- 19 نيسان 2020
- أقلام مقدسية
بقلم : محمد الرميحي
في هذا الجو العالمي المعتم و الشعوب تقلب نظرها في آثار هذه الجائحة العظمى تطرح بعض الاسئلة الكبرى، كيف سيكون العالم بعد انتهاء هذا الوباء ؟ الكثير من الاجتهادات على مستوى العالم وعلى مستوى المناطق الجغرافية ،ولكن أبقى في منطقة الشرق الاوسط لاقول كيف ستبدو هذه المنطقة على المستوى الاقليمي بعد هذه الجائحة ؟ قبل الاجابة اريد ان اعرض السيناريو التالي ، لنفرض جدلا أن الصين الحالية قررت ان تنتقم من بريطانيا لان الاخيرة قبل قرنين من الزمان تسببت قسرا في انتشار الافيون وبالقوة في اراضيها وارغمتت على الخضوع في معاهدة رسمية لقبول التجارة المسمومة ! مما جعل معظم الصينيين متعاطين ! بالتاكيد لو قرأ احدنا اليوم فكرة (الانتقام) تلك لاصبنا بالدهشة المفرطة ، فالزمن قد تغير و التاريخ مضى ، فما بالك لو استدعينا امرا تاريخيا مضى عليه اكثر من اربعة عشر قرنا وتفرقنا حوله ، بالتاكيد العالم سوف يرفع حاجبيه متسائلا ، وهل الخلاف الذي مرت عليه كل تلك القرون يستحق ان يعاد تكراره اليوم، هل فقدت الشعوب عقولها ؟ اقصد هنا الخلاف السياسي الذي نشأ بعد وفاة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وقاد ذلك الخلاف في وقت مبكر الى اجتهادين او اكثر سمي في تاريخنا بلاجتهاد السني ( بكل فروعه) و الاجتهاد الشيعي (بكل فروعه) .
التاريخ في منطقة الشرق الاوسط يقول لنا ان ( الحكم الشيعي) ظهر في بلاد الشام وشمال افريقيا في فترة زمنية متفرقة ، كما ان ( الحكم السني) ظهر في بلاد العجم في فترات اخرى ، فتاريخ ظهور الدول و القناعة المذهبية للقائمين على تسيرها شيئ متداول بين الاجتهادات . اعود الى مستقبل الاقليم اليوم فدون الركون الى بعض العقلانية السياسية في منطقة الشرق الاوسط ، سوف نظل نستنزف قدرات شعوبنا حتى نصل العظم بعد اللحم . وحتى نكمل الصورة فلا اعتقد ان كثيرا من العقلاء يرغبوا ان يتدخلوا في كيف تحكم ايران نفسها ! ذلك متروك للشعوب الايرانية ، الخلاف القائم الذي يجب ان يعاد النظر في اسبابه هوالتدخل الايراني النشط في الجوار، من اجل توسيع نفوذ الدولة الايرانية كما هي اليوم ، تحت غطاء كثيف من المظلة الطائفية، وهي فقط تقنع البسطاء او اصحاب الغرض ، وليس الكم الكبير ممن يستخدم عقله في التحليل المنطقي في كلا الاجتهادين . التوسع يحدث من خلال تبني مجموعات ( الافضل أن تكون مسلحة) في كل من العراق واليمن و لبنان ، و خاصة في فترة تحلل الدولة ،من اجل تسهيل ( التوسع ). الان لنعود الى التاريخ قليلا للمقارنة ، فقد دخل العالم ، بعد ازمات قاسية ، في حروب كبرى في القرن العشرين، منها الحرب العظمى الاولي و الثانية ، والتاريخ يقول لنا ان الاسباب الحقيقية لكل الحروب انها ردع (محاولات السيطرة والتوسع ) واحد من قادة العالم بعد الحرب العظمى الاولى انتبه الى صلب المشكلة هو مصطفى اتاتورك فقد تبنى مسطرة واضحة مفادها ( ليس لي رغبة في اراضي الغير ،ولن اتنازل عن اي ارض تركية) طبعا يجري الان مسح تلك الفكرة الصائبة ، والتي جعلت من تركيا على اعتاب دولة حديثة ، وهي فكرة الدولة الوطنية .لقد قامت الحروب ليس دفاعا عن الحريات ولا هي ضد الدكتاتوريات ، فقد تعاون الغرب، مع الاتحاد السوفيني، وجوزف ستالين ولم يكن يقود دولة ديمقراطية،التحالف تم ضد دكتاتوريات نازية في المانيا وفاشية في ايطاليا وربانية في اليابان ، حيث قالت تلك الدكتاتويات لشعوبها ( سوف اجعلكم تحكموا العالم !) لهذا تكتل العالم حتى لا تحكمه تلك الدكتاتوريات ، المقارنة واضحة ، فان استمرار فكرة( تصدير الثورة) من الجانب الايراني هو الاسم الجديد لمفهوم (سوف اجعلكم تحكموا العالم )، هذا المأزق القائم على فكرة مناقضة للواقع سوف يظل معنا ربما حتى بعد كورونا ، اذا لم يستفد النظام الايراني من الدوروس العميقة لهذه الجائحة التي لا تفرق بين المذاهب والاديان .
افهم ان يبقى بعض و ربما كثير من الايرانيين خلف نظامهم حبا او رهبة ،ولكن لا افهم الاشقاء العرب ويعيشون في اوطان عربية ان يلتزموا بتلك الفكرة ، فقط لانهم من ذلك الايمان المذهبي اوهذا ، عندي ان الايمان واحد و الوطن ايضا واحد ، لا يخلط احد عاقل بين الايمان بفكرة وخسارة الوطن ولكن المشروع الايراني السياسي يقوم على خلط الاثنان معا بشكل ضبابيي ، فدول هذه الشرائح من المواطنيين ( حتى لو كانت تعاني نقصا) هي اكثر رحابة صدر من الحكم في ايران ، فهو ليس ثيوقراطي فقط، ولكن قمعي وتوسعي ، عينه على موارد تلك الشعوب المجاورة ولا يهمه رفاهيتها او تقدمها ، هنا العجب ان يخرج احدهم في بيروت ويقول ما معناه ( ان لبنان لاتعني شيئ لي) وهو قول مُوجع و لكنه قيل على رؤس الاشهاد ، او يخرج المتحدث باسم الحوثي مؤخرا ليقول (ان المخابرات اليمنية اخترقت مكالمة بين ضابط سعودي وعميل في اليمن) من اجل التآمر لنشر وباء كورونا في اليمن ! يقول ان وقف اطلاق النار ، الذي اراد تجنيب اليمن ويلات الوباء ،وهو بسب (تغير موازين القوى)! ،ترى اية عقول يفترض انها تستمع اليه لتصدق ؟، وهو في الغالب يعرف ان هذا الوباء لا سمح الله لو وصل اليمن لاهلك الحرث والزرع بسبب البنية المتردية للنظام الاداري و الصحي هناك،! ليس هناك فرق بين من يتخطى وطنه اللبناني و او العراقي او اليمني ويعتقد بخرافات وشعوذات سياسية تابعا لمشروع الحاقي الايراني وبين المغيب عن الوعي ، كلاهما يسير في نفق مظلم . من هنا فان مستقبل منطقة الشرق الاوسط بعد هذه الازمة الكبرى والتي سوف تُخلف آثارا اقتصادية و اجتماعية ونفسية عميقة ، يعتمد على ردة فعل النظام الايراني ، هل يعترف بالدولة الوطنية في الجوار و تباعا احترام القوانين الدولية و الانصراف الى البناء الداخلي ، ام يستمر في تصوره الطوبائي ( سوف اجعلكم تحكموا العالم) وهذا التوجه الاخير ليس تدميرا لاي بارقة امل في بناء نظام اقليمي ومن ثم دولي جديد، بل هو ايضا تدمير للسلم في المنطقة . الاحتمال الاخر الذي يجب التفكير فيه هو ان النظام الايراني وقد فقد الكثير من صدقيته في بيئته ، قد يزداد ضراوة في الجوار ، بسبب عدم قدرته على تقديم حلول عملية للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية و الوفاء باحتياجات الشعوب الايرانية التي سوف تواجهه جراء تاثير هذا الوباء على الاقتصاد و المجتمع الايراني. بالطبع اي عاقل يتمنى ان يجنح النظام الايراني الى السلم وان يسقط الفكرة الطوبائية ( سوف اجعلكم تحكموا العالم) فتلك مقولة لم تعد صائبة في زماننا وهي لم تكن صائبة في اي وقت مضى و الاكثر دمارا ان اتبعت بعد هذه الجائجة العالمية المدمرة .
آخر الكلام : تستطيع ان تتحكم في الناس ان اقنعتهم بفكرة ما و تجعلهم يقومون بما تملى عليهم ، ولكن ذلك لا يستمر ففي وقت ما يرجع كثيرون الى عقولهم وخاصة في ما يعد الازمات .

