- 12 آيار 2020
- أقلام مقدسية
بقلم القاضي المقدسي : فواز ابراهيم نزار عطية
وكأن الامر اصبح نسيا منسيا، فحادثة الاعتداء على الشاب المقدسي ابن 23 ربيعا من سكان ضاحية شعفاط احدى ضواحي القدس العربية الكبرى، قبل أربعة ايام وهو على رأس عمله بنقل الاسرائيليين في الحافلة التي يستقلها بكل تفان واخلاص، وبما يضمن توصيلهم بأمن وسلام أمنين مطمئنين لبيوتهم، تم رد الجميل له من اسرائيلي وزوجته و/أو صديقته، بإفلات كلب شرس نتيجة اعطائه الاوامر للإعتداء على جسد الشاب العربي، صاحبه تجرد من كل انسانيته واسقط كل معان السامية والكرامة للإنسان.
تلك الحادثة التي أُسدل عنها الستار وكأن الحدث لم يكن، فالصور لواقعة نهش الكلب الشرس لجسد ذلك الشاب، لا تقل ضررا عن حقد صاحبه وتطرفه المشبع بنفي الآخر واحتقاره لمجرد أنه عربي.
يبدو أن ذلك الاسرائيلي نسي معاناة اجداده من ظلم وبطش فرعون، أو تناسى كيف كان فرعون يعاملهم بالقتل والتنكيل والبطش والاستعباد، لكن لن ينسى ذلك الاسرائيلي أن الشاب المقدسي سيلاحقه في منامه كل ليلة وسيجعل من حياته مستحيلة لفترة طويلة، لأن ما اقترفته يداه اخرجته عن صفات الانسان الحر المتمدن، ونسبته إلى صفة وزمرة الوحوش في عالم الحيوانات الضارية.
الصور وتسجيلات الواقعة اصدق إنباء من أية رواية ستحرف في أروقة المحاكم الاسرائيلية، ومن حُسن حظ ذلك الشاب العربي المقدسي أن الحافلة التي كان يستقلها بنقل الركاب الاسرائيليين التابعة للشركة الاسرائيلية، فيها كاميرات تُسجل بالصوت والصورة كل حركة خلال مسار الحافلة، وهذا بحد ذاته سيكذب أي تحريف أو تضليل لمجريات العدالة.
لكن في هذا المقام يستدعي معرفة سبب اعطاء الاوامر من الاسرائيلي للكلب الشرس بالهجوم على سائق الحافلة، فهل من خطر محدق عرّض حياة الراكب ومن معه للخطر؟
مشكلة الشاب العربي أنه طبق القانون الساري أو طلب من الاسرائيلي تطبيقه بالرغم أن الاسرائيلي وفق رواية السائق هو جندي، فطلب السائق من الاسرائيلي عدم صعود الكلب إلى داخل الحافلة، لأن ذلك سيعرضه للمساءلة، مما أدى إلى ضرب السائق وإزاحة اللثام عن فم الكلب لينهش جسده.
المشكلة للأسف لم تقف عند هذا الحد، وإنما كانت متطورة بصورة دراماتيكية بأن ما تعرض له الشاب العربي المقدسي، حدث أمام حشد من الاسرائيليين وبوجد رجل أمن إسرائيلي، وعندما طلب مساعدتهم امتنعوا عن المساعدة وانقاذه من أنياب الكلب ووحشية صاحبه.
إزاء هذا المشهد، فالتطرف في المجتمع الاسرائيلي تجاوز المدى، ولم يبقى لمعنى الانسانية أي مرادف في قاموسه، فعلى حكومة الاحتلال العمل على تغيير ثقافة مجتمعه وتغيير المناهج التعليمية، بإرساء ثقافة احترام الآخر وشكره ورد الجميل بالمعاني الانسانية التي يجب تنم عن صورة وحقيقة الانسان بأنه اكرم مخلوقات الله، فنحن اليوم بني البشر نعاني من فيروس قاتل يهدد حياة البشر، ولا يمييز بين عربي واسرائيلي وغربي وشرقي يهودي أو مسيحي أو مسلم أو بوذي.
مما ينبغي في هذا المقام، تذكير ذاك صاحب الكلب، أن العربي الذي يحاول احتقاره قدم للمجتمع الاسرائيلي خدمات جليلة في مجال الطب، فعندما مكث كل المواطنين في فترات الحجر الصحي التي اعلنت عنها السلطات في البلاد ببيوتهم اثناء فترة الجائحة، مئات من الممرضين والاطباء العرب يطببون المصابين الاسرائيليين بفايروس الكورونا في المستشفيات الاسرائيلية، تاركين أهلهم وذويهم واطفالهم لفترات تجاوزت في بعض الاحيان شهرا ونصف، في سبيل انقاذ ارواحهم، في الوقت الذي امتنع المجتمع الاسرائيلي في مستوطنة بيسغات زييف المقامة على أراضي بيت حنينا ضمن ضواحي القدس العربية الكبرى، من انقاذ حياة انسان لم يقترف أي جرم أو خطأ إلا أن أراد تطبيق القانون.
تعريض حياة الشاب العربي المقدسي لذلك الخطر من ذلك الاسرائيلي، يستدعي من السيد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن كان حقا يهتم بالشأن العربي في القدس، أن يتوجه مع وزير جيشه نظرا لصفة ذلك الاسرائيلي بأنه جندي، لبيت الشاب العربي المقدسي ويقدم اعتذاره الشخصي وبالنيابة عن حكومته عن التصرف الهمجي الغير انساني الصادر عن ذاك الجندي، الذي كان من المتوجب عليه أن يتمتع بقواعد الانضباط وحسن التصرف مع العامة، وكذلك على رئيس بلدية القدس أن يقف وقفة احتجاج مع المجتمع الاسرائيلي في منطقة الحادث ليندد بالحادث الأليم، ليتم قطع الطريق عن الظاهرة الآخذة بالتفشي في المجتمع الاسرائيلي نتيجة التطرف واللاسامية اتجاه العرب.

