• 28 نيسان 2020
  • أقلام مقدسية

 

بقلم :  سعيد الغزالي

  

عندما أتصفح أحد المواقع الالكترونية المحلية أو العربية، أصطدم بكثرة الأخطاء البسيطة أو الفاحشة في أعمال الزملاء الصحفيين -أخطاء في اختيار الفكرة، في ضعف الحبكة، في عدم انسجام عناصر الحكاية، وترابطها، وفي غياب الصورة البصرية – فأكتم غيظي، وأشيح ببصري عنها، وأخرج بسرعة البرق من الموقع، ولا أعود إليه أبدا. هذه المرة، أحببت موضوعا لطيفا أعده الصحفي فراس الراعي مراسل موقع أخبار البلد في إسطنبول، وبدأه بطرح أسئلة بسيطة ومثيرة: أين يدفن الموتى في إسطنبول؟ كيف يدفنون؟ وهل تنقل الجثث الفيروس المعدي إلى حاملي النعوش أو حافري القبور؟

تصنف هذه القصة بأنها حكاية رقمية، ذات محتوى مهم، تتمتع ببساطة العرض، وقد بدأت شبكة الجزيرة بإنتاج هذه القصص الرقمية في شبكتها منذ أيلول ٢٠١٤. وربما تقوم مواقع أخرى بنشر حكايات رقمية.

سررت بأن موقع "أخبار البلد" بإمكانياته المحدودة، يُفرد مساحة لعرض قصص رقمية، ولو أنها لا زالت محدودة، ولكن الخطوة الأولى مهمة في هذا الاتجاه، الذي آمل أن يتعزز في الصحافة الفلسطينية، فاللغو البلاغي في القصص المنشورة في معظم المواقع ينفر القراء، ويبعدهم عنها.

لماذا لا ينتشر هذا النوع من الاعلام الرقمي الذي أصبح لغة الحداثة والتطور؟

 أين تكمن المشكلة؟ هل هي الامكانات المالية المحدودة التي تمنع انتاج إعلام عصري؟ هل تكمن في عدم مواكبة العصر وإدخال القصة الرقمية إلى الاعلام؟ هل هي أساليب الصياغة القديمة البالية التي ما زالت تفرض نفسها على كثير من الصحف والمواقع؟ هل تكمن المشكلة في ضعف التعاطي مع التكنولوجية الحديثة؟ هل تمنع الأجندات السياسية أو الأيدولوجية من انتاج قصص مرئية؟

والإجابة على هذه الأسئلة، هي نعم. أخطر سؤال هو دور الأجندات والأيدولوجيا، ولا أعني بذلك ان يسلخ الصحفي جلده الوطني، أو يمزق هويته وانتمائه، ويتمسك بـصفات "الملائكية المهنية". فلا تعارض بين الموضوعية والمهنية وجمالية السرد ووضوحه والحس الوطني.  

ما فعله فراس الراعي بسيط جدا وعميق وصعب. اختار فكرة مهمة، وجمع المادة البصرية وعرضها من خلال مرآة في غرفة الصالون في منزله، فهو صحفي يلتزم بتعليمات الحيطة من الوباء، وجعل المرآة منصة تلفزيونية عرض فيها صور المقابر والدفن، والجنازات الكورونية التي تحمي الانسان من الإصابة بالفيروس الوبائي. وكتب السيناريو بأسلوب حكائي، ونشره في موقع فلسطيني مهتم بشئون القدس.

اكتسب التقرير عناصر القوة من جودة المادة البصرية في إطار السرد الممتع المفهوم. وكان المونتاج موفقا. واجتمعت جميع هذه العناصر في وحدة فنية متناسقة، لها بصمتها المميزة، صوتا وصورة ونصا ومؤثرات. 

هل حققت حكاية دفن الموتى في إسطنبول هدفها المرجو، وهي الانتشار والترويج؟ لا أستطيع أن أجيب على هذا السؤال لأنني لا أعرف عدد المشاهدات. إن لم يحصد "برنامج حكايات من إسطنبول"، مشاهدات كثيرة، قد تكون هناك مشكلة أخرى لا أعلم بها.

وأختتم بالقول إنني آمل أن نشهد تبرعم نواة لإعلام رقمي جديد، ينسجم مع حاجة الناس في المنصات الاجتماعية، ونطالب جميع الحريصين على تطوير الاعلام الفلسطيني أن يهتموا بهذا النوع الإعلامي الرقمي وأن يجري تعميمه ليشمل مواضيع اجتماعية وثقافية ليصبح مرجعا إعلاميا في بلدنا، وفي قدسنا.