- 1 تشرين أول 2020
- أقلام مقدسية
بقلم : د. وليد سالم
تطرح دراسة صدرت باللغة الانجليزية هذا الشهر عن " مركز التعاون والسلام الدولي" أرقاما مذهلة عن السياحة الدولية الوافدة إلى القدس ، وقد جاءت الدراسة بعنوان " السياحة في القدس الشرقية : مؤشرات وآثار على التخطيط الحيزي
حسب الدراسة فقد وفد إلى إسرائيل عام ٢٠١٩ قرابة ٤،٨ مليون سائح ، جاء منهم قرابة ٤ مليون سائح عبر مطار تل أبيب ، أي غالبيتهم العظمى ، فيما دخل البقية ( ازيد بقليل من ٨٠٠ ألف )عن طريق الجسور والمعابر مع مصر والاردن . وفي عام ٢٠١٧ زار القدس ٧٧،٥ بالمئة من السياح إلى إسرائيل ، وأقام فيها ٤٧،٣ بالمئة بمعدل إقامة وصل إلى خمسة ليال غالبيتها تمت في فنادق القدس الغربية ال ٦٠ وذات ال ٩٠٧٣ غرفة مقابل ٢٦٦٦ غرفة موجودة في كل فنادق ونزل وبيوت ضيافة القدس الشرقية البالغ عددها ٤٩ فندقا ونزلا وبيت ضيافة . وإضافة لهذه أقام قسم من السياح عند أقارب وأصدقاء ، أو في شقق مستأجرة. وفي عام ٢٠١٩ نزل اكثر من ١،٦ مليون سائح في فنادق القدس الغربية ، مقابل ٢٤٧ ألف سائح فقط في فنادق القدس الشرقية.
الارقام الواردة أعلاه تدل على أن سيادتنا الشعبية في القدس هي سيادة مستباحة ، وبشكل لا يقل عن فقداننا للسيادة الرسمية الفلسطينية الرسمية على المدينة جراء إحتلالها منذ عام ١٩٦٧.
تتجلى مظاهر استباحة القدس من خلال السياحة في مظاهر متعددة يقف في طليعتها أن من يأتون للسياحة في القدس يفعلون ذلك نظرا لما تمثله المدينة لهم ، بدون أي اعتبار لذلك الجزء من الشعب الفلسطيني الذي يقيم في المدينة ولا لحقوقه ولا لواقع معيشته . يعزز ذلك أن غالبية هؤلاء يفدون إلى القدس من خلال شركات سياحية إسرائيلية وعبر مطار تل ابيب الذي ينقلون منه إلى فنادق وبيوت ضيافة في إسرائيل والقدس الغربية، فيما تنقلهم باصات سياحية اسرائيلية لزيارة القدس نهارا والعودة للمبيت ليلا داخل إسرائيل ، تحت طائلة التحذير بأن القدس الشرقية هي "وكر للإرهابيين والمخربين الذين يعرضون حياة السياح للخطر إن أقاموا في المدينة ". عوضا عن ذلك يحس السائر داخل البلدة القديمة من القدس بالحسرة من رؤية وفود السياح يقودها أدلاء سياحيون إسرائيليون يقدمون لهم الرواية الاسرائيلية حول تاريخ المدينة وواقعها ، ثم يعيدونهم إلى الفنادق في القدس الغربية . كما يحس المرء بالحسرة وهو يرى أن قسما كبيرا من محلات بيع التحف والمنتجات التراثية داخل البلدة القديمة تبيع للسياح منتجات إسرائيلية كالشمعدان وغيره. ويزداد المقت مع معرفة أن قسما من وكالات السياحة الفلسطينية ومرافقها تعتاش على فائض السياح الذي يحول إليها بعد أن تمتلئ الفنادق في القدس الغربية . أي أن قطاعنا السياحي هو قطاع ملحق بالقطاع السياحي الاسرائيلي.
وبالعودة إلى الدراسة أعلاه يجد المرء أن ٧٤،٩ بالمئة من السياح إلى القدس عام ٢٠١٨ كانوا مسيحيين ، و ٢٧،٥بالمئة يهود ، و ٢،٤ بالمئة مسلمون . أما أهداف زياراتهم للقدس فإن ٢٤ بالمئة منها جاءت لأسباب دينية ، و ٣٠ بالمئة لأسباب عائلية ، و ٢١،٣ بالمئة للترفيه والترويح عن النفس . ويأتي ٢١ بالمئة من السياح من الولايات المتحدة الامريكية ، وتليها فرنسا، فروسيا ، فألمانيا ، فبريطانيا ، فايطاليا ثم بقية دول العالم الغربي التي يأتي منها سياح مسيحيون ويهود وقسم قليل من المسلمين ومن باقي الديانات غير السماوية. أما السياحة من الدول الاسلامية فهي تتمثل بسياحة اسلامية أو مسيحية من تلك الدول ، واولاها حسب احصاءات ٢٠١٩ هي اندونيسيا وتركيا بواقع ٢٣،٤ ألف سائح من كل منهما ، ثم تليهما الاردن بواقع ١٩،٦ الف سائح ، فأوزبكستان ، فكازاخستان ، فالمغرب ، فمصر ( بواقع ٨٢٠٠ سائح غالبيتهم من الاقباط المصريين). وغالبية زيارات السياح للقدس هي للأماكن الدينية المسيحية ، بينما زار الاقصى منهم ٤،٧ بالمئة فقط، نزولا عن ٩ بالمئة عام ٢٠١٦. ويبدو أن التوترات التي ولدتها إجراءات الاحتلال بشأن الاقصى قد أدت إلى تراجع نسبة الزوار بين ٢٠١٦ إلى ٢٠١٩.
يترتب عن هذه المعطيات لإستباحة القدس من خلال السياحة ، مسؤوليات للمجتمع المحلي المقدسي، ولدولة فلسطين ، ولسفارات فلسطين وجالياتها في العالم من أجل تعزيز درجة من السيادة الشعبية في المدينة من خلال السياحة ، والمقصود بالسيادة الشعبية هنا أمور تتعلق بما هو أكبر من مجرد الصمود السلبي ، وتتعداه إلى تحقيق درجة معينة من استقلالية المجتمع الفلسطيني في القدس واعتماده على نفسه ، والحفاظ قدرته في مقاومة الضغوط الاستيطانية الاستعمارية عليه. فكيف يمكن لإعادة تنظيم السياحةإلى المدينة أن يلعب دورا بهذا الاتجاه؟. طرحت بعض الافكار الاولية بهذا الخصوص على صفحات أخبار البلد في مقالة نشرت يوم ١٣ أيلول الماضي ، وهنا أود أن استكمل بأفكار أخرى على طريق تطوير ورقة سياسات شاملة حول الموضوع:
أولا : يقع دور على المجتمع المحلي المقدسي، بدءا بتطوير رؤيته للدفاع عن القدس بصورة تشمل مكونات مثل السياحة ، وانتاج برامج تراثية ثقافية سياحية مبنية على الرواية الفلسطينية كما أفادني الصديق المبادر رائد سعادة أحد أهم أصحاب الرؤية بشأن تنمية السياحية الفلسطينية في القدس. ويضيف الصديق رائد افكارا هامة أخرى تقوم على تعزيز القدرة التنافسية للقدس ، وتوفير عناصر جذب لكل العالم للقدوم لزيارتها والاقامة فيها بالتنسيق مع أصدقائنا وجالياتنا في العالم ، وأضيف على ذلك التنسيق مع الاردن وتطوير سياسة سياحية فلسطينية أردنية مشتركة تسهم في تعزيز السيادة الشعبية للمقدسيين على مدينتهم بما لا يحول فقط دون استمرار طردهم وتهجيرهم من المدينة ، ولكن يبني أيضا وجودهم المستقل والمعتمد نسبيا على الذات في المدينة.
معنى ذلك أن تطوير رؤية لكيفية جعل السياحة تلعب دورا في الدفاع عن القدس ، يبدء أولا من المجتمع المحلي المقدسي ذاته . يتطلب ذلك بدون شك معالجة تحديات هامة ومنها أن لا تستمر بعض وكالات السياحة في القدس بالعمل كذيل للوكالات السياحية الاسرائيلية ، وأن تحاول تطوير رزم سياحية رخيصة لسفر السياح إلى القدس عبر مطار عمان، بدلا من مطار تل ابيب ، وانتقالا للإقامة في فنادق وشقق وبيوت ضيافة في القدس الشرقية ، والتنسيق مع الاردن لتطوير رزم سياحية مشتركة تتضمن زيارة فلسطين والاردن.
ستواجه هكذا محاولات بطيران الاتحاد الاماراتي الذي سيقوم بعد إنتهاء أزمة كورونا بتسيير أساطيل من الطائرات التي تنقل سياحا من دول جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا عبر مطار تل أبيب ، وسيخلق هذا الوضع تحديا أمام بعض وكالات السياحة الفلسطينية التي قد تعود للتذيل لنظيراتها الاسرائيلية . ولكن لا بد من إدخال عنصر منافس لهذه الاساطيل بأخرى نحو عمان ، وربما أن تقدم الاردن لطيران الاتحاد الاماراتي ميزات أفضل لتفضيل التوجه إلى مطار عمان بدل مطار تل أبيب ، والتفاعل أكثر مع الامارات تحت مظلة الجامعة العربية أكثر حول هذا الموضوع . لا ادري فهذه نقطة بحاجة إلى المزيد من الاستشارات وآراء اصحاب الخبرة من أجل تطويرها لتعزيز الصمود المقدسي .
وعوضا عن الدور المتشعب للمجتمع المحلي المقدسي ، هنالك ثانيا أدوار سفارات في فلسطين في مختلف دول العالم بأن تقيم دوائر سياحية فاعلة فيها مزودة بدلائل سياحية ومواد تعريفية عن القدس وفلسطين ( كل فلسطين )، وأن تقوم هذه الدوائر بالعمل بحملات ترويجية بين شعوب البلدان التي تعمل فيها ، وربما بتنسيق الجهود أيضا مع سفارات الاردن في تلك البلدان لتنظيم السياحة للتوام الاردني الفلسطيني معا. وللجاليات الفلسطينية في دول العالم أن تساهم بهذا الجهد بحيث تتوجه السياحة الدولية إلى فلسطين وليس إلى إسرائيل
إذن هنالك مسؤولية للمجتمع المحلي المقدسي وقطاعه السياحي ، ومسؤولية لوزارة السياحة في إعداد الدلائل والارشادات للسفارات الفلسطينية في العالم ، ومسؤولية للوزارة الفلسطينية بأسرها للتنسيق مع الاردن، ومسؤوليات للسفارات والجاليات لتوجيه السياحة القادمة إلى إسرائيل وتوجيهها نحو فلسطين . أجل سيعبرون من الاردن إلى فلسطين عبر جسر اللنبي المسيطر عليه إسرائيليا ، ولكنهم يعبرونه ضمن معرفتنا المسبقة من خلال جهودنا وتنسيقنا مع الاردن أنهم قادمون إلى فلسطين وفي مقدمتها القدس ، وهذا يختلف عن قدومهم بالتنسيق مع وكالات سفر إسرائيلية وحكومة إسرائيل عبر مطار تل أبيب . وبهذا نقلص استباحة القدس من خلال السياحة كما هو عليه الوضع حتى الان ، ونحصل على قدر ما من الاعتماد على الذات نحو الاستقلال عندما يحين أوانه . فهل للقراء أن يقدموا إسهامات لأفكار أخرى تحول السياحة القادمة إلى إسرائيل والتي بلغت قرابة خمسة ملايين سائح سنويا حتى الان ، نحو فلسطين والقدس بإدارة منا نحن وليس عبر تذيلنا لوكالات السياحة الاسرائيلية ؟

