- 16 تشرين أول 2020
- أقلام مقدسية
بقلم : ارشـد هورموزلو
ما نعرفه عن ّ كعب أخيل ّ هو ما قرأناه في الأساطير اليونانية القديمة عن البطل الأسطوري أخيليوس. فعندما ولد اخيليوس قامت والدته التي كانت تتمتع بقوى خارقة بتوظيف هذه القوى لحماية وليدها وجعله محاربا لا يهزم.
قامت الوالدة بغطس الوليد في الماء المقدس بحيث لن يفلح أي سلاح في الاجهاز عليه اطلاقا ولا في اصابته بأي جرح. ولكن، وبما أن المرأة قد أمسكت بكعب الوليد عند تغطيسه في الماء مما أصبح هذا الجزء الوحيد من الجسم لم تغمره المياه ولم يكتسب تلك القوة الخارقة، فقد بقي هذا القسم غير محصّن وفق هذا المفهوم.
من هذا المنطلق كان الأمل الوحيد لمن يريد الاجهاز على اخيليوس هو اصابته في كعبه بسهم مسموم، حيث أن هذا الجزء لم يتمتع بالقوة الأسطورية الماثلة في حجب أي ضرر مهما كان.
وهكذا استعمل هذا النقص في حروب طروادة وأصيب البطل الأسطوري في كعبه، فخرّ صريعا.
أصبح مصطلح كعب أخيل متداولا في اوروبا والأدب العالمي كإشارة إلى نقطة الضعف أو النقص، كلما اريد أن يؤشر شخص ما إلى هذه العقدة، وأصبحت الأوساط الأدبية والفكرية والسياسية تشير به إلى نقطة الضعف عند الحديث عن مكامن القوة ومن ثم نقطة الضعف التي يمكن أن تشوبها.
وقد تم تداول هذا المصطلح عند تداول أية نقاط يمكن أن تضعف حركة ما أو أمرا معينا، حتى ولو كان الأمر متعلقا بنضال شعب ما أو مجموعة سكانية بعينها.
من هذا المنطلق نرى أننا يجب أن نبحث عن نقاط الضعف في مسيرتنا وممارسة النقد الذاتي قبل أن تتصدى القوى الأخرى لاكتشاف ذلك واستعمالها في أمور قد تحدث الخلل والضعف في هذه المسيرة. ومن الطبيعي أن يكون في ذلك خدمة لقضيتنا وتخليصها من أدران الضعف والتراجع.
قد ينبري البعض بحماس منقطع النظير وبأسلوب غير حضاري للاعتراض فورا مدعيا بأننا غير معرضين لأي ضعف أو هفوة، وان أمورنا بخير وعلى أحسن ما يرام.
ولكن النقد الذاتي فضيلة، والأمم تعمل على ذلك، شأنها في ذلك شأن الأفراد لتشخيص كعب أخيل ومعالجة آثاره.
وفي هذا المضمار يمكننا الحديث عن نقاط مترابطة فيما بينها، والمعروف أن هذه النقاط متداخلة وتؤثر الواحدة على الأخرى.
فقيل كل شيء يجب أن ندرك بأن بذر الخلاف بين المجموعات المختلفة التي لا تمتلك وحدة الخطاب ممكن وحتمي، ولهذا السبب نرى عدم احتضان بعض المقولات أو العروض في مجتمعنا أحيانا لأن البعض قد اعتاد على النظر إلى من قال وليس الى ما قيل.
وعند النظر في القضية الفلسطينية التي يحاول البعض إخراجها من مفهوم القضية أصلا، نرى أن القواسم المشتركة التي يجب أن يجمع عليها الكل قد تراجعت أحيانا بسبب الأهواء الشخصية أو الاختلاف في بعض وجهات النظر. وبطبيعة الحال فهناك مسببات لذلك يمكن أن نلقي الضوء عليها في النقاط الأخرى.
لا مجال للمجتمعات أو حتى للعقائد المصيرية أن تنجح في ادامة مسيرتها دون أن تكون لها نظرية واعدة وخطاب موحد صحيح. ولا يتم ذلك الا بالابتعاد عن كل ما يؤدي الى التشرذم والفرقة، والاتفاق على قواسم مشتركة يجب الدفاع عنها بضراوة تاركين الخلاف في التوجهات والمفاهيم لحين تحقيق الهدف المنشود والبدء في بناء مقومات الدولة.
نفطة هامة أيضا تتمثل في التعريف والاطلاع، اذ يجب أن يكون التعريف داخليا وخارجيا لكي تنقل هذه الأفكار الى أفراد المجتمع، أي مجتمع، وأن يقتنع الآخرون أيضا بعدالة القضية ووجاهة افكارها وأحقيتها وتمايزها بالمفهوم الحضاري الصحيح.
من الطبيعي جدا أن عدم التعريف للأجيال القادمة عن هذه المفاهيم والثوابت سوف يؤدي لخلق جيل ينصت ولا يقرأ، جيل قائم على الظاهرة الصوتية الشفهية التي ذكرناها بعيدا عن القراءة والبحث والتدقيق ومكتفيا بما يتلقاه من وسائل التواصل الاجتماعي أو بالشعارات بينما تسفك الدماء في الداخل دون رحمة.
والخلاصة:
يجب أن نكتشف كعب أخيل، وأهم وسيلة لذلك تدوين المفاهيم والأفكار وخارطة الطريق بترك كل نقاط الخلاف جانبا وأن ينبري الكل للدفاع عن المفهوم المشترك الذي يتطلع اليه الشعب الفلسطيني.
لا تنزعجوا رجاء، لنكتشف أية نقطة ضعف ونصلحها قبل أن يكتشفها الآخرون ويسيئوا استخدامها.

