- 12 تشرين الثاني 2020
- أقلام مقدسية
بقلم : سعادة مصطفى أرشيد
انتهت الانتخابات الأمريكية , بنجاح الديمقراطي العجوز جو بايدن , الذي ما لبث و فور ظهور النتائج , أن تخلى عن مظهرة الناعس المجهد , و ارتفعت معدلات هرمون الأدرنالين في دمه , ليظهر حيويا و منطلقا , هذا النجاح قد جعل بعض القوم يبتئسون بسبب ضخامة استثماراتهم في خصمه الفائز , و ربط مصيرهم بمصيره , و كذلك بسبب استخدام بعضهم المفرط لفائض القوة , التي أتاح لهم دونالد ترامب استخدامها دون ضوابط أو روادع , سواء في حربهم على اليمن و شعبه , أو في قضية قتل الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي , أو في الضيافة الكريمة في فندق رتز كارلتون , التي بذلها ولي العهد السعودي لأبناء عمه , و طالت رئيس الوزراء اللبناني في حينه و المكلف اليوم و غيرة من رجال أعمال و مستثمرين , و غير ذلك كثير , و قد ظهر الامتعاض جليا من نتائج الانتخابات و ذلك في تأخرهم عن تهنئة المرشح الفائز و الاكتفاء ببيان يحمل صفة العمومية قد صدر عن وزارة الخارجية السعودية , هذا الفوز جعل من قوم آخرين فرحين بما آتاهم هذا الفوز , فاستثماراتهم قد آتت أكلها و حققت أرباحا – سنرى لاحقا إن كانت حقا كذلك - , و من هؤلاء الأكراد الذين ورطتهم إدارة اوباما – بايدن بالعمل على الانفصال و قد تحيي عودة الديمقراطيين من آمالهم مؤقتا بأنها ستعمل على تقسيم العراق و تقطيع سوريا إن هم بقوا يحملون ذات العقلية البائسة , و منهم إيران التي ستتخفف من الحصار المفروض عليها و ستتم العودة إلى الاتفاق النووي الذي كانت قد أبرمته مع الإدارة الديمقراطية , و منهم الإخوان المسلمون الذين تراهم عقول الديمقراطيين مكونا أساسيا من مكونات السياسة في الشرق و العالم الإسلامي .
التريث في إصدار الإحكام , و اتخاذ القرارات و تحديد السياسات , ضرورة في هذه اللحظة الاستثنائية , في خواتيم ولاية ذلك الرئيس الخارج عن مألوف أسلافه , و لا يجوز الافتراض أن هذا المرشح معنا أو ذاك ضدنا , بقدر ما نحن من سيكون مع هذا أو ضد ذاك , طالما أننا لسنا مع أنفسنا , و ثمة مجموعة من المسائل يتوجب التوقف عندها , لتقدير مسارات السياسة الأمريكية , التي أصبحت بحسب بعضهم – و هو بعض محق - هي الأساس في تحديد محركات السياسة عندنا :
المسألة الأولى هي حول سلاسة انتقال السلطة من الإدارة الراحلة للإدارة الجديدة , إذ على ما يبدو أن معارك قضائية ستدور , و قد تأخذ وقتا إلى حين إصدار أحكامها النهائية , هذا و ثمة من يظن أنها ستكون في مصلحة ترامب نظرا لأن الجمهوريين يمثلون الأغلبية في أعضاء المحكمة العليا , إلا أن تقديرات تذهب في الاتجاه المعاكس , فلا زالت سمعه القضاء جيدة و هو بالتالي يحكم بموجب الأدلة و البينات و نصوص القانون , لا بموجب القناعات السياسية و العقائدية و الحزبية المسبقة , إضافة إلى ذلك يبدو أن أطرافا من الحزب الجمهوري لطالما نظرت إلى ترامب باعتباره طارئا على الحزب و على السياسة , و اخذوا ينظرون إليه اليوم باعتباره عبئا عليهم و بقعة سوداء في صفحتهم , سوف يكون لها تأثيراتها عليهم في أي انتخابات قادمة , و هم يبدون استياء معلنا من تعنت ترامب و رفضه قبول نتائج الانتخابات .
المسألة الثانية : إن احتمالات الفوضى التي قد تشهدها شوارع المدن الأمريكية , و التي ستقودها جماعات البيض و العنصريين , الذين أعجبتهم شعوبية ترامب و شخصيته و سلوكه
كأزعر الحي , أو قاتل الهنود الحمر في أفلام هوليوود القديمة , أو بالمقابل جماعات السود و الأقليات التي ستدافع عن نفسها , أو تلك الجماعات التي تضررت من تراجع مؤسسات الرعاية الاجتماعية , ثم تحطيم احد أهم انجازات إدارة اوباما الداخلية المتمثلة بأنظمة التامين الصحي التي يستفيد منها الفقراء و أبناء الأقليات , و تفيد أخبار الصحف الأمريكية أن مليون و ثمانمائة قطعة سلاح قد بيعت لمواطنين خلال أيلول الماضي , هذا الشارع المأزوم و المعبأ بالعنف و الكراهية و رفض الآخر المختلف باللون أو العرق أو الدين أو المنبت , قد يكون من الصعوبة بمكان ضبطه بوسائل الحوار و الإقناع , و قد لا يتأتى ذلك إلا بقدر عالي من العنف الرسمي المقابل .
المسألة الثالثة : أن ترامب باق في الحكم و ممسك بتلابيب القرار حتى ظهيرة العشرين من كانون ثاني القادم , و هو بموجب الدستور الرئيس الشرعي للولايات المتحدة بكامل الصلاحيات الدستورية , لكن جرت الأعراف , بان يكون رئيس تصريف أعمال طالما لم تتم إعادة انتخابه , لكن دونالد ترامب قد تصرف على الدوام بشكل خارج عن مألوف العرف السياسي الأمريكي , فهل سيدفع الأمور العالمية نحو التدهور خلال هذه الفترة , هل سيفتعل احتكاكات مع الصين أو إيران او فنزويلا مثلا ؟ و هل سيقوم حليفة و صديقة نتنياهو أيضا بمغامرات تجاه غزة او لبنان او إيران , طالما انه في طليعة الخاسرين ؟
المسألة الرابعة : أن جو بايدن الرئيس , قد يختلف عن جو بايدن السناتور و نائب الرئيس , و هو قد أتى مقيدا بالتزامات مع الحزب الديمقراطي الذي سيكون الحاكم الحقيقي , و قد جاوز الثامنة و السبعين من عمره , و هو أكبر الرؤساء الستة و الأربعين عمرا منذ الاستقلال و الرئيس الأول جورج واشنطن , و بالتالي فمن الراجح انه لن يترشح لولاية ثانية في عام 2024 , انه رئيس لدورة واحدة إن أتمها , و هو في غالب الأمر , لن يخرج في قراراته الإستراتيجية عن أفكار الطاقم القديم من كهنة و محترفي السياسة في الحزب الديمقراطي أمثال وزير الخارجية الأسبق جون كيري و خصمه في التنافس على ترشيح الحزب الديمقراطي السناتور المخضرم بيرني ساندرز و غيرهم , بالطبع إضافة إلى طواقمه الجديدة الشابة .
فلسطينيا , في حال بقيت الأمور عائمة , و الرؤية لما تتضح بعد في الشهرين القادمين , فان بن يامين نتنياهو يدرك أكثر من غيره , انه أمام معركته السياسية الأخيرة , و انه يحتاج الى تنفيذ عمل سياسي لافت , يحشد خلفه غلاة المستوطنين و الأكثر تشددا و عنصرية , مستلهما من التجربة الشعوبية الرعاعية لصديقه ترامب , و أن هذه الشعوبية تستطيع خلق حالة رأي تدعمه في معركته القضائية و هو يجلس في قفص اتهامات دعاوى الفساد

