• 5 آيار 2020
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : القاضي المقدسي  فواز إبراهيم نزار عطية

 

ما من شك في أن الجوائح تحصد الارواح وتدمر الاقتصاد، حيث العديد من المؤرخين في مختلف العصور ذكروا الآثار الناجمة عن كل جائحة، ورصد بعضهم الآثار الناجمة عنها بما وقع من تبديل وتغيير لمسارات الحياة على مختلف الأصعدة للدول والمجتمعات والافراد، لمختلف نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والثقافية إلخ....، وما من شك في أن الجوائح وإن تركت بصماتها على مختلف نواحي الحياة، فتصبح شيئا من ذكرى الماضي، وستُسجل في كتب التاريخ، وتصبح مادة علمية للمتخصصين كل في مجاله لتكون دروس وعبر للأجيال القادمة.

ما يهمني في هذا المقال هو أن الناس تتأثر بعد كل جائحة نفسيا وعمليا، لا سيما بعد حجم الخسائر في الارواح، فمن الناس من يتعظ ومن الناس من يكمل حياته وكأن شيئا لم يحدث، ومن الطبيعي أن التأثير النفسي والعملي لكل فرد مربوط بالحالة المجتمعية التي ينتمي إليها.

ولا بد أن اقف في هذا المقال على عدة مسارات لتذكير القارئ الكريم، أن التدابير التي اتخذتها معظم دول العالم قيدت حركة الافراد، بحيث شلت الحركة نتيجةالالتزام في البيوت، كالاعتقال الجبري بصورة مجازية، وهذا من الطبيعي أن يذكرنا نحن أهل فلسطين بشكل خاص بإخوة لنا معتقلين في سجون الاحتلال منذ سنوات ينتظرون الحرية بفارغ الصبر، لم يقترفوا ذنبا إلا الدفاع عن الوطن بكفاح مشروع سنته المواثيق الدولية للشعوب المحتلة في سبيل الوصول لحق تقرير المصير.

من هذا المنطلق تابعنا الاخبار أولا بأول، وشاهدنا المجتمع الاسرائيلي الذي كان كباقي سكان الارض، ملزما بالتقييد بالتعليمات الصادرة عن حكومته ومُنع من الحركة إلا بضوابط مشددة نتيجة تفشي الوباء الكوروني "كوفيد 19"، فلم يقوى المجتمع الإسرائيلي على تحمل ذلك مدة 50 يوما في أن تُقييد حريته، رغم أن كل شيئ موفر له بخلاف السجين الفلسطيني، الامر الذي خرجت أصوات من بعض افراد المجتمع تدعوا للعصيان المدني، مما اضطرت الحكومة الاسرائيلية للتخفيف من الاجراءات، للعودة التدريجية لمسار الحياة كما ولو كانت قبل شهر آذار، وسُمح بعودة المدارس بصورة تدريجية وباقي القطاعات الاقتصادية، في الوقت الذي حذرت فيه منظمة الصحة العالمية دول شرق الاوسط من نتائج تخفيف الاجراءات، لا سيما وأن المعطيات تشير للموجة أو الدرجة الثالثة من ذلك الوباء، بحيث ستكون أشد فتكا مما شاهدناه وسمعناه خلال الشهرين القادمين.

مسار آخر يجب الوقوف عليه، وهو أن الوباء العالمي "كورونا كوفيد 19، اظهر حدثا كاشفا وفاصلا في حياة البشر جميعا دون استثناء، بأن مصير الارض ليس بيد البشر، وإنما عظمة الله تجلت في أن يعلم الإنسان بأن ظلمه وفساده فاق وتجاوز كل الخطوط الحمراء، وأن التطور والتقدم العلمي المذهل الذي توصل له البشر، لا يساوي شيئ مع فايورس غير مرئي وغير حي، بحيث أُلزم الجميع في أن يمكث في البيت دون استثناء لمنع تفشي الوباء.

فكشف هذا الفايروس هشاشة النظام الصحي العالمي، وهشاشة الاقتصاد العالمي، ولا تزال الجائحة تراوح مكانها بعد، ولا يزال الغموض يلف مصير هذا الوباء الذي هزّ العالم بأسره، كما لا يزال موعد تلاشيه غير معلوم، رغم التوقعات بتحديد انتهائه باكتشاف العلاج ما بين سنة وسنتين، لكن الشك سيد الموقف وما زال قائما.

وبناء على ذلك، يعتقد الخبراء الماديون بأنه على اصحاب القرار في الدول المؤثرة على الصعيد العالمي، حتمية المراجعة الجذرية للنظام العالمي القائم بشكله الحالي، بضرورة بناء نظام دولي جديد مع دولة الصين لتجنب الحرب العالمية الثالثة.

وأنا اعتقد أن تلك الجائحة فرصة لنا جميعا لإعادة الحسابات في مختلف تصرفاتنا اتجاه انفسنا واتجاه بعضنا البعض كل في موقعه، فالاجراءات التي اتخذت خلال الشهرين المنصرمين، مما لا ريب فيه أثرت في نفوسنا وأثرت على الروابط الاجتماعية كما وأثرت على مختلف نواحي الحياة، ورغم أنها احييت مفهوم التكافل والتضامن بين الناس، وهذا الامر وحده لا يكفي لأنه مؤقت، فلا بد من اعادة التفكير بشمولية أكبر وأوسع بما يضمن استيعاب الدروس والعِبر لتستقيم حياة الناس انطلاقا من قوله تعالى :" وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا".

 الدرس لم يستوعبه وللأسف عدد كبير من الناس، وكأن شيئا لم يكن، ما نشاهده ونقرأه على منصات وسائل التواصل الاجتماعي، تؤكد على واقع حي بأن النفوس مازالت في حيرة من امرها بين تغيير السلوك والاستمرار في النهج القديم، ولا مجال للحديث عن مدى الاستهزاء والاستخفاف في الامر، لكن مازال عدد من الناس لا يؤمن بفكرة أن ما حدث هو رسالة أو انذار، ولم يستوعب البعض أن حالات الوفاة كانت في تزايد بسبب ذلك المرض، وأن كثيرا ممن غاب عن أنظارنا سواء بسبب الفيروس أو لسبب آخر لإنتهاء الاجل، اصبح تحت التراب وسار معه عدد قليل من افراد اسرته، فلم تفتح بيوت العزاء، ولم يستطع احد أن يشارك في مصيبة أهل المتوفى، وهذا بحد ذاته درس لا يَتفكّر به إلا أولي الألباب.

واخيرا وليس آخرا، سينتهي عصر الفايروس بأمر الله، وسيصبح في قاموس "يُذكر ولا يعاد"، وسيكتب المؤرخون، وسيُجل في صفحات التاريخ ما لهذا الفايروس وما عليه وما رتبه من آثار، لكن هل سيُكتب في صفحات التاريخ أن ما بعد الجائحة تغييرت احوال الدول والمجتمعات والافراد للأفضل، أم أن الأمر سيكون أسوء وفي عداد المزيد من التمادي في الباطل !!

لا أدري ما تكسب أيدينا غدا، لكن اختم مقالتي للتذكير في هذا الشهر الفضيل وأذكر نفسي أولا، أن قراءة القرآن تعني التدبر والعمل بآيات الله، فلو فهمنا معنى قوله تعالى:" قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، لكان حالنا في الوطن العربي والاسلامي أفضل بكثير مما يحاك من مؤامرات على ملك زائل، فلا مؤامرة لأخذه ولا كيد للوصل إليه، وهذا ينطبق على جميع مسارات ومؤسسات الدولة، مذكرا بقول النبي الكريم عليه الصلاة والسلام " من طُلب لشيئ أُعين عليه ومن طَلب شيئا وُكل إليه".

مما يستدعي منا جميعا في جعل ما بعد الجائحة، أيام عمل وخير في سبيل الوصول للهدف المنشود، وهو اعمار الارض بالحق والعدل وكأننا نعيش أبد الدهر.