- 6 تشرين الثاني 2020
- أقلام مقدسية
بقلم : الدكتور مشهور الحبازي*
بدأ الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون حملة شعواء على الإسلام والمسلمين منذ تولّى الحكم، وذلك سيرًا على خطى أسلافه من الرؤساء الفرنسيين بخاصّة، والأوروبيين بعامّة، ولكنّه في الشهرين الأخيرين تجاوز كلّ ما قاله رؤساء أوروبا والولايات المتحدة، وحتّى رؤساء الأحزاب المسيحيّة الإرهابيّة: مثل حزب الجبهة الوطنيّة الفاشي في فرنسا، وحزب بيم جريفين الفاشيّ في هولندا، وجزب الحريّة العنصريّ في النمسا، وحزب اتّحاد الشّعب الألماني في المانيا وغيرها كثير، وذلك عندما أعلن بوضوح أنّ الإسلام يعاني من أزمة في كلّ أنحاء العالم، ثمّ أيّد نشر الرّسوم الكاريكاتيريّة المسيئة للرسول، صلّى الله عليه وسلّم، وتبنّاها مُعلنًا أَنّه لن يتخلّى عنها، وحثّ على نشرها في كثير من وسائل الإعلام، وفي الشّوارع، واعتبر ذلك حريّة تعبير مقدّسة!!!.
ذلك دفع معلم تاريخ وجغرافيا إرهابيّ يدعى "صاموئيل باتي" إلى عرض تلك الصّور على تلاميذه من دون أية مراعاة لمشاعر تلاميذه المسلمين، فانبرى له فتىً مسلم من الشيشان حميّة وغيرة لرسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، وهتف بأعلى صوته: "بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله"، وانتقم لرسوله الكريم، الّذي نُحبّه، ونفديه بأَنفسنا، وبآبائنا وأّمّهاتنا، وكلّ ما نملك؛ لأنّ حبّه، صلّى الله عليه وسلّم، جزء من عقيدتنا، وإيماننا، وهو سبيل قويم لحبِّ الله، سبحانه وتعالى، ونيل رضاه، فعاقب ذلك الكافر بما يستحق، وفق شرعنا الحنيف، فالمسلمون دائمًا كانوا يدافعون عن الرّسول الكريم بأنفسهم وكلّ ما يملكون.
كان ردّ فعل ماكرون هو: تشجيع نشر الصّور المسيئة في كل أنحاء فرنسا، وزيادة هجومه على الإسلام والمسلمين في فرنسا وكلّ أنحاء العالم، وحاول أن يستنجد بأوروبا المسيحيّة على الجمهوريّة التركيّة لأنّ رئيسها رجب طيب أردوغان هو الزعيم المسلم الوحيد الّذي تصدى لهجمة ماكرون علنًا وبوضوح، وباللّغة والأسلوب الّذي يفهمه ماكرون، وقد تستّر وراء ما سمّاه قيم الجمهوريّة، والقيم الأوروبيّة، وادّعى أنّ المسلمين الإنعزاليين يريدون مصادرة جمهوريته وقيمها الّتي لن يتخلّى عنها.
هنا لا بدّ من توضيح سريع للقيم الفرنسيّة الّتي يتفاخر بها ماكرون، وأوروبا، وهي في الواقع قيم إرهابيّة، وحشيّة، تتناسب ولهجة ماكرون وهجومه العنصريّ، والطائفيّ على الإسلام والمسلمين، كما تتناسب مع تاريخ أوروبا الدّمويّ والمتوحّش ضد الإنسانيّة كافة، وأوّلها المسلمون.
القيم الّتي يفاخر بها ماكرون هي الّتي نتجت عن الثورة الفرنسيّة ضد الملكيّة سنة(1789م)، وهي: الحريّة، والإخاء، والمساوة، فهل تمسّكت بها فرنسا منذ تلك الثورة حتّى الآن؟ الجواب هو الآتي:
1-بعد حوالي تسع سنوات من تلك الثورة، وإعلان المبادئ الثلاثة شعارًا لها، بادر نابليون بونابرت إلى احتلال مصر من الدّولة العثمانيّة، وبدأ احتلاله بالكذب الصّراح حيث ادّعى الإسلام، وخدمة السّلطان العثمانيّ ضد مَنْ أسماهم المماليك، وسرعان ما اكتشف المسلمون كذبه، حيث أَطلق الحرية لجنوده بفعل ما يشاؤون، فقتلوا خلال ثلاث سنوات(300) ألف مسلم هم في ذلك الوقت يعادلون ثُمن مسلمي مصر، أي أنّه قتل في ثلاث سنوات مواطن مصريّ مسلم من كلّ ثمانية، وكان جنده يحرقون القرى كاملة بأهلها، وشجرها، ودوابها وهم أحياء، كما كانوا ينهبون، ويغتصبون، ويهدمون، ويسرقون آثار مصر، ومكتباتها، وكلّ ما فيها، كما هدموا كثيرًا من المساجد، ودنسوا الأزهر الشّريف.
2-أثاروا الفتنة الطائفية في مصر بين المسلمين والأقباط، فعينوا "يعقوب اللّعين" مساعدًا لقائد جيش الاحتلال الفرنسيّ "مينو"، ومنحوه صلاحيّات واسعة، وأَسّس جيشًا عميلًا من الأقباط كان يقتل، وينهب، ويحرق، ويغتصب نساء المسلمين.
3-في شهر حزيران (1800 م) تمكّن شاب حلبيّ مسلم من طلبة الأزهر الشريف هو سليمان بن محمد أمين الحلبيّ، من الوصول إلى "كليبر" نائب نابليون بونابرت في مصر، وقتله في دهليز بستان منزله، وذلك بعد أَن أمضى واحدًا وثلاثين يومًا وهو يترصّده. وقد مثّل الاحتلال الفرنسيّ بسليمان الحلبيّ، قبل قتلة، فقد أحرق يده الّتي طعن فيها "كليبر"، ثمّ قطع الثانية، ثمّ اقتلع عينيه، ثم أَعدمه بالخازوق، وبعد ذلك قطع رأسه، ونقل جُمجمته إلى غرفة التشريح بمدرسة الطب بباريس، فكانت كما يقال أوّل جمجمة فيما عُرف بعد أكثر من مائة سنة باسم "متحف الإنسان"، هذا المتحف الّذي يهدر كرامة الإنسان غير الفرنسيّ، ويجعله فأر تجارب، وأثرًا كباقي الأثار المادّية، تُجمع عليه الأموال من زائري المتحف، حيث يكتب تحت بعض الجماجم عبارات عنصريّة، وطائفيّة من دون احترام لمكانة هذا الإنسان في وطنه، وعند أهل عقيدته، وقد كُتب تحت جمجمة الشّهيد سليمان الحلبيّ عبارة:"جمجمة مجرم بربريّ". ثم نقلوا جسده الطّاهر إلى متحف باسم:"حديقة الحيواناتُ والنباتات" في باريس، كما احتفظوا بالخنجر الّذي قتل به "كليبر" في مدينة "كركسون" بفرنسا.
4-من بعض مجازره في مصر مهاجمة بلدة "بني عدي" في صعيد مصر، وتدميرها وقتل أهلها ونهب ممتلكاتهم، وقد وصف المؤرّخ عبد الرحمن الجبرتي ما فعلوه فيها فقال:"وضربوا عليهم بالمدافع، فأتلفوهم، وأحرقوا جُرونهم، ثم كبسوا عليهم، وأسرفوا في قتلهم ونهبهم، وأخذوا أشياء كثيرة، وأموالًا عظيمة وودائع.
وحسب مذكرات رئيس أركان حرب الحملة الفرنسية، فقد تحوّلت بني عدي إلى أكوام من الخرائب، وتكدّس القتلى في شوارعها، حتّى أنّه لم ير مجزرة أشدّ وحشيّة ممّا حدث في بني عَديّ، وقُدّر عدد الشهداء فيها ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف مواطن.
5-أوجدوا في مصر جيشًا عميلًا بقيادة يعقوب حنا القبطي، الّذي سمّاه عبد الرحمن الجبرتيّ باسم "يعقوب اللّعين"، ومنحوه حق التصرّف بالمسلمين في مصر، فعاث فسادًا فيهم وفي مصر، حتى ضرب المثل بعمالته فقيل: "تلميذ المعلم يعقوب". وقد ألف فيه أحمد حسين الصاوي كتابا بعنوان "المعلم يعقوب بين الأسطورة والحقيقة".
6-عندما احتل نابليون مدينة يافا الفلسطينيّة، أعدم ثلاثة آلاف أسير مسلم عثمانيّ دفعة واحدة، وفي مكان واحد، ولم يُسجّل تاريخ مثل هذه الجريمة البشعة إلّا للمغول، والصّليبيين، وهو حفيد الأخيرين، الّذين عندما احتلوا عكا من صلاح الدّين الأيوبيّ، رحمه الله، أعدموا ما بين (3-5) آلاف أسير مسلم في مرج الخروبة أمام أسوار عكّا، وذلك في الوقت الّذي أعاد صلاح الدّين الأيوبي لامرأة صليبيّة طفلها الرّضيع بعدما اشتراه من الحراميّة الّذين سرقوه منها، وأوصلها إلى الصّليبيين آمنة مع رضيعها.
7-في سنة(1830م) احتلت فرنسا الجزائر وعملت على تحويلها إلى أرض فرنسيّة، فألغت اللغة العربيّة، وتعليم الدّين الإسلاميّ، وأجبرت تلاميذ المدارس المسلمين في أنحاء الجزائر المختلفة على حضور الصّلاة في أيام الآحاد، ووضعت تماثيل للسيّد المسيح، وأُمّه السيّدة مريم، عليهما السّلام في كثير من المناطق المهمة في الجزائر؛ لتعويد الناس على رؤيتهم والصّلاة لهم.
8-قتل الفرنسيّون في الجزائر أربعة ملايين ونصف المليون إلى ما قبل ثورة التّحرير سنة(1956م)، وخلال ثورة التحرير الّتي تمّت سنة(1962م) قتلت مليون ونصف المليون جزائريّ. وذلك تمّ بأكثر الأساليب وحشيّة وهمجيّة؛ فكانوا يحرقون القرى والأحياء بأهلها، ويغتصبون وينهبون، ويُدمّرون كلّ ما يجدوه أمامهم، كما كانوا يُعدمون الأسرى أمام ذويهم من الوالدين والأبناء، والأقارب.
9-اتّبع الاحتلال الفرنسي خمسة أساليب وحشيّة في قتل الجزائريين وهي: قطع رؤوس الثوّار وقادتهم، ونقلها إلى ما تسميّه "متحف الإنسان"، وتجمع الثوّار الأسرى في مغاور وحرقهم أحياء، القتل بواسطة إطلاق كمّيات كبيرة عليهم من الدّخان فيموتون اختناقًا، أو بأية وسيلة يتفتّق عنها ذهن قائد القوة العسكريّة، وإبادة القرى الثائرة بواسطة قنابل النّابالم، واستخدام المواطنين الجزائريين فئران تجارب في أثناء إجرائها تجارب نوويّة في الصحراء الجزائريّة في بداية ستينيّات القرن الماضي، أي في سنوات الاستقلال الأولى.
10-في عام(1994م) أسهمت فرنسا في جائم الإبادة الجماعية الّتي ارتكبتها قبائل الهوتو ضد قبائل التوتسو، حيث وفّرت القوات الفرنسية ضمن ما سمي عملية "توركواز" الدعم العسكري للهوتو، ووفّرت السفارة الفرنسيّة الدعم المعنويّ بكونها مكانًا آمنا للاجتماع والتّخطيط، وقد شكل الهوتو نقاط تفتيش في الشوارع كانت تقتل التوتسي على الهويّة، وفي سنة(2018م) نشر الضابط الفرنسيّ" غيوم أسيل" كتابًا بعنوان "رواندا نهاية الصّمت" أكّد فيه دور فرنسا في الإبادة الجماعيّة.
11-في سنة(2013م) أسهمت القوات الفرنسيّة بارتكاب مجازر جماعيّة ضد المسلمين في جمهوريّة إفريقيا الوسطى حيث قتل بوحشية حوالي(800) ألف مسلم حرقًا وهم أحياء، وتقطيعًا بالسواطير، والسّكاكين، ومن خلال طحن رؤوس الأسرى بالحجارة والطوب في الشّوارع، وكان ذلك بدعم من الرئيس الفرنسيّ في حينه المدعو "فرانسوا هولاند" الّذي زار العاصمة "بانجي" زيارة خاطفة قبيل الحرب الأهلية، فيما قامت قواته بنزع سلاح القوة الإسلاميّة "سيليكا"، وفي المقابل أسهمت في تأسيس ميليشيا مسيحيّة باسم "أنتي بالاكا" أي "مناهضو السواطير" ، وزوّدتهم بالأسلحة، ومكّنت الكنيسة والكاميرون، وجنوب السودان من تقديم الّعم لهذه الميليشيا المسيحيّة، وقد ارتكبت تلك الميليشيا مجازرها بحرق المسلمين أحياء، وبتر الأعضاء، والقتل، والاغتصاب، والتّهجير، وتدمير المساجد، وغيرها من الوسائل.
إنّ ما سبق هو غيض من فيض الجرائم الّتي ترتكبها فرنسا ذات القيم الثلاثة الّتي أصدرتها كذبًا، وروّجتها بين عملائها، وما زالت تروّجها بالكذب حتّى اعتقد كثير من المغفّلين في العالم كله أنّها حقيقة، لكنّ إيمانويل ماكرون بغبائه، وحمقه تمكّن اخيرًا من كشف زيف تلك المبادئ؛ فلا حريّة، ولا إخاء، ولا مساواة في فرنسا بل فيها: عبوديّة، وقهر، وعنصريّة وطائفيّة مقيتة، وتمييز عرقيّ ودينيّ لا يقلّ عمّا فعله هتلر أو موسوليني، وهو مستمدّ بالأساس من خطاب بابا روما سيء الصّيت والسّمعة "أوربان الثاني" الّذي بكذبه ورّط العالم المسيحي قبل أكثر من تسعمائة سنة فيما سمّاه الحروب الصّليبيّة، الّتي دفع ثمنها المسلمون والنصارى على حدّ سواء طوال مائتي سنة، فهل ينجح ماكرون بقلّة ذكائه، وحمقه وتهوّره المستند إلى عدائه السّافر للإسلام والمسلمين في جرّ أوروبا إلى حروب صليبيّة جديدة، وبخاصّة أنّه بدأ تحريضها على التّضامن معه من أجل ما يل يتردّد في تكراره باستمرار وهو: "محاربة الإسلام السياسيّ"، و"الإسلام المتطرّف"، وذلك كذب وعدم فهم للإسلام فلا يوجد إلا إسلام واحد هو الإسلام العظيم ، دين السّلام والأمن للبشريّة جمعاء، الّذي حكم العالم أكثر من ألف سنة فعاش في كنفه البشر كلّهم بأمن وأمان ووئام لا فرق بينهم أمام القانون. وهم يطمحون ويسعون بكلّ قوتهم لإعادته نظام حكم شامل للدين والدنيا، ويرفضون بكلّ قوتهم قيم فرنسا وأوروبا المتوحّشة والعنصريّة، والطائفيّة، والّتي لا تقيم وزنًا لقيمة الإنسان وكرامته باعتباره أكرم مخلوقات الله، سبحانه وتعالى، فهل يفهم ماكرون، وأوروبا، وعملائه من العرب هذه الحقيقة، "والله غالب على أمره ولو كره الكافرون". صدق الله العظيم.
- أستاذ الادب في جامعة القدس

