• 9 تشرين أول 2020
  • أقلام مقدسية

 

بقلم القاضي  :فواز ابراهيم نزار عطية

 

منذ نشأت دولة الاحتلال الاسرائيلي على ارض فلسطين التاريخية، فرضت إسرائيل ثلاثة أنواع من القيود على حرية التنقل للأفراد والجماعات: الاغلاق ،الحصار، وحظر التجول، ومن الطبيعي أن يكون لكل قيد آثاره، وبعيدا عن التعريف والتحديد القانوني لكل معنى ورد في القيود الثلاثة التي يعرفها كل فلسطيني، إلا أنه جدير بذكره أن نقف على تحديد مفهوم كل مصطلح بعبارة واحدة ليتكمن القارئ العربي في الوطن الكبير معرفة معاناة بني جلدته العربي الفلسطيني، تحسبا من أي اجراء قد يطاله في المستقبل في ظل تسارع بعض الحكومات على التطبيع مع الكيان الذي لم يدخر جهدا إلا بوضع عراقيل لحرية التنقل لتحقيق اهدف كثيرة لا حصر لها.  

فالاغلاق- منع بات من دخول لمنطقة معينة.

أما الحصار - ("طوق" حسب لغة الجيش الإسرائيلي) بإغلاق الطرق المؤدية لبلده معينة أو مجموعة من البلدات بواسطة الحواجز المأهولة بالجنود أو الكتل ألاسمنتية والحواجز الترابية أو الخنادق العميقة.

فيما يعد حظر التجول - تقييد حرية التنقل الأكثر شدة، إذ انه خلال حظر التجول المفروض يمنع السكان من الخروج من بيوتهم.

وفي اطار القيود الثلاثة، القانون الدولي لحقوق الانسان يُلزم دولة الاحتلال بإحترام حق سكان الاراضي المحتلة في حرية الحركة والتنقل داخل الاراضي المحتلة، إذ أن هذا الحق معترف به في البند 13 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان، وفي البند 12 من الاتفاقية الدولية للحقوق
المدنية والسياسية، فسلامة سكان الاراضي المحتلة والحفاظ على حرية تنقلهم مسؤولية السلطة المحتلة التي هي مشتقة من القانون الدولي الانساني.

وبالتالي تعتبر اهمية الحق في حرية الحركة والتنقل، من مقومات حقوق اخرى راسخة في الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حيث الحق في العمل، والحق في ظروف حياتية لائقة بجميع ما تشتمله كلمة "لائق" من اساسيات حقوق الانسان، ولا يحق للسلطة المحتلة فرض قيود على حرية التنقل، لأن في تلك الاجراءات التعسفية تمس بكرامة الانسان العربي في مختلف نواحي الحياة في القدس القديمة، الامر الذي يجعل من خرق قواعد القانون الدولي الانساني مساسا بكرامة وحرية الفرد العربي الفلسطيني بصورة لا تليق بحقوق الانسان.

السياسة المتبعة اليوم من السلطة المحتلة في القدس القديمة، بما يؤدي المساس بالعديد من حقوق الانسان العربي الفلسطيني، جعل من التشديد في حرية الحركة وفرض عقوبات غير مُشرعة، واتخاذ التنكيل ببعض السكان العرب بصورة ممنهجة اساسه التعامل ضمن سياسة الامر الواقع، من حيث وضع قوة شرطية على جميع الزقاق في البلدة القديمة ونشر الحواجز الشرطية بين شارع وآخر، والتدقيق في الهويات داخل البلدة القديمة وتسجيل حركة كل مواطن عربي على جهاز الحاسوب المحمول في كل زقاق وشارع، بل الامعان في تسجيل حركة المواطن العربي الفلسطيني في البلدة القديمة بما لا يقل عن ثلاث مرات لكل 500 متر،  دون اتباع ذات الاجراءات على اليهود القاطنين في البلدة القديمة، دليل آخر على رسم خطة مُحكمة تهدف لتغيير واقع يراد منه المس بالبنية الديموغرافية للتواجد العربي في القدس القديمة.

لذلك نجد الحجج الواهية التي تدعيها السلطة المحتلة بأن التقييد في حركة المواطنين العرب في القدس القديمة هدفه منع انتشار وباء الكورونا، رغم أن التضليل سيد الموقف هنا، فالهدف يراد منه التغطية على سياسة أمر الواقع مستغلة بذلك سلطة الاحتلال، ما يسمى بجائحة الكورونا لتمرير مخطط جديد يتعلق بالقدس القديمة وأهلها العرب ذات الغالبية السكانية بما لا يقل عن 85% .

فالارقام والاحصائيات الصادرة عن دوائر الصحة التابعة للاحتلال تؤكد كذب رواية بعض السياسين منهم، فمنذ أن اتُخذ قرار اغلاق المحلات التجارية في معظم المناطق التي يسيطر عليها، كانت نسبة المصابين بفيروس الكورونا من اليهود بالمجمل ورغم تشديد القيود تزداد منذ الثلاثة الاسابيع المنصرمة، حيث وصلت إلى أكثر من 11000 اصابة في اليوم، في حين بلغت الاصابات لدى الجانب العربي في القدس الشرقية بما في ذلك البلدة القديمة بما لا يتجاوز 200 اصابة في اليوم.

إذا فرض قيود على البلدة القديمة واهلها، ومنع دخولها إلا للقاطنين فيها، بما أدى إلى شل الحركة في البلدة القديمة له أهداف وغايات، يظهر منها اولا تغيير الواقع بتشديد الخناق على حركة الدخول والخروج من القدس القديمة للسكان العرب فقط دون فرض قيود على اليهود، بل نشرت وسائل الاعلام الاسرائيلية واقع الحركة التجارية في الجانب الغربي من المدينة بالذات لدى احياء المتشددين من اليهود وامام بصر ومسمع الشرطة الاسرائيلية دون تحرير مخالفة واحدة، مما يجعل من التمييز للسلطة المحتلة عبارة عن سياسة تقوم على اساس خلفية قومية، لأن تلك القيود تسري فقط على العرب الفلسطينيين.

وبالتالي في ظل ما تتعرض له البلدة القديمة من تقييد حركة التنقل وحرية ممارسة الشعائر الدينية وحريات اخرى، ادى بطبيعة الحال إلى تحويل القدس القديمة لمدينة اشباح نتيجة الاغلاق بالاكراه للمحلات التجارية تحت مسمى جائحة الكورونا، الامر الذي وصل الحد إلى تضرر نفسية عدد كبير من الشيوخ والاطفال نتيجة القيود، لم تشهده مدينة القدس البتة حتى في الحربين العالميتين الاولى والثانية.

وبناء على ما تقدم في ظل تقييد حرية التنقل وتقييد حرية العبادة في المسجد الاقصى الذي يدخله فقط المصلين المسلمين القاطنين في البلدة القديمة، وفي ظل ما تبقى من وجود عربي فلسطيني من مسيحين ومسلمين الذين يشكلون الغالبية لسكان البلدة القديمة بما لا يقل عن 85% من عدد السكان ويزيد، فالسؤال المركزي لما تغلق كنيسة القيامة ثلاثة ايام في الاسبوع، ويمنع ابناء القدس القديمة من المسيحين الصلاة فيها خلال تلك الايام، أليس من حق كل مسيحي ولو كان شخصا واحدا أن يصلي في الكنيسة في الوقت واليوم الذي يشاء دون قيد أو شرط، فمن وراء قرار هذا الاغلاق ولمصلحة من وما الهدف منه، ومن حدد ايام الاغلاق على التوالي من يوم الجمعة حتى صباح الاثنين من كل اسبوع؟

اشتكى عدد من الاصدقاء والاخوة من المسيحيين من سياسة اغلاق الكنيسة، رغم عدم وجود سائح واحد في البلاد، ورغم منع المسيحين كذلك القاطنين في ضواحي القدس من دخول البلدة القديمة، فمن يملك حق الرد على اسئلة الاصدقاء والاخوة رغم التقييد باجراءات الصحة اثناء ممارسة الطقوس الدينية في الايام المتبقية من باقي الاسبوع من الاثنين حتى الخميس؟؟؟