• 7 آيار 2020
  • أقلام مقدسية

 

بقلم: سعيد الغزالي

 

هي القدس بالعربية، وجروسلم بالانجليزية، ويروشاليم بالعبرية، كل حجر، كل باب، كل شباك، كل زاوية، كل نقش، كل قوس، كل سبيل، كل قبر فيها له قصة وحكاية، كل طبقة من أرضها تروي تاريخا، القدس مدينة غير عادية تسحر الأفئدة وتستفز العقول، تضم الحرم الشريف الذي أسرى إليه النبي محمد عليه الصلاة والسلام من مكة المكرمة، ومنها عرج إلى السماء.

القدس مدينة كنيسة القيامة التي تضم أقدس مكانين للمسيحيين: جبل الجلجلة الذي صلب فيه السيد المسيح، والقبر المقدس الذي دفن فيه ثم صعد إلى السماء، وهي مدينة يجلها اليهود، فرغم ما فعله الامبراطور الروماني أدريانوس، عندما أزال كل معالم هيكل سليمان وحجارته، ليقيم مكانه معبدا وثنيا سماه (جوبيتر)، اسم رب الآلهة عند الرومان، نسأل: أين ذهب أدريانوس؟ وأين معبده؟

القدس مدينة تمد ذراعيها لكل أبنائها وتحضنهم؟

هذه ليست جملة عاطفية، أو دعوة مثالية، بل هي عبارة تعكس وضعا ملموسا، يعيشه أهل مدينة القدس، المحشورين بين فكي واقع مرير، فلا سلطة لرام الله عليهم، ولا يتمتعون بحقوق كاملة في إسرائيل، ليس لأنهم لا يحملون الجنسية الإسرائيلية بل لأنهم فلسطينيون، ويُمنعون من الحصول على جوازات سفر فلسطينية، وفق اتفاق أوسلو، وتُعرفهم إسرائيل بأنهم اردنيون ولدوا في إسرائيل، ويحملون وثائق سفر مؤقتة، ومنع العديد منهم من العودة إلى المدينة عن طريق مطار اللد، مؤخرا أثناء جائحة كورونا.

وعندما تعلو أصواتهم بالمطالبة بحقوق متساوية مع اليهود، فإن الدولة تصم أذانها، وتضع على عيونها قماشا أسود. برغم ذلك لا تستطيع إسرائيل رميهم إلى رام الله، وتعارض بشدة في الوقت ذاته أن تأتي رام الله إليهم لترعى شئونهم، واعتقلت مؤخرا عددا من المسئولين الفلسطينيين العاملين لدى السلطة بالقدس بينهم وزير، وتستثمر رام الله جائحة كورونا لتؤكد بأن القدس عاصمة فلسطين. وإسرائيل، في المقابل عززت من قبضتها على القدس أمنيا وإداريا وقانونيا وصحيا وتعليميا وفي كل جانب من جوانب الحياة دون أن تمنح مساواة حقيقية للمواطنين الفلسطينيين فيها، وتجلى ذلك في تركهم يواجهون جائحة كورونا وحدهم.

يحدث هذا في دائرة القدس، التي هو امتداد لما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزة، التي تشمل دائرة سلطة الحكم الذاتي في رام الله، التي لا سلطة حقيقية لها، وتسمح إسرائيل لنفسها باجتياحها في أي وقت، وسلطة حماس المحاصرة في قطاع غزة في دائرة أخرى، بينما تفرض إسرائيل سيادتها الكاملة على المنطقة ما بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط.

البديل الحقيقي لهذا الوضع الغريب، هو تحقيق السلام العادل، ليس على الطريقة الإسرائيلية، بفرض سلام القوي على الضعيف، بل بالتوصل إلى سلام حقيقي بين شعبين متواجدين في نفس البقعة، سلام بين شعبين لا يستطيع أن يفني أحدهما الآخر، سلام يستظل بظلاله مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات في دولة واحدة.

ترفض السلطة الفلسطينية أن تتبنى خيار حل الدولة الواحدة، بعد تهاوي خيار حل الدولتين، ويعارضه الإسرائيليون حكومة وشعبا بشده، بينما تؤيده فئة قليلة من الإسرائيليين وبدأ مؤخرا يعلو صوت المنادين بالدولة الواحدة بين عرب ٤٨، ويزداد التأييد لهذا الحل بين الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، إدراكا منهم أنه الحل الأمثل للقضية الفلسطينية بعد أكثر من مئة عام من الضياع.

وقد برهنت جائحة كورونا، بشكل لا يرقى الشك إليه بضرورة إعادة التفكير في الشعارات المرفوعة منذ عقود، كشعار الضغط والتضييق على الفلسطينيين لإجبارهم على الرحيل، فليس للفلسطينيون من مكان آخر يرحلون إليه، وسقط أيضا شعار المقاومة العنيفة بإلحاق هزيمة عسكرية بإسرائيل، وما يترتب على ذلك من انهيار الدولة العبرية ورحيل مواطنيها إلى البلاد التي جاء منها آباؤهم.

اذن ماذا تبقى للفلسطينيين؟ وكيف يبدو المستقبل من وجهة النظر الإسرائيلية؟ إن لم تكن هذه الشعارات غير قابلة للتطبيق، فإن البديل الحالي هو استمرار الوضع الراهن المؤلم للفلسطينيين وللإسرائيليين أيضا، فهل يحق لنا أن نعمل على تغيير الشعارات المستحيلة أم نستمر في اندفاعاتنا العاطفية وتخيلاتنا وأوهامنا غير العقلانية، مدفوعين بما نظن أنه حقائق تاريخية وما هي إلا تصورات غيبية ندفع ثمنها جميعا كمسلمين ومسيحيين ويهود، لأننا ما زلنا أسرى تصورات غير عقلانية.

أضعنا أكثر من قرن من الزمان في نزاع يستند إلى شعارات ثبت فشلها، فأصبنا بالهوس والعمي ولم نر الواقع حولنا، وفقدنا صوابنا عندما خلطنا الوهم بالواقع. لقد بلغ الهوس بالصهاينة المتطرفين إلى الحد الذي عبروا فيه عن رغبتهم بإنشاء دولة يهودية، مستندين إلى تاريخ غيبي، لا يمشي على قدميه أمام الحقائق العلمية، واستخدموه كسلاح متهالك لدعم أساطير وأوهام، متجاهلين وجود أكثر من خمسة مليون فلسطيني يعيشون بين البحر والنهر، مجزئين ومفصولين عن بعضهم بالجغرافيا والسياسة والأيدولوجيا والتفوق العسكري الاسرائيلي.

برغم ذلك وفي المقابل، هناك جنوح نحو التطرف، فالتطرف يجلب المزيد منه، وهذا هو قانون الفيزياء، فلكل فعل له ردة فعل مساو له في القوة ومعاكس له في الاتجاه، فإذا كان اليمين الإسرائيلي لا يسمح للفلسطينيين أن يتمتعوا بحرية التنقل والتجارة الحرة وبناء المؤسسات الاقتصادية وحفر الآبار الارتوازية، والحصول على حقوقهم كمواطنين، يأتي الرد من قبل حركات إسلامية ترفض التعايش والسلام والدعوة لإقامة دولة الخلافة –الوهم في فلسطين. هناك إسرائيليون ولدوا في هذه البلاد، ولا يعرفون غيرها، فهل سيشملهم الطرد أو الإبادة؟ هل سنقول لهم، كما قال المذيع العربي الشهير أحمد سعيد قبيل حرب عام ١٩٦٧: احملوا حقائبكم واذهبوا من فلسطين قبل أن يأتيكم الفناء؟

وكيف يمكننا أن نفنيهم، بانقسامنا، بتخلفنا العلمي، بسيف دون كيشوت ورمحه وصهوة جواده الهزيل المتهالك. إن حال الامة العربية والإسلامية التي تعيش انقسامات لا حصر لها، وحروبا أهلية لا تنتهي، ليس أفضل حالا من جواد دون كيشوت الذي لم يتبق منه سوى الجلد والعظام. إننا نهرب من واقعنا ونطلب النجدة من محرر القدس صلاح الدين قبل أكثر من ثمانية قرون، ونستحضر سيف خالد بن الوليد قبل ١٤ قرنا. إن الشعارات التي يتبناها المتطرفون من الجانبين التي لا تأخذ بعين الحسبان حياة الانسان، هي شعارات جوفاء. وإنني في هذه المقالة ارفع شعارا عقلانيا: وأقول: القدس مدينة لكل من عاش فيها في الماضي، ولكل من يعيش فيها في الحاضر، ولكل من يبني حياة ومستقبلا لمواطنيها. 

أعلم أنه شعار شبه مستحيل، سيرفضه المتطرفون، ولكني القي حجرا في المياه الراكدة، وأحاول أن افكر خارج الصندوق المغلق، واقفز إلى خارج الحلقة المفرغة، عندما أقول إن القدس تمد ذراعيها للجميع، وتحضنهم، وتشكرهم على حبهم لها، ولا تستثني أحدا منهم، لا تستثني مسلما ولا مسيحيا ولا يهوديا ولا أرمنيا، ولا علمانيا، ولا وثنيا، كل من عاش فيها هو جزء من تاريخها، كل من يعيش فيها هو ابن لها، هي مدينة تُجل كل من وضع حجرا على حجر فيها، تحبهم جميعا، لأنهم يشكلون جزءا من تاريخها وماضيها، والمواطنون فيها هم حاضرها ومستقبلها، هي لا تلغي وجود أي شعب، كلهم أعزاء عليها، جميعهم أبناؤها.

أنتم تحبونها وتبجلون تاريخها العريق وتحترمون مكانتها الدينية والحضارية، وهي تبادلكم الحب والتبجيل والاحترام، القدس تقول لكل أحبابها من طنجة إلى جاكرتا، ومن كل بقعة في الأرض: شكرا لكم جميعا. إنها تخاطبكم من القلب. وتقول لكم لا تسفكوا دمائكم من أجلي، أنا مدينتكم جميعا، من يحبني هو من لحمي ودمي.

القدس مدينة قديمة عمرها أكثر من خمسة آلاف عام، ربما أطول من ذلك بكثير. تعاقب على حكمها ملوك وأباطرة، ودمرت مرتين، احتلتها إسرائيل منذ ٥٣ عاما، وكانت تضم خمسة أحياء رئيسية: الحي الإسلامي، الحي المسيحي، الحي اليهودي، الحي الأرمني، والحي المغربي. دمرت إسرائيل الحي المغربي وشردت سكانه في بضعة أيام عقب حرب عام ١٩٦٧، لتمكن اليهود من الصلاة في حائط المبكى.

منذ احتلالها ، تعيش القدس وضع نزاع مرير، مرشح للاستمرار لعقود وعقود، ولن ينتهي، طالما أن إسرائيل لا تحترم التاريخ ولا القانون الدولي، ولا تراعي مكانة الديانتين الإسلامية والمسيحية، ثلاثة أديان في مدينة واحدة، ترنو إليها أفئدة أربعة آلاف مليون انسان، أي أكثر بقليل من نصف عدد سكان كوكبنا الجميل، أي مدينة في العالم لها مثل هذه المكانة الرفيعة؟ أي مدينة في التاريخ تجذب إليها هذا العدد الهائل من البشر؟

هي ليست مدينة مهمة فقط لأتباع الديانات الثلاثة: الإسلام والمسيحية واليهودية، بل هي مدينة مهمة لجميع البشر، لتاريخها الإنساني العريق، فهي المدينة الرائدة بين المدن، لأنها تتربع على عرش الجمال والحضارة والأصالة. 

برغم ذلك، فإننا نضن عليها بصورة جميلة لشارع، لحارة، لزقاق، لتلة فيها؟ نضن عليها بموقع ثقافي جميل وممتع ومفيد، ونحرمها من رأي سديد يغذي العقل والوجدان ويتواصل مع مئات الملايين في الشرق والغرب. نضن عليها بمقال يحمل فكرة بسيطة تقول: القدس لنا ولهم جميعا.

القدس مدينة الحضارة، يحبها المؤمنون، كما يعشقها العلمانيون، وكل من زارها وشرب من مائها، وأكل طعامها، وصلى في مسجدها وكنيستها ومبكاها، يقع في حبها، ويعشق آثارها وتاريخها، يحب بلاطها وأقواسها ونقوشها. مأ أجملك أيتها المدينة العجيبة! هذه هي القدس تمد ذراعيها لجميع أبنائها وتحضنهم.