• 10 نيسان 2020
  • أقلام مقدسية

 

بقلم :  عزام توفيق ابو السعود

 

بدأ يومي كالعادة قبيل السادسة صباحا بقليل، أعددت لنفسي كوبا من القهوة العربية التي تفحفح منها رائحة الهيل الذكية، وفتحت الراديو لأستمع لأغان فيروزية ، التي تجعل لشرب  القهوة مذاقا أطيب، اضافة الى أن مكان شربي لقهوة الصباح هو مشربيتي الخشبية المزخرفة بالزخارف العربية الجميلة، ويكمل البهجة طبعا، أن هذه البلكونة المشربية تطل على القدس من عل، من موقع بانورامي متميز، يجعل للقهوة ، ولسيجارتين معها، ولصوت فيروز في الخلفية، راحة نفسية ما، ومجالا للتأمل بالجو الربيعي اللطيف، وبالقدس التي لم أغب عنها سوى سنوات خمس من الدراسات الجامعية!

استمعت الى نشرة الأخبار من الاذاعة الاسرائيلية، وأقوال الصحف الإسرائيلية التي يهمني دوما سماعها، لأعرف كيف يفكرون، والى ماذا يخططون ويتجهون... وبعد سماع أخبار سبعة ونصف وتدخين السيجارة الصباحية الثالثة .. يبدأ التوجه للمطبخ، بعد أن أتأكد من أن شريكة العمر قد استيقظت، فإن لم تكن كذلك، اعد لها فنجان النسكافيه بالحليب وأوقظها.. ثم أتجه الى واجبي الصباحي المعتاد، ألا وهو اعداد طعام الإفطار!  

بعد وضع بيضتين كي تسلقا على النار، بدأت بتجميع مواد سلطة أمي، سلطة الربيع، السلطة المحببة اليّ لأنها سلطة فلسطينية قح، موادها الزعتر الأخضر الطازج، وحبة بندورة صغيرة، وبصلتين خضراوتين طازجتين، ونصف ليمونة  طازجة مقشرة، وسبع حبات من الزيتون، ومخللة خيار صغيرة، وربع قرص من الجبنة البيضاء المغلية وزيت الزيتون والملح .. بعد غسل الخضار جيدا وفرمها بالسكين، يستنشق الانسان الرائحة الجبلية للزعتر الأخضر المفروم التي تفوح منه فتعيد الروح الى القلب الشاكي، وبعد عصر الليمون عليها، يتم فرم قشرة الليمون التي أزيل عنها الغلاف الأصفر فقط ، فتفوح منها رائحة الساحل الفلسطيني الجميلة.. تلك هي السلطة الفلسطينية الأصيلة، التي إن غمستها بالخبز، وحبذا لو كان خبز طابون، مع بيضة مسلوقة تشكل وجبة طعام لذيذة ومكتملة ، شاملة لمتطلبات الجسم من فيتامينات ونشويات وبروتينات تحمي الجسم وتقيه الأمراض.

بعد الإفطار وسيجارة بعده، اصبحت الساعة هي التاسعة صباحا، كما يبدو فان موزع الصحف، لم يتمكن من احضار الجريدة اليوم، لم أجدها باب المنزل بسبب الحصار ومنع الخروج من الأحياء المقدسية الذي فرضته سلطات الإحتلال علينا اليوم بسبب عيد الفصح اليهودي. لذلك توجهت الى جهاز الحاسوب لأتفقد الإيميل أولا ثم الفيس بوك .. وجدت رسالة في الإيميل من صديق نمساوي تعرفت عليه قبل بضع سنوات، رجل سبعيني يحمل لقب الدكتوراه في تاريخ اوروبا الحديث، وعمل سفيرا لبلاده لسنوات طويلة خدم فيها في عدد من دول العالم، واعتاد أن يزور القدس بعد تقاعده كل عام ويقضي بها عطلة عيد الفصح، ويقيم خلالها في النزل النمساوي ( الهوسبيس) .. بالطبع رسالته فيها حزن لأنه ألغى تذاكرتي السفر له ولزوجته بسبب الكورونا، وبقي في بيته بالنمسا هذا العام. رددت علي رسالته بالتهنئة بعيد الفصح، وبوصف القدس الحزينة التي تحتفل بصمت بعيد الفصح، دون مسيرة أحد شعانين، ودون سبت نور، عيد في البيت، عيد فصح دون سواح يفدون الى القدس فيملئون فنادقها وشوارعها وأسواقها، وتزدهر الحركة الإقتصادية بها،، عيد بلا عيد .. عيد صامت.. عيد يخاف فيه الإنسان على روحه فيحاول الحفاظ عليها .. يعيش روحانياته بدون طقوس معتادة .. بينه وبين نفسه ومع أسرته الضيقة فقط!

الساعة العاشرة تماما هو موعد قهوة الساعة العاشرة وسيجارة معها وتأمل من البلككونة للشارع، معظم الناس الذين يسيرون في الشارع لا يلتزمون بلبس الكمامات، ولا يلتزمون بالبعد عن بعضهم مسافة المترين، سيارات قليلة تحرك في الشارع.. لا ازمات مرور، صوت خناقة يبدو أنها أمام محل الخضروات المفتوح والموجود عند دوار رأس العمود، انتهى الصياح وتم تطويق الخناقة، وعاد الهدوء الى الشارع!

بعد القهوة جاء موعد رسائل الواتسآب وجدتها تزيد عن 800 رسالة، ثلاثة مجموعات في كل منها 150 رسالة أو أكثر وكلها متشابهة، يكفي استعراض سريع لإحداها والغاء الباقي، يعجبني موقعين لطلاب الرشيدية، احدهما جاد جدا في مواضيعه، والآخر للنكات والقفشات والفيديوهات القصيرة اللطيفة، وعشرة أصدقاء آخرين يزودوني بأحدث النكت، اضافة الى اشياء تستحق القراءة، وآخرين يتخصصون بالأدعية والأمور الدينية، وبعضهم بترجمات لمقالات أجنبية، أو مقالات وأحاديث باللغتين العربية والإنجليزية، اضافة الى أصدقاء يرسلون بين الفينة والأخرى بعضا مما يعجبهم، ومعظمه يكون قد وصلني سابقا.. ااقضي بين قراءة ما وصل وتحويل الجيد أو الطريف للإصدقاء أكثر من ساعة من الزمن، أجد نفسي تعبا بعدها وبحاجة الى النوم، النوم قبل الغداء ليس بقيلولة، ويمكن تسميته قبلولة، او نوم الضحى.. وقد يستغرق ذلك أكثر من ساعة .. أستيقظ بعدها لشرب سيجارة، والعودة الى الحاسوب ، فيس بوك  مع ألعاب على الكمبيوتر تنمي الذهن، بعضها لدقة الملاحظة، وبعضها ألعاب الشدة المختلفة .

احد الأصدقاء المقيمين في رام الله، اتصل بي اليوم ليستفسر عن أحوالي، لم أره منذ عدة أشهر، سألته كيف يمضي وقته بالحجر، وكلانا في سن ذهبي جاوز السبعين، وكلانا لديه مشاكل صحية معتادة مرتبطة بالعمر، وجدت أنني في وضع أفضل منه، فهو يقضي وقته بين التلفزيون والتلفون، وليس لديه لا فيسبوك ولا واتساب ولا هم يحزنون، لكنه ملتزم بالحجر الصحي مثلي ، حيث أنني لم أخرج من باب المنزل إلا لتناول الجريدة من خلف الباب، أو لكب الزبالة في الحاوية التي لا تبعد سوى أمتار قليلة ، وكل بضعة أيام أقوم بتشغيل السيارة حفاظا على البطارية.

يأتي الغداء، واليوم كان الغداء بواقي الأمس من دجاج بالبطاطا والثوم والليمون، ومن ملوخية وطبق من السلطة العادية.. ثم قهوة وسيجارة ما بعد الغداء ، ومشاهدة فيلم على النتفليكس، وفيلم اليوم كان فيلم ماما مايا.. وكنت قد شاهدت المسرحية لنفس القصة والإسم قبل عدة سنوات في مسرح ببرودواي في نيويورك وكانت مسرحية موسيقية رائعة، ولأول مرة أشهد أن الفيام  رائع أيضا بل أكثر من رائع، لأن التصوير وأماكن التصوير غاية في الروعة، والغناء جميل، والقصة غريبة أيضا .. واستطاع الفيلم أن يعطي مدى أكبر للدراما من المسرحية.

بعد الفيلم ، الذهاب لأخذ حمام ساخن، وهذه الأيام لم يعد الحمام للنظافة أو الطهارة، ليس حمام الصباح ولا حمام بعد العودة من العمل،  وانما أصبح الحمام في ظل الكورونا هو لتمضية وقت ممتع تحت الماء الساخن، يعني نوع من التغيير الذي أصبح روتينا أيضا، لكنه روتين ممتع يعطي بعض الإنتعاش .. قبل العودة الى التلفون، ومكالمة جماعية صوت وصورة بيننا كوالدين وبين البنات والأحفاد .. نشاهدهم، ويشاهدونا، نطمئن عليهم ويطمئنون علينا، نضحك ونستمتع لمدة قد تزيد عن الساعة، وهذا طبعا لا يغني عن تلفونات مستمرة معهن طيلة النهار ... 

عودة مسائية قصيرة  للقهوة والسيجارة ، بعض الأصدقاء يعتقدون أنني اذا ما توقفت عن التدخين وشرب القهوة فستتأثر بورصة التبغ والبن في العالم، اعتقد أن الكلام مبالغ فيه فأنا لا أشرب في العادة أكثر من عشرة اكواب قهوة في اليوم إلا نادرا، كما أنني خففت التدخين وأصبحت أدخن بين 15-17 سيجارة فقط في اليوم . وفي عصر الكورونا اربعة أو خمسة اكواب يوميا فقط من القهوة.

عودة للواتسآب والفيسبوك، وللعب الشدة على الحاسوب، وغالبا ما أتناول عشاء خفيفا، وقد لا تشاركني فيه زوجتي، التي انشغلت بحياكة فستان للعبة حفيدتها، و

قضت ساعتين من العمل من منازلهم مع تلامذتها الصغار، وسماع واجاباتهم، والتعليق الصوتي لها مع كل واحد منهم، ويسرني أحيانا أن أتنصت لما يقولونه وردها عليهم، وأشعر أن تلاميذها في الحضانة يحبونها ويتجاوبون معها، ويتابعون ويتقبلون ويستوعبون الدراسة عن بعد، وأن والدة كل منهم تأخذ الأمور بالجدية المطلوبة وتساهم في تعليم طفلها أو طفلتها بنفس أسلوب معلمتهم وطريقتها التربوية..

بدأت بالكتابة قبل ساعة ونصف  من الزمن وتخلل الكتابة فنجان قهوة وسيجارة " على رأي صباح" ، الساعة الآن العاشرة والنصف مساء، لست أدري ، هل ما كتبته كان مملا ... لقد كتب لي الكاتب والناقد الأستاذ ابراهيم جوهر  قبل أيام يقول أكتب ما يخطر على بالك .. فقط أكتب، لست أدري هل ما كتبت يستحق أن يكون يوميات كاتب تحت الحجر الصحي.. أم انني مجرد واحد فاضي " بيضيع وقت"!