاجتماع، وقد اورده ابن خلدون رحمه الله في مقدمته فصلا بعنوان :"الظلم مؤذن بخراب العمران".

وقد ذكر ابن كثير في حوادث سنة 615 هجري أن المعظم أعاد ضمان القيان والخمور والمغنيات وغير ذلك من الفواحش والمنكرات التي كان أبوه قد أبطلها، بحيث إنه لم يكن أحد يتجاسر أن ينقل ملء كف خمر إلى دمشق إلا بالحيلة الخفية، فجزى الله العادل خيرا، ولا جزى المعظم خيرا على ما فعل، واعتذر المعظم في ذلك بأنه إنما صنع هذا المنكر لقلة الأموال على الجند واحتياجهم إلى النفقات في قتال الفرنج. ثم علق ابن كثير على ذلك فقال: وهذا من جهله وقلة دينه وعدم معرفته بالأمور، فإن هذا الصنيع يديل عليهم الأعداء وينصرهم عليهم، ويتمكن منهم الداء ويثبط الجند عن القتال فيولون بسببه الأدبار، وهذا مما يدمر ويخرب الديار ويديل الدول، كما في الأثر: إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني. وهذا ظاهره في معظم الدول العربية التي تعيش فتن كثيرة لا يضاهيها في القتل والجور أي بقعة أخرى من العالم.

لذلك شدد بعض الخلفاء على نشر العدل بين الرعية، فقد كتب أحد الولاة إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز: يطلب منه مالاً كثيرا ليبني سورًا حول عاصمة الولاية، فقال له عمر: ماذا تنفع الأسوار؟ حصنها بالعدل، ونَقِّ طرقها من الظلم.

نعم العدل أساس الملك وحصن الأمن في الدنيا والآخرة، فطوبى لمؤسسي العدل في رعيتهم، وطوبى للمدافعين عن الحق في أوطانهم، وطوبى لكل صادع بالحق في طريق يسلكه أو جهد يبذله أو عمل يعمله ، كل في موقعه ، كل في ركنه كل في خندقه.

فمهما بحثنا في قاموس الكلمات لن نجد اقوى تعبيرعن الظلم: "بأنه أسرع شيء إلى تعجيل نقمة وتبديل نعمة".

لقد تخلل هذا الموضوع  بعضا من القصص عبر تاريخ مضى وتجاوز الاربعة عشر قرنا، ورغم أن قصص العدل والظلم لا تعد ولا تحصى، إلا أنني اخترت بعضها  ليتذكر القارئ الكريم كيف كانت عاقبة الامة عبر مختلف الازمان ما بين عز وشأن بين الأمم إلى ذل وهوان، فالعدل بين الرعية في مختلف المجالات وتوزيع الثروات من اسباب القوة والديمومة.

لذلك  كتب القاضي شريح بن الحارث الكِندي فوق مجلسه " إنّ الظالم وإن حكمت له ينتظر العقاب، وإنّ المظلوم وإن حكمت عليه ينتظر الإنصاف"، فالعبرة من هذه الحكمة أن الظالم يعلم نفسه جيدا والمظلوم كذلك، فلا عدل إلا بمراجعة النفس وكبح جماحها عن الهوى.

فهل من متعظ،،،،،،