- 2 نيسان 2020
- أقلام مقدسية
بقلم : هشام الرجبي
بات من المستحيل ان ترى المارة من شوارع وزقاق وحارات البلدة القديمة في مشهد لم تألفها مدينة القدس من قبل ، فلقد اصبح من الصعوبة بمكان رؤية الناس وان وجدت فانهم افرادا يمكن عدهم على اصابيع اليد الواحد .
فهناك ترى عند بوابة سوق باب خان الزيت مجموعة من الفتية يتحدثون ويضحكون كأنهم يبحثون عن أي شيء يملئ فراغهم حتى لو كان موقف عبثي ؛ وعند مدخل عقبة الجبشة بائع الخضار يقف امام الحانوت معه اشخص ربما اخوته او عمال يعملون لديه وزبون واحد فقط هي سيدة عجوز تساله عن سعر البندورة والخيار وكم حزمة الثوم .
المضحك المبكي في الموقف ان اربعة من العمال او اخوته يتأهبون كل يحمل كيس فارغ في يده ينتظرون من هذه السيدة العجوز ان تقرر ماذا تريد من الخضار ، لقد كان هذا المحل تحديدا في الايام العادية يغص بالزبائن حتى ان الزبون كان يحتاج ان يقف بالدور لينال حاجته فلقد كانت الزبائن بالعشرات ؛ واليوم يمر كل ربع ساعة او اكثر لنرى زبونا يسال ويفاصل قبل الشراء ، واحيانا كثيرة لا يشترى ، سبحان مغير الاحوال بين الامس القريب وعشرات الزبائن بالدور وبين اليوم اربعة عمال وصاحب المحل وزبون واحد .
لمحت من بعيد من عبر قنطرة باب العامود المؤدية الى شارع الواد وسوق باب خان الزيت رجلين بالعقد السادس من اعماهما ، احدهما يضع كمامة لتجنب العدوى من الفيروس اللعين ، والاخر يسير دون كمامة معه، صاغيا بكل الاهتمام لحديث صيقه صاحب الكمامة الذي كان يتحدث ويشير بيديه ويشرح وهو متوتر وهذا باديا عليه ، انتابني فضول ان اعرف سبب توتره وعصبيته ، حاولت استراق السمع فلقد كان يسير خطوتين ويقف ليشرح التفاصيل بين فاصلة واخرى ، وكن موضوعه انهم اوقفوا ولدي الكبير عن العمل بالمصنع بسبب هذا الوباء وابنتي لم تعد تذهب للجامعة لان الجامعات والمدارس مغلقة، وابنتي الكبرى هي واولادها حلوا ضيوفا في بيتي لان بيت لحم مغلقة ، بل ان زوجها عالق ايضا هناك ، وباقي الاولاد لا شغل ولا مشغلة لا مدرسة ولا حتى عمل ، والبيت اصبح مثل حبة الرمان الممتلئة فوق بعضنا البعض ، ثم صمت لبرهة ورفع راسه الى السماء وهو يدعي ويقول : الله يفرجها .
مؤكدا ان خلف جدران منازل المدينة الف قصة وقصة ؛ مدينة بنائها حجارة وقصصها اعاجيب.
أتأمل كل شيء حولي اقف صامت مذهول ؛ واسال ماذا بعد؟.
وفجأة حاولت استنتاج الجانب المشرق في هذه المأساة بسبب هذ الفيروس اللعين ، فبعض جدران أسواق القدس العتيقة، لم أتأملها من قبل بهذا الشكل ، فلقد اكتشفت انه هنا توجد نافذة صغيرة وهناك اسفل النافذة يوجد نقص بسيط ، وبعد امتار يوجد قوس جميل لأحدى الحوانيت لم يكن باستطاعتي في الماضي ان أرى هذا الجمال واتمتع به من قبل ، ففي نهاية الزقاق هناك بوابة بيت صغيرة كانت دائما مغطاة ببضائع التجار لم تكن تظهر بهذا الشكل ، تعمدت ان اتجول اثناء الاغلاق والحجر المنزلي الطوعي لسكان المدينة ، وغير طوعي للتجار والحوانيت ، فوجدت المدينة تختلف بثوب حزين.
سالت نفسي مرارا : في هذه المدينة المقدسة هناك روح خاصة حتى لو تحولت لمدينة اشباح فان فيها الاف القصص الساكنة، وقد يكون بنو البشر هم الازعاج الوحيد لهذه المدينة التي تحتاج الى عاشق خاص عاشق لا يبوح بعشقه ولكنه يعيشه يوما بعد يوما.
فخلف جدران البلدة القديمة تسكن عوائل مختلفة جمعهم حب مدينة الانبياء وفضلوا البقاء فبها حتى في احلك الظروف يعش ضنك الحياة بفعل الاحتلال من تضيق واعتقال ، فكانت حناجرهم تسبقه بالدعاء الى الله فتشتد عزائمهم بالصبر والصمود . .
فاهل المدينة استمدوا العزائم من زخرف ابواب بيوتهم وقناطر حواري وطرقات التي تؤدي الى مسجدهم، مهوى فؤادهم ، فهو المسجد الأقصى ، وامام هذه العزيمة هل هناك من يعتقد ان جائحة عابرة قد تهزمهم مهما عظم تدبرها بالفتك الهادر للإنسان .
لطالما امنت ان المقدسي حالة استثنائية قادر على المعجزات لم يخلق في هذه المدينة سدى بل كان بحكمة رب قدير .

