• 6 آذار 2020
  • أقلام مقدسية

بقلم : سامح المحاريق

 

قبل ثلاثين عاماً، لم تكن صفة البضاعة قليلة الجودة رخيصة السعر مرتبطة بالصين، فجزيرة تايوان كانت تقوم بهذه المهمة، إلا أن السنوات اللاحقة جعلت الصين تتقدم اقتصادياً بصورة هائلة، مستندة إلى مقومات اقتصادية تتمثل في وفرة العمالة الرخيصة والثروات الطبيعية، وأخرى سياسية تتعلق بمركزية النظام الصيني في اتخاذ القرار، وسيطرته على الأفراد، فالديكتاتورية، وفي عدة نماذج تاريخية، تستطيع أن تقود طفرات اقتصادية ملموسة، كما حدث في ألمانيا النازية وتشيلي تحت حكم بينوشيه.
يمكن القول إن الألفية الجديدة حملت العصر الصيني إلى العالم، ووضعت الصين قوة لا يمكن تجاهلها، بل يذهب البعض إلى أنها المرشح الوحيد لتخلف الولايات المتحدة في قيادة العالم، إلا أن فيروس كورونا أتى أيضاً بكثير من التساؤلات، وكان من أهمها، الذي طرحته مجلة «الإيكونومست» البريطانية حول المخاطر المرتبطة بوضعية الصين، بوصفها مزوداً رئيسياً لكثير من الصناعات حول العالم، سواء بالمواد الخام أو نصف المصنعة أو البضائع، فمن المؤكد أن الأثر الذي يتركه فيروس كورونا من الناحية الاقتصادية، بغض النظر عن الجانب الصحي، يرتبط بموقع الصين ومكانتها.
لم يشهد العالم مثلاً درجة الهلع نفسها من فيروس إيبولا، فالحديث وقتها بقي مشوباً بدرجة من التعاطف، أمام معاناة دول غرب افريقيا من الفيروس، وكثير من الدول اعتبرت نفسها بمعزل عن الفيروس، أما في حالة الصين فتداخلها في الصناعة، وفي حركة التجارة العالمية، والأعداد الكبيرة من المسافرين من وإلى  الصين، كلها كانت عوامل كفيلة بتحويل الكورونا إلى كابوس عالمي. الفيروس تحول إلى ذعر اقتصادي حقيقي، والعالم مهدد بمزيد من التعطل، ولكن شيئاً في الأمر، ربما يفتح شهية أصحاب نظرية المؤامرة، ولا نتبنى بأي شكل المقولات التي تذهب إلى تخليق الفيروس في المعامل، وضرب الصين من خلاله، فهذه مسألة تدخل في حيز الخيال العلمي والجريمة واسعة النطاق، ولكن تحرك المؤامرة يأتي في التهويل من الفيروس وطريقة التعاطي الإعلامية معه، والتركيز على المخاطر المرتبطة أصلاً بالعادات الصحية للشعب الصيني، وهي بالمناسبة لا تختلف كثيراً عن بقية دول شرق آسيا، وربما تكون أفضل نسبياً من الهند وبنغلاديش، وعلى سيرة الهند، تأتي زيارة الرئيس الأمريكي إلى الهند في ذروة تفاعلات الخوف من كورونا، لتضيف سبباً جديداً للاعتقاد بتوجه الأمريكيين إلى استثمار المأزق الصيني مع كورونا حتى آخر لحظة، فاليمين الهندي يقدم نفسه مرشحاً لمزيد من السيطرة، بما يجعل الهند مرشحة بشكل أو بآخر لتبني النموذج الصيني.

 التغطية الإعلامية تضع الصين في قفص الاتهام، وبمقارنة ما يحدث حالياً، مع طريقة التعاطي العالمية مع فيروس السارس ذي المنشأ الصيني أيضاً، قبل ثمانية عشر عاماً، لا نجد سبباً يجعل العالم يستبعد نظرية التهويل والاستثمار السياسي والاقتصادي لفيروس كورونا، من أجل إضعاف الصين، والبحث عن بدائل أخرى كما تقترح بعض الأوساط الاقتصادية مؤخراً.
هدية أخرى يتلقاها الرئيس الأمريكي ترامب في الأشهر الأخيرة من ولايته الرئاسية الأولى، فالحرب التجارية مع الصين تتخذ منحى آخر، ويتحول ترامب بين ليلة وضحاها إلى رجل صاحب رؤية، بخصوص تغول الصين اقتصادياً، بعد أن كان الاقتصاديون يصفونه طويلاً بالعدوانية، والانقلاب على القيم الخاصة بالتجارة الحرة، والأمريكيون سيلعبون دوراً مهماً في تحديد الدول التي يمكن أن تصعد لتنافس الصين على موقعها الاقتصادي، ويمكنهم احتضان أنظمة موالية فكرياً وسياسياً لليمين الذي يمثله ترامب، بما يعطيه وضعية طبيعة في المنظومة العالمية، على أساس قيادته للتحولات العالمية بعد فشل منظومة العولمة، والعودة من جديد إلى نظرية السيطرة الإمبراطورية في نسخة تحقق عوائد أكبر وأسهل بالنسبة للأمريكيين.
من السذاجة الافتراض أن الصين ستقف مكتوفة الأيدي لاستدراك ما ألحقه الفيروس باقتصادها وسمعتها العالمية، ولكن أي اجراءات صينية ستستغرق وقتاً طويلاً وستتطلب إعادة تمركز جديد حول العالم، ومزيداً من الاستثمارات خارج الصين، وربما تصدير للعمالة الصينية تجاه محطات أخرى من العالم، وكل هذه الإجراءات ستستغرق وقتاً لا يمكن أن يحول دون تحقيق انتصار ترامب في هذه الجولة، كما أن الصين تفتقد القدرة على التأثير في الإعلام والمزاج العالمي، وهو ما استغله الأمريكيون ضد الصين هذه المرة، ومن ثغرة الخوف العالمي من الموت العشوائي، الذي يشكله الفيروس، والتأكيد على ربطه بالصينيين وممارساتهم اليومية والصحية. سيتغير النموذج الصيني بشكل كبير، ولكن هل يترك تغييره آثاراً على النظام الصيني ككل، وهل تستطيع الصين استئناف طريقها وتطلعاتها؟ أم أنها ستحاول المحافظة على مكتسباتها الحالية؟ أم أنها ستشهد تراجعاً كبيراً مع الوقت؟ وما هي البدائل الممكنة للصين، وما هو الأثر الذي سيشهده العالم في هذه الحالة، وما هي المعادلات السياسية التي يجب أن تتغير؟ كل هذه الأسئلة سيتولى الإجابة عنها فيروس مجهري صغير، يضع العالم بأسره أمام جملة من الأسئلة الفلسفية والعملية التي تحتاج إلى إجابات عاجلة، والأسابيع المقبلة قبل استقرار الصيف ستشهد مزيداً من التفاعلات، لاستثمار تواصل حالة الهلع في العالم، واقتناص الفرصة التي حملها الفيروس للبعض، في عالم لم يعد متضامناً من الناحية الأخلاقية ولو بصورة شكلية، فالأخلاقيات لم تعد أصلاً ورقة التوت التي تتخفى وراءها وحشية السياسة، ومعها أدواتها المختلفة مثل، الاقتصاد والإعلام.
 القدس العربي