- 31 كانون الثاني 2020
- أقلام مقدسية
بقلم : عزام توفيق ابو السعود
خسرنا بالأمس علما من أعلام القدس، رجل ستستفقده المدينة وشوارعها، وسيستفقده ألأصدقاء والمحبين، وما أكثرهم، وسيفتقده كل من سار معه في شوارع القدس القديمة، يخدثهم مطولا عن كل مكان يتوقفون به، سنفتقد معه ذاكرة ثرية لتاريخ القدس، رجل عرف كل حجر من حجارة القدس، وكل معلم من معالمها، من وضعه في مكانه؟ وفي اي عصر أو حتى سنة تم ذلك؟ رجل يعز علي أن أنعاه، بعد أكثر من أربعين عاما من الصداقة ، ومن الاستماع الى احاديثه الشيقة، نتناقش دوما فيما نقرأ، ويهديني نسخة من كتاب استمتع به وهو يقرأه، نقضي يوما كل شهر تقريبا، نسترجع فيه الماضي ونحلل الحاضر، ونستقرأ المستقبل !
ذاك هو ألبرت أغازريان، الموسوعة التاريخية ، الذي فارقنا أمس، بعد صراع مع المرض، أبكيه اليوم، وينفطر القلب ألما لفراقه، فما أصعب أن يفارقك صديق يندر أن ترى صدق صداقته، وصدق مشاعره نحوك.. رجل جمعتني معه السنوات، سافرنا معا عدة مرات، حضرنا نقاشات صاخبة، وجلسات نسري فيها عن أنفسنا، وتبادلنا أحاديث وذكريات لمواقف نتندر بها، نجمع الجد بالهزل ، والمعلومة وتحليلها، الكلمات وأصولها.. التقينا معا بكتاب وسياسيين ومفكرين ومؤرخين، حاورناهم وحاورونا.. في النمسا وايطاليا واسبانيا وقبرص وغيرها من البلدان...
سأذكرك يا ألبرت كلما سرت في شارع الواد بالبلدة القديمة من القدس، فقد سرت فيه معك من باب العمود الى باب السلسلة، مشينا ساعتين كاملتين نتوقف عند كل معلم فيه ..وأنت تحدثني عنها وأنا كبدو كتلميذ يتشوق للمعرفة، رغم أنني أكبرك بعام.. سرنا ساعتين بينما العادة أن اقطع الشارع في خمس دقائق.
سأذكرك يا ألبرت عندما مشينا معا يوم العيد، من منتصف باب السلسلة صعودا الى سوق العطارين، فالدباغة فالكنيسة اللوثرية، كان معنا اثنتين من بناتي،أسرتهن بمعرفتك، وباسلوبك الشيق في الحديث والشرح، وبسعة اطلاعك ..
عملت معك خمسة عشر عاما ممتعة في جامعة بير زيت .. أستذكر يا ألبرت أيام اغلاقات جامعة بيرزيت، وحصارها من قبل جنود الاحتلال، كيف كنت تجادل الجنود لتأمن سلامة الطلاب والأساتذة والموظفين.. اسلوبك في نقاش المحتلين كان من مركز قوة لا ضعف أنت والمرحوم الدكتور جابي برامكي الذي كنت تعتبره عرابك ...
أستذكر ألبرت في المؤتمر السياسي الأول لجامعة بيرزيت في فندق الإمبسادور بالقدس، أوائل التسعينات، كم كان نجمه متألقا حينها، وهو يرى نتاج تحضيراته هو وصديقنا الثالث عيسى مصرية لهذا المؤتمر!
استذكر ألبرت أغازريان في مؤتمر مدريد، كمنسق اعلامي للوفد الفلسطيني المفاوض، ودوره المتميز في تلك الأيام....
أستذكر مرافقته للرئيس الأمريكي جيمي كارتر أيام مراقبته للإنتخابات التشريعية الفلسطينية، وخاصة في القدس.. ومرافقته لأكثر من رئيس دولة أجنبية أو وزير أو أعضاء برلمانات دولية، كيف كان يشرح لهم تاريخ القدس ..
تطول تطول الذكريات مع ألبرت .. ولا تسعها صفحات أو حتى كتاب ,, كم سأفتقده.. وكم ستفتقده شوارع القدس ، ومعارفه وأصدقاؤه ، وهم من جميع الطبقات، سيفتقده من يعشق التنباك العجمي في مقاهي القدس التاريخية.. بعد أن استغنى عن الغليون ليعشق الأرجيلة ..
يؤلمني فراقك يا ألبرت .. رحمك الله وعوض القدس بأمثالك.. والعزاء لأرملتك وابنك وابنتيك هي الدنيا تفرق الأحباب .. لكن ذكرك سيبقى في قلوب من علمته، أو صادقته أو عرفته!...

